إظهار الرسائل ذات التسميات Lebanese Stories. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات Lebanese Stories. إظهار كافة الرسائل
الأربعاء، 20 أبريل 2011
مازن عبود هنأ "الوكالة الوطنية للاعلام" بعيدها الخمسين
ما عساي اقول في الوكالة الوطنية للاعلام في يوبيلها؟؟؟
ااقول انها اللسان
الرصين للبنان المتنوع الذي يتنفس حرية منذ ان خرج الى العالم!!
ام اعتبرها صوت بلد الارز وعينيه وضميره!!!
لقد حملت الوكالة الوطنية لعقود شهيق وزفير وطن النجوم. كما نقلت بامانة تنهدات محننا، وآهات واهازيج اعراسنا في مختلف مراحل مرنا وحلونا، فشكرا لها...
لم تتقاعس الوكالة الوطنية للاعلام يوما، على الرغم من كونها وكالة حكومية، عن نقل الرأي والرأي المعارض في لبنان، وذلك في اطار لائق ومهذب.
اني اعتقد انّ الوكالة الوطنية للاعلام هي ام الوكالات في لبنان والعالم العربي وهي النبع الذي مازال يدرّ الاخبار على غالبية المؤسسات الاعلامية في البلد.
هذا واني على ثقة بأنّ هذه المؤسسة ستتمكن، من خلال مديرتها الطموحة وعائلة التحرير المميزة، من التحول كي تراعي متطلبات العصر.
اخيرا، اتمنى للوكالة ما اتمناه لبلدي. اتمنى لها دوام الازدهار والتطور والتنوع، وذلك كي يبقى الاعلام عندنا رائدا في الحرية في غمار عالم عربي متغيير.
مازن ح. عبّود
عضو معهد الصحافة العالمي (IPI ( فينّا
الثلاثاء، 22 مارس 2011
مخيمات وصيحات وأناشيد وحياة كشفية تعانق الحرية
مخيمات وصيحات وأناشيد وحياة كشفية تعانق الحرية
حكاية صبي حلم بغزو النجوم عبر بادن باول
ما كان بادن باول وحركته الكشفية، بالنسبة الى الفتى الذي كان يحلم بغزو النجوم، الا مفتاح بوابة الكون الكبرى. والكون، كان في يقينه، حقلا غير مسبور يغصّ بالورود والزهور والاحلام والمبادئ التي كانت تنتظر قدومه هو شخصيا كي ينميها.
نعم كان ذاك الفتى متحمسا لاقتحام مملكة الكبار كي يغيّرها فتضحي افضل بقليل. وكان تأثر بقول السير بادن باول، في رسالته الاخيرة الى الحركة الكشفية: "يا فتيان، انظروا دائماً الى الوجه المشرق للحياة، واعلموا انّ الطريقة الامثل لامتلاك السعادة هي في اعطائها للآخرين. حاولوا ان تجعلوا العالم افضل بقليل من بعدكم، افضل مما ادركتموه. حتى انكم اذا ما بلغتم الممات، تشعرون بالرضى، لانكم ما اهدرتم العمر. وانكم بهذا المنوال تعيشون وتموتون بسعادة". لقد اراد صاحبي ان يعيش بسعادة، فحاول ان يمنحها لمن حوله، كما اراد ان يموت بسعادة ايضا فعمل للتغيير.
كان لقاؤه بالقائد ميشال، بواسطة رئيس نادي محلته وصديق والده رمزي، النازح من بيروت هربا من لفحة الحرب، نعمة في حياته. فكان ان اعجب الفتى الطموح بالمصرفي المخضرم الذي ما زال يحفظ للكشاف الذي كان مطرحا في قلبه. انشده الفتى بطريقة عرض الرجل لأفكاره وواقعيته، كما بقدرته على التخاطب مع الفتيان من امثاله. فكان ان اضحى الرجل مثالا للفتى. لمَ لا ومشروعات الرجل اعطت الفتى معنى لحياته، إذ اعطاه ذلك البيروتي المعنويات، وافهمه أنّ كل شيء في الدنيا ممكن، وساعده على فهم قدراته القيادية وعلى بلورتها كي تكون في خدمة من حوله. جعله يرى العالم بعدسات وردية، اي من خلال عدسة بادن باول ومدرسته. لم تكن الكشفية بالمطلق غريبة عن الفتى، اذ انه كان شارك في نشاطات حركة الشبيبة، الا انّ ذلك لم تكن الكشفية، ولا كان هو من يقود ويوجّه...
اما سبب اللقاء، فكان ترجمة لرغبة لدى صديق والده الذي شغل رئاسة النادي، في توفير نشاطات
للفتيان مفيدة في البلدة التي عجّت بالنازحين من محيط بيروت الشرقية الادارية وسواحلها الى تلك البقعة هربا من الحروب وتأثيراتها.
كانت تلك الحقبة، التي ابتدأت في العام 1987 وانتهت في العام 1991، بحق علّة دخول الفتى الى عالم الكشفية. محطة وصّفت بدايتها، بالذهبية في ناحيته الجردية، وبالسوداء في "المناطق المحررة" او المنطقة الشرقية. ذهبية لانّ ناحيته وبلدته اضحتا ملجأ لكل من اراد الاستقرار في زمن الحروب الصغيرة والـ "لااستقرار".
حلوة ومرة
ما زال الفتى يتذكر، بالكثير من الفخر، كيف جمع رفاقه مع انتصاف آذار، فأطلق تحركا هدف الى تحويل خربة ومكبّ نفايات في وسط سوق بلدته القديم حديقة وامارة كشفية. شعر بالفخر يومذاك، لانّ روز، صاحبة عمته ايفون، قالت فيه أنّه فتى موهوب وأنّ له مستقبلاً واعداً. هكذا اضحت الخربة وحديقتها قبلته وعالمه، كيف لا وقد استضافت مطارحه ومطارح رفاقه! امارة كانت مسورة بحوائط تفصله عن الواقع.
ولكم احبّ الفتى ان يلحظ العلم يعلو في كل صباح على ساريته، على انغام البوق والصيحات الكشفية. كما احبّ قدوم الليل زمن المخيمات، كي يعانق النجوم ويراقص النار تعلق بالارض والجبال، فاستمتع بالانشاد لهما أناشيد الحياة.
الا انّ عالم الفتى، اثار حسد الحسّاد، حتى قيل أنّ مؤسس الكشفية عهد اليه جمع المعلومات وافساد اخلاق الشبيبة، كما جمع الاموال الى ملكة بريطانيا اليزابيث الثانية. شائعة اطلقها احد فلادقة المحلة، المعروف بالـ "بروبغندا"، وسربها الى نجيبة، عدوة جولو، بهدف نشرها في الاوساط النسائية. نجيبة تولت نشر المادة بحماس بعدما سمعت ان بادن باول هو حليف قبائل "الزولو"، الذين ظنت أنهم اهل جولو جارتها في كفردقّة. فكان ان حوّرت اسم مؤسس الحركة الكشفية الجنرال بادن باول فجعلته الجنرال "بدو يبوّل". ومذذاك ارتبط اسم مؤسس الحركة الكشفية بالبول في محلتنا والجنرال.
عرف الفتى، فحزن كثيرا لذلك، وكان ان عاتبها، فنهرته (التانت) نجيبة داعية اياه للعودة الى صوابه واشهاره نكران الجنرال "بدو يبوّل" الذي تتناقض تعاليمه مع التعاليم الكنسية والثقافة المحلية. وتوّعدته بالحرب حتى النصر المستبين!
لكن الفتى ما انفكّ يقوم، ورفاقه، بمشروعات وانشطة شغلت البلدة. انشطة اعطت الفرح للناس، فانعكست عليه. وكانت مثاليته تتنامى حتى حدود النجوم، وراح يتقن فنّ الممكن حتى حدود التراب. احبّ الكشفية التي جعلته يعانق الحرية النازلة على رؤوس الجبال. حلم حتى حدود الاديم الازرق الذي يلف القرميد الاحمر المطعم عتقا في بلدته. وكان ان اعطته الكشفية اول قصة حب في حياته. قصة اجهضت قبل ان تثمر. اعطته الكشفية ان يغطس الى قعر المغاور، الى تحت الارض، حيث الاسرار والاساطير تنبع. كانت مسيرته قطعة من رجاء غسق المغيب المتموضع في احضان الجبال.
ثمّ هبّت العاصفة، فاتهم الفتى بانه عدو، لانه، وفق "نجيبة العجيبي"، من اتباع الجنرال "بدو يبوّل"، واعتبر انّ الجنرالات جميعهم في حلف طبيعي. فلوحق واوقفت حركته الكشفية. فكانت ان اغتيلت تجربته في حروب ما قبل الطائف. اغتيلت، لانه ما كان مسموحا للفرح بأن يساكن الموت، وللحلم بأن يعاقر الالغاء. واختفت اصداء نغمات قيثارته مع قرع الطبول. وقع الفتى ورفاقه معه، فتهاوت مثاليته. بكى كثيرا ولعن حروب اهله العبثية، الا انه عاد فقام من وهدته، وبدأ ببناء مشروعات اخرى.
تغير صاحبي كثيرا منذ ذلك الزمن، الا انّ الفتى الذي كان يوقد النار على السفوح ما زال يعيش في داخله. ما زال يعيش في كيان الشاب الذي امسى، الفتى – النسر الذي يحلّق وراء النسور الشاردة على قمم الجبال، ويصارع الريح، وينظر الى الشمس عينا بعين مدندنا لها اهازيج النحل. لقّنته الكشفية، بمرّها وحلوها، بعض اسرار الكون، فصنعت له "وطن النجوم"، وطناً سيكتب له النجاح ان حكمه الكشافة الفتيان والفتيات. … وما زال الفتى القاطن، في دهاليز اعماق الرجل، يستفيق عند كل مناسبة كي يحيي فيه القسم الكشفي والقصص والمغامرات، فلا يستسلم الرجل لليأس ابدا.
مازن عبود
حكاية صبي حلم بغزو النجوم عبر بادن باول
ما كان بادن باول وحركته الكشفية، بالنسبة الى الفتى الذي كان يحلم بغزو النجوم، الا مفتاح بوابة الكون الكبرى. والكون، كان في يقينه، حقلا غير مسبور يغصّ بالورود والزهور والاحلام والمبادئ التي كانت تنتظر قدومه هو شخصيا كي ينميها.
نعم كان ذاك الفتى متحمسا لاقتحام مملكة الكبار كي يغيّرها فتضحي افضل بقليل. وكان تأثر بقول السير بادن باول، في رسالته الاخيرة الى الحركة الكشفية: "يا فتيان، انظروا دائماً الى الوجه المشرق للحياة، واعلموا انّ الطريقة الامثل لامتلاك السعادة هي في اعطائها للآخرين. حاولوا ان تجعلوا العالم افضل بقليل من بعدكم، افضل مما ادركتموه. حتى انكم اذا ما بلغتم الممات، تشعرون بالرضى، لانكم ما اهدرتم العمر. وانكم بهذا المنوال تعيشون وتموتون بسعادة". لقد اراد صاحبي ان يعيش بسعادة، فحاول ان يمنحها لمن حوله، كما اراد ان يموت بسعادة ايضا فعمل للتغيير.
كان لقاؤه بالقائد ميشال، بواسطة رئيس نادي محلته وصديق والده رمزي، النازح من بيروت هربا من لفحة الحرب، نعمة في حياته. فكان ان اعجب الفتى الطموح بالمصرفي المخضرم الذي ما زال يحفظ للكشاف الذي كان مطرحا في قلبه. انشده الفتى بطريقة عرض الرجل لأفكاره وواقعيته، كما بقدرته على التخاطب مع الفتيان من امثاله. فكان ان اضحى الرجل مثالا للفتى. لمَ لا ومشروعات الرجل اعطت الفتى معنى لحياته، إذ اعطاه ذلك البيروتي المعنويات، وافهمه أنّ كل شيء في الدنيا ممكن، وساعده على فهم قدراته القيادية وعلى بلورتها كي تكون في خدمة من حوله. جعله يرى العالم بعدسات وردية، اي من خلال عدسة بادن باول ومدرسته. لم تكن الكشفية بالمطلق غريبة عن الفتى، اذ انه كان شارك في نشاطات حركة الشبيبة، الا انّ ذلك لم تكن الكشفية، ولا كان هو من يقود ويوجّه...
اما سبب اللقاء، فكان ترجمة لرغبة لدى صديق والده الذي شغل رئاسة النادي، في توفير نشاطات
للفتيان مفيدة في البلدة التي عجّت بالنازحين من محيط بيروت الشرقية الادارية وسواحلها الى تلك البقعة هربا من الحروب وتأثيراتها.
كانت تلك الحقبة، التي ابتدأت في العام 1987 وانتهت في العام 1991، بحق علّة دخول الفتى الى عالم الكشفية. محطة وصّفت بدايتها، بالذهبية في ناحيته الجردية، وبالسوداء في "المناطق المحررة" او المنطقة الشرقية. ذهبية لانّ ناحيته وبلدته اضحتا ملجأ لكل من اراد الاستقرار في زمن الحروب الصغيرة والـ "لااستقرار".
حلوة ومرة
ما زال الفتى يتذكر، بالكثير من الفخر، كيف جمع رفاقه مع انتصاف آذار، فأطلق تحركا هدف الى تحويل خربة ومكبّ نفايات في وسط سوق بلدته القديم حديقة وامارة كشفية. شعر بالفخر يومذاك، لانّ روز، صاحبة عمته ايفون، قالت فيه أنّه فتى موهوب وأنّ له مستقبلاً واعداً. هكذا اضحت الخربة وحديقتها قبلته وعالمه، كيف لا وقد استضافت مطارحه ومطارح رفاقه! امارة كانت مسورة بحوائط تفصله عن الواقع.
ولكم احبّ الفتى ان يلحظ العلم يعلو في كل صباح على ساريته، على انغام البوق والصيحات الكشفية. كما احبّ قدوم الليل زمن المخيمات، كي يعانق النجوم ويراقص النار تعلق بالارض والجبال، فاستمتع بالانشاد لهما أناشيد الحياة.
الا انّ عالم الفتى، اثار حسد الحسّاد، حتى قيل أنّ مؤسس الكشفية عهد اليه جمع المعلومات وافساد اخلاق الشبيبة، كما جمع الاموال الى ملكة بريطانيا اليزابيث الثانية. شائعة اطلقها احد فلادقة المحلة، المعروف بالـ "بروبغندا"، وسربها الى نجيبة، عدوة جولو، بهدف نشرها في الاوساط النسائية. نجيبة تولت نشر المادة بحماس بعدما سمعت ان بادن باول هو حليف قبائل "الزولو"، الذين ظنت أنهم اهل جولو جارتها في كفردقّة. فكان ان حوّرت اسم مؤسس الحركة الكشفية الجنرال بادن باول فجعلته الجنرال "بدو يبوّل". ومذذاك ارتبط اسم مؤسس الحركة الكشفية بالبول في محلتنا والجنرال.
عرف الفتى، فحزن كثيرا لذلك، وكان ان عاتبها، فنهرته (التانت) نجيبة داعية اياه للعودة الى صوابه واشهاره نكران الجنرال "بدو يبوّل" الذي تتناقض تعاليمه مع التعاليم الكنسية والثقافة المحلية. وتوّعدته بالحرب حتى النصر المستبين!
لكن الفتى ما انفكّ يقوم، ورفاقه، بمشروعات وانشطة شغلت البلدة. انشطة اعطت الفرح للناس، فانعكست عليه. وكانت مثاليته تتنامى حتى حدود النجوم، وراح يتقن فنّ الممكن حتى حدود التراب. احبّ الكشفية التي جعلته يعانق الحرية النازلة على رؤوس الجبال. حلم حتى حدود الاديم الازرق الذي يلف القرميد الاحمر المطعم عتقا في بلدته. وكان ان اعطته الكشفية اول قصة حب في حياته. قصة اجهضت قبل ان تثمر. اعطته الكشفية ان يغطس الى قعر المغاور، الى تحت الارض، حيث الاسرار والاساطير تنبع. كانت مسيرته قطعة من رجاء غسق المغيب المتموضع في احضان الجبال.
ثمّ هبّت العاصفة، فاتهم الفتى بانه عدو، لانه، وفق "نجيبة العجيبي"، من اتباع الجنرال "بدو يبوّل"، واعتبر انّ الجنرالات جميعهم في حلف طبيعي. فلوحق واوقفت حركته الكشفية. فكانت ان اغتيلت تجربته في حروب ما قبل الطائف. اغتيلت، لانه ما كان مسموحا للفرح بأن يساكن الموت، وللحلم بأن يعاقر الالغاء. واختفت اصداء نغمات قيثارته مع قرع الطبول. وقع الفتى ورفاقه معه، فتهاوت مثاليته. بكى كثيرا ولعن حروب اهله العبثية، الا انه عاد فقام من وهدته، وبدأ ببناء مشروعات اخرى.
تغير صاحبي كثيرا منذ ذلك الزمن، الا انّ الفتى الذي كان يوقد النار على السفوح ما زال يعيش في داخله. ما زال يعيش في كيان الشاب الذي امسى، الفتى – النسر الذي يحلّق وراء النسور الشاردة على قمم الجبال، ويصارع الريح، وينظر الى الشمس عينا بعين مدندنا لها اهازيج النحل. لقّنته الكشفية، بمرّها وحلوها، بعض اسرار الكون، فصنعت له "وطن النجوم"، وطناً سيكتب له النجاح ان حكمه الكشافة الفتيان والفتيات. … وما زال الفتى القاطن، في دهاليز اعماق الرجل، يستفيق عند كل مناسبة كي يحيي فيه القسم الكشفي والقصص والمغامرات، فلا يستسلم الرجل لليأس ابدا.
مازن عبود
الاثنين، 24 يناير 2011
في البطريرك صفير، بطريرك الموارنة المستقيل
في البطريرك صفير، بطريرك الموارنة المستقيل!!!
الدّيار الفكري
صفحة 20
الاثنين 24 كانون الثاني 2011
قلما وجدت شخصية تتمتع بهذا الكم من البساطة والصلابة والرشاقة والوعي السياسي. فغبطة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير يتميز بقدرته على تشغيل اذنيه التي تتلقى الاخبار والآراء والتحليلات التي يروح يمحصها، متأكدا من صحتها، دون ان يثير الضوضاء.
وتراه ينتقي من كم الاخبار الذي يصله يوميا ما يتناسب فقط مع قناعاته ومع ما يجده حقا، فيبني على الشيئ مقتضاه.
عرفت البطريرك صفير حبرا يتقن التحكم بكل مفاصل اساريره التي قلما تخون ارادته فتظهر انفعالاته او معطياته. وتراه يجيبك برمزية مغلفة ببساطة، اذا ما اراد ايصال رسالة ما الى شخص او مرجع ما. واللبيب من الاشارة يفهم...
ادركت كبير احبار الموارنة يعرف كيف يجمع ما بين الواقع والمرتجى. فلا يستسلم للاول ولا يضيع في سراب الثاني.
فغبطته مخزن للاسرار التي لم تمحها السنون. وانّ ذاكرته وبديهته حاضرتان، دوما وبقوة، تنتظران ما قد تتفوه به شفتاك. فحذار الغلط!!!
لم افاجأ لمّا عرفت انّ البطريرك صفير قد قرر ترك المسرح، وهو في عزّ ادوار البطولة، يتألق تحت الانوار.
فبطريرك الكنيسة المارونية يعرف تماما متى وكيف يخرج من المسرح.
فالبطريرك الذي عرف كيف يعيش، يعرف ايضا كيف يتحضر لملاقات ربه بسلام بعد ان شعر بثقل عالم السياسة يعطل عليه الملكوت المرتجى.
يعود الى حيث ينتمي، وهو ما تخلى يوما عن زهد وبساطة وصفاء قديسي الموارنة من اهل قاديشا التي سلك دروبها في كل مرة مكث فيها في ديمانه.
قد تتفق مع بطريرك الموارنة المستقيل او تختلف في السياسة، الا انك لا تستطيع ان تقدر مقومات شخصه. ولبّ ما ادركته، انا المواطن العادي، في حبر الموارنة الاول هو الثبات في القناعات وفي التواضع. فما كسرته عاصفة يوما ولا رفعه لقب او لقاء. ادركته عالما انّ كل ما لا يزيد في القامة، لا يغني.
غدا يعود البطريرك صفير الى صومعته تاركا وراءه كمّا من المواقف والانجازات. غدا يعود الى قلايته متسلحا بمسبحته وصليبه. يعود الى ما كان، فيزيد في قامته شبرا.
يرجع الى وكره كنسر، الى صومعته كراهب. يعود كي يصلي على نية العالم، فالصلاة اشدّ وقعا في هذه المرحلة من السياسة والديبلوماسية والسلطة.
غبطة البطريرك، شكرا لكم على كل جهودكم في سبيل كنيستكم ولبنان. شكرا لدعمكم لي في مسيرتي المتواضعة. وانكم ستبقون في افئدة الناس لغزا لم يفك طلسمه في تاريخ لبنان المعاصر، وشخصية اختلف الكثير في فهمها وتقديرها مع اختلاف المواقيت وظروف التموضع السياسي.
مازن عبّود
الدّيار الفكري
صفحة 20
الاثنين 24 كانون الثاني 2011
قلما وجدت شخصية تتمتع بهذا الكم من البساطة والصلابة والرشاقة والوعي السياسي. فغبطة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير يتميز بقدرته على تشغيل اذنيه التي تتلقى الاخبار والآراء والتحليلات التي يروح يمحصها، متأكدا من صحتها، دون ان يثير الضوضاء.
وتراه ينتقي من كم الاخبار الذي يصله يوميا ما يتناسب فقط مع قناعاته ومع ما يجده حقا، فيبني على الشيئ مقتضاه.
عرفت البطريرك صفير حبرا يتقن التحكم بكل مفاصل اساريره التي قلما تخون ارادته فتظهر انفعالاته او معطياته. وتراه يجيبك برمزية مغلفة ببساطة، اذا ما اراد ايصال رسالة ما الى شخص او مرجع ما. واللبيب من الاشارة يفهم...
ادركت كبير احبار الموارنة يعرف كيف يجمع ما بين الواقع والمرتجى. فلا يستسلم للاول ولا يضيع في سراب الثاني.
فغبطته مخزن للاسرار التي لم تمحها السنون. وانّ ذاكرته وبديهته حاضرتان، دوما وبقوة، تنتظران ما قد تتفوه به شفتاك. فحذار الغلط!!!
لم افاجأ لمّا عرفت انّ البطريرك صفير قد قرر ترك المسرح، وهو في عزّ ادوار البطولة، يتألق تحت الانوار.
فبطريرك الكنيسة المارونية يعرف تماما متى وكيف يخرج من المسرح.
فالبطريرك الذي عرف كيف يعيش، يعرف ايضا كيف يتحضر لملاقات ربه بسلام بعد ان شعر بثقل عالم السياسة يعطل عليه الملكوت المرتجى.
يعود الى حيث ينتمي، وهو ما تخلى يوما عن زهد وبساطة وصفاء قديسي الموارنة من اهل قاديشا التي سلك دروبها في كل مرة مكث فيها في ديمانه.
قد تتفق مع بطريرك الموارنة المستقيل او تختلف في السياسة، الا انك لا تستطيع ان تقدر مقومات شخصه. ولبّ ما ادركته، انا المواطن العادي، في حبر الموارنة الاول هو الثبات في القناعات وفي التواضع. فما كسرته عاصفة يوما ولا رفعه لقب او لقاء. ادركته عالما انّ كل ما لا يزيد في القامة، لا يغني.
غدا يعود البطريرك صفير الى صومعته تاركا وراءه كمّا من المواقف والانجازات. غدا يعود الى قلايته متسلحا بمسبحته وصليبه. يعود الى ما كان، فيزيد في قامته شبرا.
يرجع الى وكره كنسر، الى صومعته كراهب. يعود كي يصلي على نية العالم، فالصلاة اشدّ وقعا في هذه المرحلة من السياسة والديبلوماسية والسلطة.
غبطة البطريرك، شكرا لكم على كل جهودكم في سبيل كنيستكم ولبنان. شكرا لدعمكم لي في مسيرتي المتواضعة. وانكم ستبقون في افئدة الناس لغزا لم يفك طلسمه في تاريخ لبنان المعاصر، وشخصية اختلف الكثير في فهمها وتقديرها مع اختلاف المواقيت وظروف التموضع السياسي.
مازن عبّود
الاثنين، 20 ديسمبر 2010
عيد عمانوئيل وصبي

عيد عمانوئيل وصبي
بقلم مازن عبّود
النهار في 19-12-2010
لقد كان الميلاد ايضا عيد "عمانوئيل"، بحسب خوري محلته "يوئيل" الشيخ الذي ظنّ الاولاد انه هو من ادخل يسوع الى الهيكل، ومن ثمّ رحل عن دنيانا في خضم تلك السنة العاصفة والمثلجة من ذلك العقد.
الا انّ الصبي حينها ما استطاع ان يميّز ما بين "عمانوئيل" و"عزرائيل" الذي كان جده يخشاه. فكان ان حمل تسمية الكاهن الجديدة للعيد ممسوخة (عيد عزرائيل) الى جده الذي سرعان ما اغتاظ، فراح يصرخ ناعتا الصبي بالكافر، وحرمه من منحه المالية لتلك الفترة.
كما اعتبر الجد أنّ تأثير الحركات اليسارية قد بدأت تطال عقول الصغار، فكان ان ثار على الشيطان واتباعه، وبخاصة "يعقوب المندوب" والشبيبة المجانين اتباعه من اصحاب النظريات الماركسية.
بكى الصبي من هيجان الجد، وزرف دموعا حارة ليلتها. كيف لا وقد ضاع عليه رضى من يمسك بيده المصادر المالية.
لم يستطع ان يدرك ليلتها، لما تصرف جده الهادئ معه بتلك القساوة. فكان ان ابلغته جدته صبيحة اليوم التالي، مغزى ما قال.
فعلم عندها انّ عمانوئيل الذي يتكلم عنه الكاهن الكهل هو يسوع الملاك الاتي الينا. اما عزرائيل الذي ابلغ عنه جده خطئا، هو الملاك الساقط الذي يقبض على الارواح. والجد كان خائفا من الموت.
فكان ان لعن الصبي سرا الاجداد والعربية واليونانية والارامية واللاهوت وكلام الكهنة الكهلة.
وراح يتحسر على المال الفائت جراء جهله لقواعد اللاهوت والكتب المقدسة.
وعوضا عن ذلك، فاضت عليه جدته ايفا (حواء) بالكثير من قصصها حول عمانوئيل والانبياء والميلاد. فكان ان اعجب بقصة "دانيال النبي وحلم ملك بابل نبوخذ نصر"، حيث انّ الملك ادرك في الحلم انّ صخرا نزل من جبل، ودمّر التمثال الواحد الذي كان ينظر اليه الملك نبوخذ نصر ويتعبّد له اهل بابل وقتها.
وسرّ جدا لمّا عرف انّ النبي دانيال فسّر للملك انّ الصخر غير المقطوع من الجبل يرمز لعمانوئيل (الله معنا) اي ربّه- طفل الميلاد الذي سيدمّر الوثنية كعصافة بيدر تحملها الريح، ويقلعها من جذورها.
فرح لمّا عرف ان الربّ ابلغ نبوخذ نصّر الملك عن نشؤ مملكته التي تثبت الى الابد، والتي تقضي للفقير والمظلوم والمعوز. الا انه فضّل لو انّ ذلك الصخر قد غمر المكان من دون ان يدمّر التمثال، الذي لو ابقي عليه لكان سلوة جيدة للاولاد، وبخاصة ان بعضه كان مصنوعا من الذهب والفضة. فالذهب والفضة تباع بغية شراء اطنان من الالعاب التي تغني من يقتنيها وتعزز وضعه الصبياني في المحيط، فيضحي زعيما لكل اولاد البلدة.
كما فهم الصبي من جدته انّ عمانوئيل (الله معنا) ينحدر في ميلاد كل سنة من السماء ويستقر في المغارة. الا انه اغفل ما اوردته له ايضا حواء- جدته عن العذراء التي تلد صبيا دون ان تتزوج. فالعذرية كانت كلمة لم يتمكن احد من شرحها له مخافة الافضاء بكل اسرار الحياة. اما التوالد فقد فهمه انه كان عطية سرية من الله، بحيث يوضع الطفل او الطفلة في احشاء المرأة، دون ان يكون لذلك علاقة بالجنس والرجال.
هذا وقد سمع في الخدم ما قبل العيد الكنسية عن ملكيصادق وكهنوته الابدي:" قسم الله ولن يندم، انت الكاهن الى الابد على عرش ملكيصادق". ولمّا سأل عن ذلك عرف انّ ذلك الملك الكاهن يرمز ايضا الى يسوع. فكان ان اختلطت عليه امور العهد القديم ورموزها، فأضحى رأسه الصغير يدور، الى احد انه اغفل بعض المعطيات وقتيا. فكان ان قرر ان يرّكز على عمانوئيل وقصص جدته حواء.
فكان ان اضحى يترقب يوميا لحظة نزول يسوع الملاك الى محلته التي جعلها في مخيلته "بيت لحم". فصار ينظر، ومن نافذة المنزل، الى حركة الغيوم التي اعتقد انها تشكل سلّم عمانوئيل الى المغارة.
راح يتفحص الغيوم ويتأكد من جودتها في حمل الاله المنتظر الى اسفل. وامسى مهتما بمغاور محلته، فراح يستفسر عن اماكن وجودها في الجبال. وصار يشكّل خلسة بعثات استكشافية من اولاد فرقته للبحث عنها.
هذا ومضى يتدرّب مع "يوسف" ابن "اسماء" و"الرامي" ابن "الميلاد" واخيه "الوليد" على مواجهة جيوش "هيرودس"، الذي عرف من جدته بأنه كان يسعى الى قتل المسيح. فحماية عمانوئيل واجب من الملوكين الظالمين.
وكان ان نشأت علاقة مودة، من طرف واحد، بينه وبين ملوك فارس، لمّا عرف عنهم بأنهم يأتون في كل عام لتقديم الهدايا والسجود لعمانوئيل. هذا وقد اقسم ذلك الصبي انه سيرد لهم معروفهم حتى لو بالسياسة عندما يكبر.
كما راح، في كل مرة يمرّ في تخوم منزل"راحيل" صديقة جدته، يستلّ سيفه الخشبي ويصيح :"لا تخاف يا عمة "رحيل "، يا حبيبة جدتي "حواء".
لا، لا تخاف يا امرأة، لاني لن ادع هذا اللعين "هيرودس" يقتل اولادك، كما درجت عادته.
الا فاعلمي انّ سيوف اولاد الحي تحميكي وتردّ الغيّ عن نسلك. نعم، ولتتحضر ابتك مريم الجميلة لولادة عمانوئيل، ولتفخر بولدها الالهي المنتظر النازل اليها من الغيم!!!". وكانت العجوز تسرّ بذلك وترسل له ال "سكر النبات".
واخذ يتردد في تلك الحقبة على قبو اخ جده "وديع" حيث كان ينتصب في وسط البهائم فيلقي، في الماعز والحمار الاغرش، خطبة، فيقول : "يا بهائم "وديع" استعدو لانكم ستدفؤن مزود ابن داوود ومنقذ العالم... اما انت يا اغرش فافتخر لانكن ستحمل على ظهرك "مريم" البتول وتأخذها الى حيث آمرك ان تذهب، عشية الميلاد".
وكان يوافي ذلك المكان يوميا الى ان اكتشف امره اخ جده "وديع" فأقصاه عن حظيرته خوفا من ان تطال عدوى جنون الصبي بهائمه. فكان ان حذّر الصبي الكهل من عمانوئيل وغضبه. كما امسى يزور الرعاة كثيرا للتعرف على قصصهم حتى قيل في اوساطهم عنه، انّ اباه قد ولد ابنا نجيبا.
وكان يخاطب، وفرقته، خرائب المحلة مبشرا اياها باستعادة ايامها تماما كما سيحصل ل"زبلون ونفتالين" . لما لا ورسول الرأي العظيم قادم الى العالم كي يفك المكبلين ويقصي الظالمين ويعيد الحياة الى الخراب ويقيم مملكة العدل التي لا تفنى!!
لقد عشق الصبي عيش احداث الكتاب المقدس وشخصياته، فقد احسّ ان ذلك يعطي قيمة لوجوده.
ثمّ صار في كل سنة يكبر قليلا، ومع تقدمه في الايام تتبدل مفاهيم الميلاد عنده. فاضحى مع الايام يعي ان المغارة هي قلبه، وانّ مريم هي البشرية، وانّ هيرودس المتسلط هو متغيير، يتجدد مع كل عهد.
وادرك انّ مملكة رسول الرأي العظيم ليست في دنيانا. الا انه اختار ان يكون شاهدا لرسول الرأي العظيم. فراح يكتب. وامسى مع كل ميلاد يحضّر قلبه لاستقبال الطفل الالهي، في عالم يحكمه عزرائيل.
احبّ عمانوئيل لانه اله الرجاء، وهو كان غارقا في الاحباط والخطايا والاشياء الصغرى. وكان يصلي كي يثبّته المولود الالهي في الرجاء، فيبدد احزانه.
امسى الميلاد له آيات من اشعياء وترنيمات. كما اضحى في يقينه محطة يسترجع فيها نضالاته واخفاقاته في سبيل عالم افضل.
هذا ومازال الشاب يستلّ سيفه الخشبي كي يدافع عن "رحيل" واخواتها كل ما استطاع الى ذلك سبيلا. واضحى مع كل ميلاد، يتحسّر على نفسه، لانه ليس على قدر آمال ربّ الميلاد المتجسد الذي انحدر كي يرفعه، وافتقر كي يغنيه، وتجسد كي يؤلّهه.
ادرك صاحبي انّ الميلاد بوابة العالم، اي بوابة الاقمصة. نعم، لقد ايقن انّ الميلاد حركة عامودية الى تحت، تكتمل بحركة موازية الى فوق، عبر الموت الذي يضحي صعودا الى السماء بالقيامة، ان عرف ان يعيش في حمى رسول الرأي العظيم.
فامسى يردد، في كل ميلاد، مع اشعياء: " لن يخيم ظلام على من تعاني الضيق...الشعب السالك في الظلام ادرك نورا عظيما، والمقيمون في ارض ظلال الموت يطلع عليهم نور...".
لقد تغيّر الصبي، وعالمه زال مع الطفولة، الا انّ الرجل ما ينفكّ يستضيف طيف الصبي، الذي يمثّل عمانوئيل والرجاء في مواجهة الاحباط وعزرائيل.
الاثنين، 1 نوفمبر 2010
كيريل في كرسي كوارتز




كيريل في كرسي كوارتز
بقلم مازن ح. عبّود
في حيثيات الزيارة ورمزية الزائر
يصل اليوم الى لبنان زائرا، كيريل بطريرك موسكو وكل روسيا، وذلك في اطار جولة بروتوكولية يقوم بها كل بطريرك اورثوذكسي منصّب حديثا على اخوته بطاركة الكنائس الاوروثوذكسية في العالم. يصل كي يزور كنائس الجدة انطاكيا التي ولدت الام القسطنطينية التي تفرعت كنيسته عنها، ابنة ابية ومستقلة ومساوية لها في العزة والكرامة.
يصل شيخ روسيا الروحاني كيريل حاملا في عباءته عبق تاريخ الامبرطورية الروسية الضاربة في الاورثوذكسية والقداسة.
يوافينا حبر السلاف معتمرا قبة الكرملين ومتشحا برداء الثلج والنقاء والقداسة الابيض. لما لا وهو يمثل بموقعه القمقم الذي حوى روح روسيا العظيمة التي ترقد ولاتموت ابدا.
يأتي البطريرك من بلاد الاباطرة والدببة والقديسين المتبالهين، وكله رجاء. يوافي من ارض سيرافيم سيروفسكي ، ودماء الشهادة تجري في عروقه.
كيف لا ودماء اسلافه ورعاياه لم تنشف بعد في اضرحتها.
كلنا سنوافي للقياه في كاتدرائية القديس جاورجيوس في بيروت.
فلبلاده وكنيسته اياد بيضاء على انطاكيا واورشليم القدس ومسيحي المشرق. نعم فمدارس مدائننا وكنائسها مازالت تشهد لهم.
انه سحر الكراملين وقداس تشيكوفسكي وكلمات لويستوي عندنا.
انه مجد روسيا العظيمة في ارضنا.
اراه يأتينا كي يقول برمزيته في زيارته القصيرة انّ الكنائس بطبيعتها الارضية قد ترقد او تفسد، الا انها تعود فتقوم، لانّ المسيح في وسطها.
اراه يقول لنا لا تستسلموا لليأس لانه من الشرير، اصبروا، واسلكوا الباب الضيق.
يأتينا ركن كنيسة القديس فلاديمير، مزدانا بالنور والرجاء. كيف لا وكنيسته قد غلبت الخوف والالحاد والالغاء، وهدمت اسوار امبرطورية لينين الفولاذية وامخالها الدهرية!!!
نفرح به وله، لانّ ارضه قد عادت الى هويتها مسدلة الى غير رجعة ستار الالحاد والغبن والالغاء. نحتفي به رمزا للتحرر والعودة الى الاصالة في ما بيننا. ونحبس انفاسنا عند لقاء عميد كلية لاهوت سانت بيترسبورغ السابق واحد اهم لاهوتيي الكنيسة الروسية المعاصرة.
يوافي كيريل اليوم زائرا الى كرسي كوارتس (تلميذ بولس الرسول ومؤسس كرسي بيروت)، فيستقبله المطران الياس- رئيس اساقفة بيروت محاطا بلفيف احبار البلد. يأتي كي يحتفي بالقداس الالهي معنا في اقدم موقع ديني في قلب ام الشرائع وعاصمة مدائن فينيقيا ولؤلؤة جبل اللبان.
سيرة البطريرك كيريل في كلمات
• ولد فلاديمير غونديايف (البطريرك كيريل) في مدينة سانت بطرسبورغ في 20 تشرين الثاني من العام 1946، في عائلة كهنوتية.
• درس الجيولوجيا بداية ومن ثمّ اللاهوت، فتخرج من أكاديمية سانت بطرسبورغ في عام 1970 .
• سيم شماساً عام 1969 وكاهناً عام 1970.
• في عام 1972 رقي إلى درجة ارشمندريت، ومثل بطريركية موسكو وكل روسيا في مجلس الكنائس العالمي في جنبف حتى 1974.
• سيم مطراناً في 14 آذار مارس 1976 على فيبورغ Vyborg التابعة لأبرشية لينينغراد.
• رقي في العام 1991 إلى رتبة متروبوليت.
• شغل ابتداء من العام 1989 منصب رئيس دائرة العلاقات مع الكنائس الخارجية في بطريركية موسكو.
• اختير في 27 كانون الثاني 2009 بطريركا لروسيا ونصب في أول شباط من العام 2009.
• اشتهر بمساعيه النبيلة التي هدفت الى اعادة اللحمة الى الكنيسة الروسية التي فقدت كنائسها في الغرب في العام 1970.
عرف البطريرك كيريل بكونه شخصية محافظة كنسيا، كما بوصفه من اقرب المقربين الى البطريرك السابق اليكسي حيث اغمي عليه في مراسم جنازته.
وهو خليفة بطرس الاول (اول رئيس اساقفة لموسكو)، وأول بطريرك روسي معاصر تمت مراسم تنصيبه في كاتدرائية المخلص (بعد الثورة البولشيفية) بحضور رأس الدولة الروسية الذي يعتبر انّ البطريركية الروسية هي ضرورة لانها تشكل جسر تواصل حقيقي ما بين روسيا الحالية ودول الامبرطورية الروسية سابقا واصدقائها من الشعوب في كل اصقاع العالم.
في تاريخ بطريركية موسكو وعموم روسيا
هذا ويعتبر كيريل زعيم الكنيسة الاورثوذكسية الاكبر في العالم، حيث يبلغ عدد رعاياها الماية وخمس وعشرين مؤمنا. وكنيسته تضم بالاضافة الى ابرشيات الاتحاد الروسي، ابرشيات دول روسيا البيضاء واوكرانيا وكازخستان وغيرها من دول الاتحاد السوفياتي السابق والكنائس الروسية في الخارج (امريكا، اوروبا الغربية، اوستراليا، بريطانيا، الصين، كنيسة اليابان المستقلة). وتتبع كنيسته التقويم اليولياني في ممارسة شعائرها وتحديد اعيادها.
وكيريل هو البطريرك السادس عشر لكنيسة اشتهرت بتداخلها مع السلطة الحاكمة في روسيا حتى زمن البولشيف، حيث تعرضت الكنيسة للتنكيل والاضطهاد.
وتجدر الاشارة الى انّ روسيا قد تنصرت في القرن العاشر على يد امير كييف- القديس فلاديمير، وبمؤآزرة فوتيوس رئيس اساقفة القسطنطينية. وقد قيل يومها انّ الامير انشده، بما بلغه من سحر وجمال الطقوس البيزنطية في كنيسة الحكمة الالهية.
في العام 1589 ويعد سقوط القسطنطينية،اعتبر الروس موسكو روما الثالثة وآخر حصن للعقيدة الاروثوذكسية الحقة. وانتزع رئيس الكنيسة الروسية اعتراف بطاركة الكنائس الشرقية به كبطريركا فأضحى البطريرك الخامس في نادي بطاركة القسطنطينية وانطاكيا والاسكندرية واروشليم .
واضحى رئيس اساقفة موسكو جوب اول بطريرك لروسيا يومها.
الا انّ بطرس الاكبر بادر الى الغاء الموقع في العام 1721 بعد ان تسببت إصلاحات البطريرك نيكيتا مينن (1605- 1681) بانقسام في جسم الكنيسة الروسية، وجعل القيصربطرس من الكنيسة مؤسسة من مؤسسات الدولة يدير شؤونها مجلس للأساقفة.
هذا ولم يتم اعادة تكوين الموقع الا في العام 1917، اي عندما احسّ القيصر نقولا الثاني بضرورة اعادة تكوين موقع البطريرك وذلك لضمان استقرار عرشه.
وكان ان نصب القديس الشهيد تيخن بطريركا على موسكو وعموم روسيا، قبل شهرين من تاريخ اندلاع الثورة البولشيفية. عرف البطريرك تيخن بنضالاته من اجل كنيسته ضد النظام الشيوعي.
وكان ان رقد في 12 نيسان من العام 1925 (مقتولا بأمر من السلطات) بعد اضطهادات كثيرة له ولاحبار كنيسته.
اعلن المجمع المقدس للكنيسة الروسية قداسته في 11 تشرين الاول من العام 1989 في عهد البطريرك بيمن. فشكل حدث اعلان قداسة تيخن منعطفا في تاريخ العلاقة ما بين الدولة والكنيسة في الاتحاد السوفياتي، ومؤشرا واضحا حول امكانية الانبعاث الكلي للكنيسة.
وهذا ما حصل فعلا في العام 1991(بعد سقوط الاتحاد السوفياتي) في عهد البطريرك الكسي الثاني.
هذا وعلى اثر استشهاد تيخون، بقي موقع بطريرك موسكو وسائر روسيا شاغرا حتى العام 1943 (عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية). فقد احسّ ستالين في ذلك العام بضرورة اعادة ملئ هذا الموقع معنويا بغية استنهاض الامة الروسية للحرب. ونصب سرجيوس الاول-رئيس اساقفة موسكو، بطريركا لموسكو وعموم روسيا.
في الآمال والاقوال
يوافي كيريل اليوم الينا ونحن نتطلع اليه ملتمسين من قداسته العمل على اعادة تعزيز التعاون ما بين الكنائس الاورثوذكسية في العالم. ننتطلع اليه بوقار سائلين قداسته، وهو زعيم الكنيسة الاكبر ما بين كنائسنا، ان يوثق تعاونه مع البطريركية المسكونية وسائر البطريركيات كي يرفع الغبن والحرمان والظلم عن كثير من كنائسنا. واننا نفرح به مع بطريركنا اغناطيوس رمزا تاريخيا لحقبة ذهبية في تاريخنا كمسيحيين مشرقيين. ونأمل ان يتمكن مع بطريركنا وسائر اخوته وفي مقدمهم بطريرك القسطنطينية برثلماوس على تقريب المسافات مع روما.
نستقبله وكلنا ثقة بأنّ كنيسته العظيمة قد انبثقت ابنة جديدة وحرة ومستقلة لروسيا تنظر الى شعبها وتمثل تطلعاته امام الحكام. نستقبله ونردد معه ما قاله في كتابه "الحرية والمسؤولية" :" انّ للمؤمن حق في ان يكون له فسحة في مجتمعنا الليبرالي المعاصر. فسحة تمكنه من العيش بحرية في ضؤ وصايا الله وتعاليم الكنيسة. لانّ الله لم يخلق الكنيسة للاستخدامات المنزلية، لا بل كي تكون حاضرة ليس فقط في حياة رجال الدين لا بل في حياة الناس اليومية المعاصرة".
الاثنين، 25 أكتوبر 2010
اعلان القداسة في الكنيسة الاورثوذكسية



بقلم مازن ح. عبّود
بمناسبة انعقاد السينودس حول مسيحيي الشرق الاوسط في روما، اختارت اسرة النهار ان تضيئ على بعض جوانب مسألة اعلان القداسة في الكنيسة الاوروثوذكسية في التقرير التالي. تقرير اردنا من خلاله ان نجمع المعرفة اللاهوتية الى الثقافة الشعبية، بأسلوب قصصي. علّنا نسهم بذلك في تثبيت جماعة الناصري في ارضهم، وذلك عبر الاضاءة على الشهادة والارتقاء في ديانة مبنية اصلا على الرجاء والغلبة على الخوف والموت. لما لا ومعلهم قد قال لهم يوما: "ثقوا بأني قد غلبت العالم"، ثمّ في آية اخرى:"انا معكم لا تخافوا"!!!
في الناس واعلان القداسة
قالت "روز" لجارتها "ليلى": " ما بالكم معشر الاروام لا تتولد كنيستكم قديسين. افلا يكون يسوع ابن يوسف النجار وامه مريم قد فارقا كنيستكم ؟؟ انّ الكنيسة التي لا تنتج قديسين هي عاقر، بحسب ابي. انظروا كيف تتوالى عندنا احتفالات التطويب والتقديس بشكل سنوي!!! على ما يبدوا فرضى قداسة الحبر الاعظم الروماني ضرورة!! تبدلوا يا قوم، او على الاقل اكسروا سمكم على غرار الملكيين الكاثوليك كي تمن عليكم السماء ولو بمشروع قديس!! تعالي يا ليلى واسمعي "بوخاموس" يتلو عليك كيف كان يراقص جسد الطوباوي كل صباح في طريقه الى الحقل كي يتبرك".
غضبت "ليلى" من "روز" ، ونشبت حرب ما بينهما استخدمت فيها كل سطول المياه والاحذية العتيقة المتوفرة. وكاد النزاع، لولا تدخل "الكاركون "، يتطور الى فتنة طائفية.
وحملت "ليلى" طروحات جارتها الى ارشمندريت بلدتها بغية الاستفسار عن اعلان القداسة والعقم في كنيستها.
في لقاء ليلى مع رئيس الدير
دخلت المستقيمة الرأي محتشمة الى صرح الدير وولجت الى الكنيسة بوقار. ثمّ راحت تتبع صلاة الغروب حتى نهايتها كي تتمكن من لقاء الارشمندريت الذي كان داخل هيكله يكهن.
وسرعان ما انتهت الصلاة، فقرعت النواقيس، ومضى الجميع الى صالون الدير. فكان ان بادرت "ليلى" كبير كهنة الدير بالسؤآل عن مبتغاها. فشرح لها الكاهن ببساطة ماهية المعايير المتبعة لتطويب قديس في الكنيسة الأورثوذكسية. واثلج قلبها لما قال لها انّ الكنيسة الانطاكية الاورثوذكسية قد اعلنت حديثا قداسة العديد من الشهداء بطريقة مباشرة، كيوسف الدمشقي الذي استشهد دفاعا عن ايمانه في نهاية القرن التاسع عشر، وبطريقة غير مباشرة كيعقوب الحماطوري وشهداء حماطورة (اعيد اعلان قداستهم فعليا) الذين استشهدوا دفاعا عن دينهم ايضا، في ازمنة المماليك. وابلغها بأنّ طرائق اعلان القداسة تختلف ما بين الكنائس، كما نشر اخبار العجائب. الا انه فاجئها بقوله انّ ثمة قديسين مازالت قداستهم طي عدم الاكتشاف والاعلان. واليكم بعض ما بلغ تلك السيدة من معطيات في هذا الاطار.
في التطويب واعلان القداسة في الكنيسة الجامعة تاريخيا
شكل الشهداء (في سبيل المسيحية) طلائع مسيرة القداسة في الكنيسة الجامعة، وكان الشماس استفانوس اولهم. فأولئك بحسب الكنيسة الجامعة قد اشتروا الفردوس بدمائهم دون منة احد، فانضموا بذلك الى طغمات الملائكة والرسل والانبياء. ولقد درجت العادة ان يقيم المسيحيون الاوائل هياكل الكنائس على قبور شهدائهم. ومع انحلال الاضطهاد، اي بعد تنصر الامبرطورية الرومانية، انضمّ المعلمون ك "افرام السرياني" وبعض الرهبان المتوحدين في صحراء مصر الى مسيرة القديسين.
لقد درجت العادة في الكنيسة قديما ان يعلن قداسة راقد ما سلف من اسلاف الرسل (الاساقفة المحليين- رؤساء الكنائس المحلية) الى حين اصدر البابا الكسندر الثالث امرا في العام 1170، تضمن حصر مسائل التكريم والتطويب واعلان القداسة في الكنيسة الكاثوليكية بالفاتيكان.
ارتكز البابا يومها في تسطير قراره على وقائع (سؤ استغلال بعض رؤساء الكهنة للسلطة
الممنوحة لهم في هذا الاطار)، كما الى معطيات سياسية وادارية هدفت الى تعزيز سلطته على احبار الكنيسة الكاثوليكية ورعاياها. وتقوننت مسئلة الاعلان تدريجيا، الى ان أضحى الزاميا على طالب التكريم ان يرفع دعوى تطويب امام مجمع القديسين في الفاتيكان الذي له صلاحية درس وبت الملف قبل رفع الموضوع الى الحبر الاعظم، لتبني واعلان القرار النهائي.
من الواضح انّ وسائل اعلان القداسة في الفاتيكان تخضع الى معايير علمية وقانونية، وتستهلك الكثير من الجهد والوقت والمال. هذا وقد درجت العادة ان يكون لكل دعوى وكيل. وكان يعيّن (قبل العام 1983 ) لكل دعوة محام دفاع ايضا، يتولى الرد على مزاعم مدعي عام المجمع، وذلك لزوم اقناع الاباء بأحقية موضوع اعلان القداسة. وبعد الاستماع الى الردود والردود المضادة، كان آباء المجمع يصوتون على القضية، وترفع نتيجة التصويت الى الحبر الاعظم لتبينيها وتحديد موعد الاعلان (يجري الاعلان في احتفال مهيب في كاتدرائية القديس بطرس).
وتجدر الاشارة الى انّ اودرليك- اسقف اوغسبورغ اول قديس (من خارج روما) يعلن البابا يوحنا الخامس عشر قداسته في العام 993. كما انّ فولتير دو بونتواز كان آخر قديس غربي تعلن قداسته من قبل رئيس كهنة (رئيس اساقفة روان- هوغ دو بوف) في العام 1153.
معايير التطويب واعلان القداسة في الكنيسة الاورثوذكسية
وتتميز الكنيسة الشرقية عن الكنيسة الغربية في طرق فهمها للقداسة واعلانها، وليس في جوهر المسألة الى حد بعيد.
فالقديس سمعان الاهوتي الجديد يقول عن القديسين الجدد في الكنيسة الاوروثوذكسية ما يأتي: انّ القديس الجديد في الكنيسة ينضم الى محفل القديسين عبر التاريخ الذين امتلؤا على شاكلته، نورا الاهيا. فيضحي الكلّ سلسلة ذهبية، يشكل كل قديس فيها حلقة تتصل بالاخرى عبر الايمان والعمل والمحبة. نعم فانّ القديسين في كنيستنا يشكلون سلسلة ايمانية لا تنكسر ابدا".
اولا، في تحديد القديس في الكنيسة
يحدد الارشمندريت توما بيطار اعلان القداسة في الكنيسة الاورثوذكسية
بالتالي: "القديس هو مَن استحال، بالروح والحق، هيكلاً لله. فصار إناء للاهوت. وأضحى أيقونة الله... وإنجيل حي. فحياته كلمة، وسيرته قدوة. وهو، إلى ذلك، شفيع لدى الله، يرفع الصلاة عن المؤمنين في الكنيسة".
ثانيا، في فلسفة اعلان القداسة عند الاورثوذكس
اما في موضوع الكنيسة الاورثوذكسية واعلان القداسة، فينقل الكاتب الاخ اليكس يانغ عن القديس يوحنا ماكسيموفيتش قوله انّ قداسة راقد ما في الكنيسة الاورثوذكسية لا تنبع من اعتراف الاحبار لا بل من نعمة الله. فمهمة احبار الكنيسة عند الاورثوذكس في موضوع التقديس تقتصر على اكتشاف وتكريم ما قد قدّسه الله من بين رعاياهم الراقدين .
انّ الكنيسة الاوروثوذكسية تميز ما بين القداسة وإكتشافها واعلانها. وهي تعتبر بأنّ في الكنيسة قديسين لم يتكشفوا للكنيسته الارضية بعد، الا انهم يعيشون في حضرة ربهم مع سائر القديسين والملائكة ويتشفعون لنا عنده.
هذا وقد يبدأ اعلان القداسة عند الاورثوذكس على المستوى الفردي، اي عندما يبدأ فرد ما من الكنيسة بطلب شفاعة احد الراقدين ممن يعتبرهم من المقربين لدى الله.
ثالثا، كيفية اعلان القداسة عند الاورثوذكس
يقول الارشمندريت بيطار في اعلان القداسة لدى الاورثوذكس، انه اذا ما لاحظت الكنيسة أنّ الراقد (موضوع اعلان القداسة) كان إنسانا للمسيح بالروح والحق، وانّ سيرته كانت ناصعة وتميزت بعدد من الفضائل المسيحية (الاتضاع، الصلاة، الفقر، المحبة...)، وانه موجود في وجدان المؤمنين كمثال، ومعلم، وشفيع، تقوم عندها بدراسة امكانية تكريمه. الا انه ووفق التقليد الاورثوذكسي، فانّ الروح القدس قد يشاء احيانا ان يصنع العجائب (كالأشفية والظهورات وعدم انحلال الجسد وفيض الطيب) من خلال شخص او راقد ما وذلك كي يؤكد حضور هذا الشخص في حياة الكنيسة واستحالته الى ايقونة الاهية. فالعجائب في الكنيسة ليست بالضرورة لازمة لاعلان التقديس بحسب بيطار.
ومازال اعلان القداسة عند الاورثوذكس غير محصور بسلطة مركزية ويقع في صلاحيات رؤوساء كنائسهم. اما التدابير التي تسبق اعلان القداسة في هذه الكنيسة هي غير خاضعة لمعايير علمية وقانونية، بل الى معايير ايمانية صرفة.
ويضع الارشمندريت بيطار مسئلة إعلان القداسة في الكنيسة الاورثوذكسية في إطار العلاقة الوجدانية الدينامية الحية بين الكنيسة المحلية والقديس. ويعتبر انّ إعلان القداسة في كنيسته ليس شأنا أكاديمياً، ولا يستند عادة إلى رغبة لدى الرؤساء أو المتنفذين إلى تجيم شخصية معينة كقديس بل الى رغبة الشعب والاكليروس. لذا، فإن إعلان القداسة بحسبه، يجب ان يترافق ووفرة في الصلاة والصوم في الكنيسة ودفق من نعم الله. وينهي مقالته معتبرا ان اعلان القداسة يحتاج إلى تنقٍ من جانب الرؤساء والمؤمنين في الكنيسة لتمييزه والإغتذاء به، وإلا انزلقت الممارسة (ممارسة إعلان القداسة) في متّاهات الاستنساب الشخصي واستؤسرت للضغوط السياسية والاجتماعية والقومية والعرقية وسواها. وأضحت، بالأحرى، إعلانات مزعومة لقدسية أهواء الناس.
واذا ما كانت المبادئ العامة الناظمة لاعلان القداسة هي نفسها في الكنيستين، الا انّ الاختلاف يتجسد في الممارسات وعقيدة اعلان القداسة. فمهمة الكنيسة عند الاورثوذكس تقتصر على اكتشاف عمل الروح القدس في تقديس احد افرادها الراقدين حصرا. لذا، فانّ الوسائل المتبعة في الكنيسة الاورثوذكسية هي اقل اكاديمية واكثر بساطة.
ومن الملاحظ انّ القديسين المحليين الذين اعلنت الكنيسة الانطاكية الاورثوذكسية قداستهم مؤخرا، هم بغالبيتهم من الشهداء الذين قضوا دفاعا عن عقيدتهم وايمانهم بشكل واضح كيوسف الدمشقي ، مثلا.
خامسا، في احتفال اعلان القداسة لدى االاورثوذكس
وتقول الام مريم زكّا عن احتفال اعلان القداسة عند الاورثوذكس ما يأتي: انه وبعد سلسلة من الصلوات والاصوام وبعد التشاور مع اركان الكنيسة من آباء روحيين ومتوحدين وعلمانيين معروفين بتقواهم، وعلى اثر التثبت من سيرة وخصال الراقد ومدى حضوره وتأثيره في حياة جماعة المؤمنين(الكنيسة)، يدعو السيد البطريرك المجمع المقدس الى الانعقاد (بناء لطلب اسقف على الاقل) لدرس ملف اعلان قداسة راقد ما. ويتخذ المجمع المقدس قرارا في هذا الشأن، وفي حال الموافقة يأمر السيد البطريرك ، كاتب الايقونات الى كتابة ايقونة للقديس كما يأذن لاحد الاديار بكتابة خدمة خاصة بالقديس.
وعشية ذكرى رقاد القديس الجديد تقام صلاة غروب خاصة. فيأتى بذخائر القديس الجديد وايقونته الى الكاتدرائية. وتنقل الايقونة والذخائر خلال صلاة كسر الخبزات في تطواف مهيب من هيكل الكنيسة الى صحنها، وتوضع قرب الايقونسطاس ، ويقوم جوق المرنمين بترتيل طروبارية القديس للمرة الاولى. ويكشف البطريرك عن رسمه ويكسر الخبزات الخمس التي يوزعها على الناس الذين يوافون لتقبيل ذخائره وايقونته. وفي صبيحة اليوم التالي يتم ذكر اسم القديس الجديد (للمرة الاولى) في خدمة القداس الالهي (مع سائر القديسين) كشفيع لجماعة المؤمنين لدى الله. وبعد حفل الاعلان، تسمح الكنيسة للمؤمنين عادة ببناء كنائس جديدة على اسم القديس الجديد، كما تسمح لهم بتعليق ايقوناته في منازلهم وللتبرك، وتطلب شفاعته لدى الله من قبل المؤمنين بشكل جماعي في الكنائس.
النهاية
هذا كان في اعلان القداسة عند الاورثوذكس، وقد بلغ كل ذلك "ليلى"، فحفظته عن ظهر قلب. وراحت تفتكر اياما بالقديسن غير المعلنين وببعض من اعلنت قداستهم من غير القديسين مثلا. والاهم من كل ذلك، أنّ تلك السيدة اصلحت علاقتها المتردية مع جارتها "روز" جراء ذلك، فاوقفت حملات الشتائم، ورمي المياه المتسخة. فأستقرّ المحيط، واستتب السلم والسلام المحليين
الاروام :ابناء كنيسة الروم الاورثوذكس في انطاكيا
كركون: مخفر الدرك في البلدة
ارشمندريت: رتبة دينية تعني في اللغة العربية رئيس دير
كلمة اورثوذكسي اليونانية تعني في اللغة العربية المستقيم الرأي (وهنا عنى الكاتب ليلى)
معلومات هذا المقطع مستقاة من موقع الوكيبيديا الالكتروني.
الفردوس بحسب التقليد المسيحي هو المكان المخصص في السماء لشهداء المسيح
مع وصول يوحنا بولس الثاني الى سدة البابوية تمّ الغاء منصب المدعي العام في العام 1983، وتمّ تسهيل البت في دعاوى اعلان التطويب والتقديس. فازدادت وتيرة اعلان القداسة والتطويب الى حد غير مسبوق في الكنيسة الكاثوليكية.
توما بيطار:احد لاهوتي الكنيسة الانطاكية الاورثوذسية- رئيس دير القديس سلوان الاثوثي ومدبر عائلة الثالوث الاقدس في دوما
رأي الارشمندريت توما بيطار مأخوذ من مقالته " ما هي المعايير لتطويب قديس في الكنيسة الأورثوذكسية؟" من كتاب "سألتني، فأجبتك"، وقد نشرت على الموقع الالكتروني لمنتديات الشبكة الأرثوذكسية العربية الأنطاكية - منتدى الشبيبة الأرثوذكسية
مقالة ليانغ منشورة الكترونيا تحت عنوان " ماذا يعني التمجيد؟"
هو رئيس اساقفة سان فرنسيسكو في الكنيسة الاورثوذكسية الروسية في المنفى حتى العام 1962
الحبر هو رئيس كنيسة محلية
الموت بالمفهوم الكنسي هو رقاد اي نوم او ثبات عميق. فالمائت في المسيحية هو راقد سيستفيق عند عودة المسيح الذي هو الديّان العادل في نهاية العالم.
الكنيسة هي بحسب التقليد ارضية وسماوية
رئيسة دير مار يوحنا دوما- وكتبت خدمة يوسف الدمشقي
كسر الخبز: خدمة احتفالية تجري خلال صلاة الغروب، ويقوم الحبر خلالها بكسر خمس خبزات ويقوم الكهنة بتوزيعها على المؤمنين وذلك تذكارا لواقعة اطعام المسيح للجموع من خمس خبزات
ايقونسطاس: فاصل ما بين الهيكل وصحن الكنيسة يحوي الايقونات
ترتيلة خاصة بالقديس تشرح للمؤمنين فضائله وسيرته، وتتلى في المناسبات المتعلقة به في الكنيسة
الاثنين، 5 أبريل 2010
صبي الولادة والموت والقيامة
04 نيسان 2010 - السنة 77 - العدد 24006
صبي الولادة والموت والقيامة
Original Version Sent to the Newspaper
لم يكن الصبي يدرك وقتها، لما كانت جدّته "رمزى" تسمي عيد "القيامة"، "عيد الاعياد وموسم المواسم". وهو قد رغب ان تعطي جدته مثلا "عيد الميلاد"، موسم الهدايا والاطعمة والبابا نويل والثلوج والزينة والافلام السينمائية والعروض المسرحية والغنائية، المقام الاول الا انها لم تفعل. اما "الفصح" او "عيد القيامة"، فما تعدى ان يكون الا نهاية مشوار خمسين يوما من الصوم والتقشف والخدمات الكنسية الطويلة برتبة "الهجمة".
وكبر الصبي بعض الشيئ، فأكتشف انّ تقويم الاعياد ما كان بمتناول جدته التي ادرك انها كانت تزعن لرأي الكاهن في مثل هذه الموضوعات. نعم، فجدّته كانت بسيطة الروح وبعيدة كل البعد عن الفلسفة.
ثمّ اعتقد بأنّ وضع عيد القيامة في صحن الصدارة ناتج من تأثير آل "قيامي" على الخوري.
فكان ان دخل عليه يوما، وهو جالس بكل بهائه على كرسي هيكل الكنيسة، فسأله، مستفسرا عن الموضوع. فأجاب الكاهن الكهل الولد بانّ تسمية عيد القيامة بعيد الاعياد وموسم المواسم تعود ليوحنا الذي كان له فم من ذهب في القسطنطينية. فأنشده الصبي لتلقيه خبرا عن حبر حظي بفم من الذهب الخالص تقدمة من الامبرطور. الا انّ ما تلقاه ما كان الحقيقة، لا بل رمزا في كنيسة حرصت على استعمال الرموز والطقوس في ممارساتها الدينية.
وكبر الصبي، ومع كل سنة يكبرها، كان ينشد اكثر فأكثر الى "القيامة" ويدرك لما وضعت في هذا المقام المحوري.
الطريق الى القيامة
احد ابن الشاطر
لقد كان الطريق الى القيامة يمتد مسافة خمسين يوما من الصوم والتقشف والصلوات. وكان عندما يرى صليبا من رماد يزين جبهة "اليدأ" جارته، يدرك ان زمن التريويدي في كنيسته، قد اضحى ايضا على الابواب. لقد كان للرماد على هامات من رماد مفاعيله عليه. فيتذكر قصة الابن الشاطر في الانجيل، ذاك الشاب الذي خرج عن طاعة والده ومن ثمّ عاد اليه تائبا. والتوبة كانت كما يقول "جيجو" الميكانيكي، كتصفير عداد ما والانطلاق بنظافة ودون اي وزر او تبعة. او علّ التوبة كانت ايضا كولادة شمس جديدة من حضن ديجور كانوني طويل كما كان يقول "ابو زهر" قريب جدته.
ثمّ انه كان يطرب جدا لترتيل بداية المزمور الخمسين : " يا رحيم ارحمني يا الله كعظيم
رحمتك..." التي تفضي الى القول : " اذا تصورت كثرة افعالي انا الخاطئ، فاني ارتعد من يوم الدينونة الرهيب". والدينونة، كما ابلغته جدته، تؤدي الى هلاك الخطأة في الجحيم. والجحيم كان على شاكلة آتون معصرة العنب حيث كان يعدّ الدبس. اما الملائكة فكانوا على شاكلة اولاد "عبد النور" صاحب المعصرة. وآتون المعصرة كان يغذى بالحطب اليابس، اما آتون الديّان (فلقد خاله) يغذى بالخطأة الهالكين. ومنظر الآتون وملائكته الدنيويين كان يخيفه ويذكره بالدينونة. لذا، فانه سعى الى مسايرة "عبد النور" علّه بذلك ينال بعض الضمانات للمستقبل.
المديح
وكانت خدمة المدائح تحلّ في كل نهار جمعة من كل اسبوع صوم. والخدمة هي لاكرام والدة الاله اي ام المسيح. وكان الصبي يضيع في عبق بخور وكلمات وانغام تلك الخدمة المنظومة لام الملك. ثم انه كانوا يرنوا لملاقات مرأة الايقونة ومقابلة تلك المرأة المستترة التي بان على وجهها العجب والتي تشير دوما الى ابنها الملك. احب سحر المدائح التي حوت فلسفة وشعرا وقصصا. لم يفهم كل مضامينها، الا انه على الاقل حاول ان يسمع ويفهم، وفضل تلك الخدمة على كل الخدم. ولمّا سئل في مدرسته عن صلاته المفضلة اشار الى خدمة المديح التي ما استطاع شرح كلماتها الى رفاقه في تلك المدرسة المسيحية المختلطة. واغرم الصبي اكثر فأكثر بالمرأة التي قيل انها جعلت فلاسفة اليونان كأفلطون وسقراط عديمي النطق كالسمك. ثمّ انه انغمس في قصص الفردوس وحواء وآدم والسقوط وافتكر كثيرا بحواء الجديدة . ففقه عندها لما سميت جدته من امه ب"ايفا" اي حواء.
ان غرامه بتلك السيدة جعله يفرّ، وفور انتهاء دوام الدراسة من كل يوم جمعة في كل صوم، الحقول كي يتأمل الازهار والرياحين، فيشبك لام الانسانية عقدا من المارغيريت يزيّل به صورتها. وكم كان يتلهف لسماع ترتيلة " انّ جبرائيل اذ اعتراه الذهول ..." لكن، ليس من فيه "حنا" المستطرب. ترتيلة تنشد عند نهاية كل رتبة مديح، استذكارا لفعل بشارة جبرائيل للعذراء مريم بحبلها بالمسيح. وارتبطت الترتيلة برهبة "جبرايل عيد" وامراته "سيلانة" من حارة الصنوبر الذين كانا يحضران الرتبة بكامل اناقتهما المكسيكية .
ومازال الصبي، في الرجل يستفيق، فيبكي دموعا مدرارة. والصبي عنده ارتبط بالملاك الذي كان يزور جسده الممتلئ شياطينا. والملاك كان يحرك مياه نفسه فيحرره كي يتوب، فيبكي كي يغتسل من عفنه المتراكم والمزمن. ولقد بكى مؤخرا في خدمة المديح في دير سيدة الرقاد في حماطورة. نعم، لقد شعر بسحر الانغام والرموز والطقوس يحرك امواج نفسه، ويسحب عنه اغطية الازمنة والامكنة كي يشعره بحقارته هو المتعالي !! نعم لقد شعر في خدمة المديح الكبير معنى الانخطاف، فأحسّ لتوه انه عائد من القسطنطينية حيث اديت للمرة الاولى تلك الرتبة للعذراء مريم. فلامس الشعب الواقف خلف البطريرك والاحبار، واحسّ بفعل الاتكال على تلك السيدة التي بددت هجمة الفرس عن المدينة في غياب الجيش والامبرطور.
في سائر خدمات الصوم
لم يكن الصوم الاربعيني الذي يفضي الى اسبوع الالام مدائح فقط لا بل صلوات نوم وقداديس سبق تقديسها. ولكل خدمة من تلك الخدم الكنسية طقوسها، الا انّ المشكلة كانت في غياب من يتقن ادارة وترتيل مثل هذه الخدم الامبرطورية المتنوعة. فضاق زرعه احينا من سؤ تأدية لحن او قرائة مقطع. ثمّ كان يمتعض احيانا من خوري محلته الذي كان يسترسل بالكلام عن موضوعات شتة دون ان يتمكن من افهام الرعية، وذلك لانّ الدهر كان قد فعل فعله بفمه، فقد فقد القدرة على تبيان مخارج حروف الكلمات. الا انه لمّا كبر قدر لذلك الشيخ جدا ايمانه وتقشفه وسيرته الطيبة. كان الصوم وصلواته عودة الى الجذور، عودة الى مزامير داوود ونبؤآت اشعيا وحزقيال وغيرهم.
في الاسبوع العظيم
والاسبوع العظيم كان يبدأ فعليا عشية الشعانين، حيث كان يستذكر يوسف المهاجر واخوته ومريم المصرية وصولا الى العشاء الاخير والصلب والقيامة. وكان من تمكن من العائلات ينصرف عن اعماله لتأدية واجب الصلاة المستمرة كي لا يقع في تجربة. اما النسوة فكنّ يكتسينّ الاسود في اقدس اسبوع من الروزنامة اليولانية وينقطعنّ عن طبخ الزفر بشكل صارم. فتذهبنّ الى الحقول لجمع البقول لزوم اطعام اولادهنّ في مثل هذا الاسبوع، ولكم اختلط على الفتيات منهنّ تمييز ما يؤكل مما لا يؤكل!!! ولولا مشورة الحكيمات ورحمة الختن لقضى الكثير جراء ذلك. وكان الصبي في مثل هذا الاسبوع، يذهب خارج المحلة حاملا عصاه فيروح يستذكر في طريق العودة اورشليم والتلاميذ واليهود.
في عيد الاعياد وموسم المواسم
وسبت النور كان يأتي بعد التسليم والالم والموت كي يبلسم الجراح باءنتظار القيامة. والنور كان لعنة للجحيم. نور ما انفكّ يفيض في مثل هذا اليوم في القدس حيث القبر والسبت يتناغمان مع القيامة في تلك الكنيسة التي بنتها هيلانة قديما والتي مازالت متموضعة في قلب اورشليم الارضية القديمة والبائدة.
ورسما لكل ذلك، كان اهله يضيئون الشموع في مثل هذا اليوم، كي يتأله كل ذي جسد، ممن صنع من ماء وهواء ورماد. فالنور واللهب والدفئ هي النار التي ترمز للاهوت. اما الشموع المشتعلة فهي لقاء المادي بالالهي. لقد احبّ الصبي ان يكتشف النور الذي لا يزبل ابدا، فراح يسعى ان يبلغ اليه يوما، حتى لو بعد الموت الذي اضحى بالنسبة اليه رقادا او قيلولة ما بعد الغداء!!!
كما كانت الابواب القديمة تدكّ في ايامه في مثل ذلك الموسم. كانت الابواب تدكّ رمزا لدك المسيح ابواب الجحيم النحاسية وتحريره الارواح المعتقلة منذ القديم. فالقيامة كانت بالنسبة الى اهله، تحررا وضؤا ولسيادة لقد كانت تكريسا لغلبة النور على الديجور. نعم فلقد عنت القيامة لؤلائك القوم الشيئ الكثير، ولولاها ما كانوا ما هم عليه. لقد كانوا مسيحيين لانهم قياميون، ولولا القيامة لكان ايمانهم باطلا.
جميع الحقوق محفوظة - © جريدة النهار 2010
الأربعاء، 6 يناير 2010
عيد الغطاس اليوم ذكرى لعماد السيد المسيح
الأربعاء 06 كانون الثاني 2010 - السنة 77 - العدد 23922
عيد الغطاس اليوم ذكرى لعماد السيد المسيح
قال "طنسى" الجد، لحفيده: "كانت لعيد الغطاس في ايامنا الاولوية على كل الاعياد الشتوية. فالغطاس يطوي الميلاد عندنا في ثناياه، ويختزل كما غير قليل من تراثنا غير المنقول. هذا التراث المحلي المغمّس برائحة جبالنا وثلوجها وشجرها ومياهها، كما بطرائق اطباقنا وقصصنا ومعتقداتنا الشعبية... انني اخشى، يا ولدي، على هذا الارث من الضياع في ظل التراجع المستمر في اهمية هذا العيد الديني والشعبي، فاستمع الي جيداً ولا تنس ما سأقوله لك".
في الغطاس وطقوسه
"نال الغطاس اهمية كبرى في تراثنا الشعبي، نظراً الى ارتباطه بالمياه التي هي العنصر الاهم في حياة الناس في منطقتنا المتوسطية. فالمياه هي الحياة، يا بني، ولا بشرية ولا حضارة من دونها، وكما تعلم فهي شحيحة في عالمنا. ولطالما كانت المياه رمزاً للتبريك. وعماد المسيح على يد يوحنا أتى كي يظهر إرثاً توارثناه، حتى قبل ميلاد المخلص. غير ان حدث عماد المخلص اضاف معاني جديدة. فكان ما حصل ايذاناً ببداية مهمة المسيح الخلاصية على الارض التي تكرس بحلول روح الله عليه في الاردن. لقد كان عماده رمزاً لانسحاقه امام البشرية الخاطئة ولقبوله الموت كي يعود فيقوم.
هذا في الدين، اما في عادات الغطاس، فلقد كانت جدتك "مريم" تنهمك – ومنذ ايام الميلاد – في البحث عن زهور "بخور مريم" (1) التي تنبت في زوايا الحرش الملاصق للـ "عـــودة" (2). فكانت تلتقط ابصالها التي تقطعها ارباً ثم تجمعها في عقد خيطه من خام او كتان. ويوضح العقد جانباً في انتظار قدوم ليلة "الدايم دايم" التي تقع في عشية عيد كل غطاس. ثم تحضر العجينة، وعجينة جدتك لتلك الليلة كانت تصنع من دون خمير، اذ ان المعمود من يوحنا في تلك الليلة (يسوع) سيشكل الخمير الذي يخمّر العجين في معدننا طوال فترة السنة(3). وكنت اعلق عجينة جدتك، الموضوعة في كيس كتان ابيض مع عقد بخور مريم على شجرة مباركة(4) اذ لم يكن مسموحا ان تعلق وديعتنا على اشجار متمردة، كالتينة التي لعنها المسيح مرة، وما عادت تركع للمعمود(5) اي "الدايم دايم"، لحظة مروره.
نعم لقد كانت لليلة الغطاس رمزية كبيرة عندنا يا "حبيب جدك". واني لن انسى كيف كانت تتكلل تلك الليلة بالبرد والصقيع، فتتجمد المجاري. ولقد درجت عادتنا ان يستحم الجميع في منتصف تلك الليلة بالمياه المسخنة بحطب السنديان. لقد كانوا يستحمون وسط ترتيل "باعتمادك يا رب في نهر الاردن...". لقد كنا نستحم بمياه تقدست بفعل العماد، ونلف معاصم ايدينا وعواميد البيت والتبان بخيط كتان ابيض تحديدا لوعد انتمائنا لذلك الناصري ابن مريم.
ثم كنت آخذ عجينة المرحومة جدتك مع عقد الابصال وأعلقه على زيتونة حديقة منزلنا. وكنا نستفيق صبيحة العيد باكرا فنشارك اهل محلتنا قداس العيد وصلاة تبريك المياه.
وبعدها كنت امضي الى نبع المحلة لتغطيس عجينة جدتك المعلقة، في المياه ثلاثا. وكان كساء العجينة الابيض يتلوّن بالتراب جراء سجدتها للـ"دايم دايم" لحظة مروره.
لقد كنا نغطسها وننشد: "غطاس، غطاس، يا غطّاس. مار يوحنا عامدك والسيدة عرابتك...". ولكم اختلط صوتي مع اصوات رفاقي الذين اتوا للغاية عينها. وكانت الامانات ترد الى موقعها بعد انتهاء الطقس. وتسلم الى النسوة في اليوم التالي كي يقمن بدورهن بالطقس نفسه. وتنتهي رحلة الخميرة الى العين في اليوم الثالث، وكان الصبيان عادة هم من يدخلونها الى المنزل. ولقد كانت تلك العجينة تستعمل كخمير خبز المنزل طوال العام. كما كانت بعض اجزائها تستعمل لاعداد حلويات ومأكولات الغطاس على شاكلة "المعكرونة بخشاب" و"العويمات" و"الزلابية" وغيرها...
اما عقد ابصال الخميرة فقد كان يحفظ لحرق بعض حبيباته كبخور، اذا ما وقع فرد ما من افراد المنزل في المرض او في مصيبة.
في النظافة والوجيه
ولقد كان للغطاس يا بني ابطاله ايضا، كالـ"وجيه" مثلا الذي عمل حلاقا. و"الوجيه" كان قد انتمى، لما كان في دنيانا، الى عائلة كريمة ما تعوّد افرادها الاستحمام الا مرة في السنة، وذلك عشية ذلك العيد الرهيب. حفظت عائلة الـ"وجيه" ذلك الارث بهدف الابقاء على صبغة الميرون(6) ندية لعقود طويلة. الا اننا طالما اعتبرنا ان تلك التصرفات كانت غريبة عن المسيحية. وقد ادانها الخوري "جرجس" بشدة لكن دون جدوى. ارث جعل عائلة "الوجيه" على عداوة مع المياه حتى تلوثت بالبخل والنميمة والحسد، فضاع الميرون لحساب الشحم. الا اني، وعلى الرغم من كل ذلك يا بني، قد احببت "الوجيه". لم لا وقد عرفته بداية بشرياً على شاكلتي، الى ان استحال وحشاً يتغذى على اللحوم والشحوم والشهوات. تميز الوجيه بقدراته الكلامية ومواهبه على تشييد قصور احلام ومخططات تتبدد مع حلول كل صباح. علّ ما أضر بالوجيه كان تيمنه بالشيطان في الصدقية حتى اضحى يتكلم بلسانه.
اذكر الوجيه يا بني يصرخ ويبكي عشية كل غطاس حين كانت المياه تلقى عليه من عمال النظافة لغسله، بناء لامر رئيس البلدية وفي اشراف شرطي المحلة. فإياك ان تهمل نظافة القلب يا ولدي لانها من الايمان. وتذكّر دوماً انه كان للوجيه عائلة، وهجرته. اريدك يا بني ان تغسل روحك كلها ايضاً مع كل عيد غطاس من كل ضغن. نعم، لانك بالمعمودية قد استحلت من اهل النظافة والالوهة، فلا تنفك تتأمل في كل غطاس ما قد لحق بنفسك من اوساخ وترهل. دع المياه تدخل الى عمق نفسك حتى تجزع هي ولا تجزع انت!
اخرج من رحم امك، واستولد نفسك نظيفاً يا حبيبي مع كل غطاس. دع المياه تحمل خطاياك وتميتها. اسرق منها نقاوتها ولا تك كشجرة تين خاطئة. انسحق مهما كبرت، لان الانسحاق طريق التجدد. تنظف بالمياه الجارية واجعلها تحمل احقاد أمسك بعيداً من يومك وغدك كي لا تصاب بالوسخ والموت والترهّل.
النهاية
وما زال "طنسى" الرجل يتذكر اقوال جده مع حلول كل غطاس. وقد اضحى هدفه الاساس ان يستحم على الاقل مرة من الداخل في مثل هذه المناسبة كي لا تهجره صبغة الله الملوكية (الميرون) فيضحي مرذولاً ومغلولاً يتكلم بلسان ابليس في عالم هو له اصلاً.
هامش:
1 – زهرة بصلية تزهر شتاء في زوايا الحقول اللبنانية
2 – كرْم
3 – يعتبر الكتاب المقدس ان يسوع هو الخمير الذي سيخمر البشرية (العجين) برسالته الخلاصية
4 – الشجرة المباركة هي الشجرة التي بحسب التقليد الشعبي تركع قبل منتصف ليلة الغطاس.
5 – المعمود هو السيد يسوع المسيح الذي بدأ مهماته الخلاصية على الارض بالاعتماد من يوحنا في الاردن.
6 – الميرون يصنعه كبير احبار الكنيسة من سبعة عطور وزيت الزيتون. ويدهن بالميرون كل من يتقبل سر العماد في الكنيسة. والعماد يشكل قبول شخص ما ضمن الجماعة المسيحية المؤمنة.
مازن عبود
.........................................................................................................................................................................................
جميع الحقوق محفوظة - © جريدة النهار 2010
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)