الخميس، 6 مارس 2014

ذكريات مرصَّعة









حبيب يونس
مازن عبّود، هو الموقِّع أعلاه، على قرميد الذَّاكرة، بدهشة عيني طفل، وما قرميد دوما سوى موطئ جناح، نادته الفضاءات فما تعبت من صفقه، هو الموقع أعلاه، على مصطبة الوجدان، بأصابعَ من فراشاتٍ وعصافير، وعلى قبَّعات الشَّجر في جرد دوما، بقدمين حافيتين، وعلى حفافي الحقول، بشمسٍ من عينيه لا تعرف المغيب والأحلام، فجمع تحت جناحيه مطارح ووجوهًا وأحوالاً وشهادات. وكمن يكسر كأس عرق، جاء بأمكنة تنبع من عينين صافيتين، وبأزمنة مقطرة مثلثة أصيلة، ليطفح الكوب بقطعة ثلج من روحه، هو الموقِّع أعلاه، بحبر النُّوستالجيا، على حيطان السُّوق القديمة، وأبواب محالِّها، وأكياس الطَّحين والبرغل فيها، في هذه القرية الَّتي وعيتُ على حكاياها يرويها أجدادي ووالداي والأقارب: عملنا مشوار ع دوما تَ نتموَّن.

هو الموقِّع أعلاه بنبض النَّاس ووجوههم وقاماتهم، وبتربُّع طربوشٍ على رأس من هنا، ولِيَّة شروال تتأرجح من هناك، وبطعم عجينة زلابياء من هنالك، وبشجرة ميلاد قُطعت من إنجيل، وزينةٍ لها أُعِدَّت من قلوب وفرح... يكتب على دفتر سيجارة حمويٍّ، ولائحة قيد انتخابيَّة، وشبيَّة صلاة، وسندان كندرجي، وغبار مقلع، وبرنيطة عثملِّي، بأسلوب واحد وقلب واحد وحنين واحد وذاكرة لا ثقب فيها، لا بل مرصَّعة هي بدرر الزَّمن الجميل، قبل أن تصبح قِبلةُ النَّاس بوتوكسًا على شفاه هذه، وسيليكونًا في صدر تلك، وقبل أن تتصحَّر جبالنا، لأنَّ ثمَّة من يريد أن يعمِّر أبراجًا ومبانيَ ليُسكنَ الناس وقد ضاق قلبه بمُحبِّيه، أو يبيعَنا فحمًا نتدفَّأ عليه شتاءً، وقلبه علينا من ارتفاع سعر المحروقات، أو ننفِّخ عليها، تلك الأركيلة وثقافتِها الدَّارجة معسَّلة، بعد أن نعمرَّها ونكركر، وقد بتنا، في معظمنا، أسيادًا في الغرغرة ولَتِّ الكلام وعجن التَّفاهات.
هذه كانت حاله في الجزء الأول من الكتاب، صبيِّ المحلة الموقع أعلاه. وما بدَّل حالًا، إلا ليوسِّع دساكر القرية، فيجعلها ساحاتِ مدن كبيرة، وليعلي شجر الروح في اللقاءات، لتتظلَّلها النفوس والقلوب والقامات، وليكتب بأصالة ذاك الجرد قيم العالم.
هو الموقِّع أعلاه، صبيُّ المحلَّة، كأنَّه بطل قصَّة الدَّايم دايم، سلام عليك مارون عبود، سلام وقبلة عين كفاع، كأنَّه حكاية في حكي قرايا وحكي سرايا، ومن اسمه تحيَّة لسلام الرَّاسي وإبل السَّقي، كأنَّه رضا أنيس فريحة، سمع من أبيه كثيرَ حكايات، وعاد يستظهرها في غير مكان وزمان، لأنَّها هي ما تغيَّرت. مرحًى بفيء صنوبراتك أبا رضا. كأنَّه قصيدةٌ في ديوان شيخ الغيم وعكَّازُه الرِّيح، يعبر من ضفَّة الدَّمع إلى ضفَّة البراءة، نهرًا من دعاءات أمٍّ وعرق أب... إليك كلُّ الحبِّ جوزف حرب حيث أنت في علياء عليائك، كأنَّه عُربةٌ في صوت فيروز، وهي تغنِّي للطَّير الطَّاير على طراف الدِّني، وقد تشرَّفت بها دوما وشرَّفتها، حين استضافت عرش الرَّحبانيَّين ذات شريط سينمائيٍّ، وذات إبداع، كأنَّه كلٌّ منَّا، كأنَّنا هو جميعُه، وكأنَّ النَّموذج الذي اختاره لحكاية في ذكرياته الأنيقة حقيقةٌ من لحم ودم، قبضنا عليها بكلتا العينين وبكلا الروح والمعرفة، ذات يوم، كلٌّ في قريته أو مدينته، فرأيناها ولمسناها وحادثناها وسمعناها، حتَّى
إذا خرجت من ذاكرة صبيِّ المحلة، بدت أحلى وأشهى
وأعمق.
هو الموقِّع أعلاه، على جبين الصِّدق، وعلى نبض الحنين، وعلى أجنحة النفس والروح، يتنازل لنا، برضاه، عن كلِّ ما في ذاكرته، فيقاسمنا إيَّاه، قربانة كلمة لا يتناولها إلا المؤمنون بها، وقد غُطَّت بخمر معتَّق في خوابي أديرة الحبر.
مازن عبود، أيها الصَّبيُّ المملوءُ نعمةَ ذكريات، ترفأُ بها ثوب حضورنا التَّائه بين فعل الاقتناء والرغبة في الاستهلاك وخداع المظهر، الصَّارخ في برِّيَّة الماضي تستعيده على حصان الورق فارسًا مكلَّلاً بزيتون دوما الجليل الوقار، يا مازن، يا صبيًّا ضاقت به ساحات الحنين، لا تَرُحْ إليها وتلعبْ هناك، كفاك ترتكب طفولتك والمراهقة. تعال والعب على مدخل قلوبنا، وادخلها ساعة تشاء، وحين تتعب ويغلبك النعاس، خبَّأنا لك فيها وسادة من تفَّاح تنورين، وغطاءً من قرميد دوما، وبخورًا وشمعًا من دير البلمند، وفراشًا من نبض وطُمأنينة وسنابلِ فرح. فاستغرق في نومك، حانَ موسم قِطاف الأحلام والدَّهشات.
يا مازن... يا أبًا عمَّا قريب... قل لي، بربك: من ستحب أكثر؟ مولودك المن ورق وحبر وذكريات؟ أم مولودك المن لحم ودم وذاكرة؟
كبرت عائلة الصبي...
لكنه سيبقى صبيَّ محلة، تدور عليه أمكنة وأزمنة، تدور عليه القصص، ولا يتعب.

كلمة حبيب يونس في توقيع كتاب مازن عبود قصص وأزمنة من أمكنة، في دير البلمند 2 آذار 2014


الثلاثاء، 4 مارس 2014

كلمتي في حفل توقيع كتابي "اناس وازمنة من امكنة" في دير سيدة البلمند البطريركي في 28 شباط 2014

غبطة السيد البطريرك انتم مشكورون على رعايتكم واستضافتكم لي في افياء دير يعني لي كثيرا.
صاحب السيادة، واصحاب المعالي والسعادة، وقدس الاباء، والسادة والسيدات انتم من تجعلون هذا الاحتفال برّاقا يتلائم مع الهدف الذي صمم لاجله. 
لكن قبل ان اوقع كتابي اود ان اوجه بضع كلمات الى حجارة دير سيدة البلمند البطريركي العالق نغما ملائكيا وصورة فردوسية في يقيني منذ صغري.   
في البدء كانت روح الله على المياه نغمات حتى قبل ان تطفو اليابسة ويستولد منها بشر وكلمات.  وصار للبشر معابد.  وفيها استقرت النغمات.  فتكحلت حجارتها بقصص وتنهدات.  والى حجارة البلمند احمل اريج ارض المثلث الرحمات انطونيوس بشير.  احمل اليها شذا ذكرى صبي عانقته وصيرته حبرا لهج بربه.  واقام لجماعته صروحا من معنويات.    احمل اليها قصص "جبور" و"حبقوق" و"فوتين" وغيرهم معدلة ومكثفة.  وغالبيتهم قد رقدوا.  اطل من هناك على العالم حاملا همومها وواضعا اياها على اقدام ذلك الذي كان يوما ناصريا ومن بشرتنا.
نعم، أتراني انظر فيك يا حجارة.  اعانقك واقرأ ما بين سطورك قصصا سطرها من سبقنا.  والحاضر الا ومضة امام كم التاريخ المتراكم.  لسنا نحن الا قصة صغيرة امام الملاحم الكبيرة التي خطها قديسو انطاكيا.  ايا حجارة انك تفيضين رجاء ودروسا.  قول يا حجارة باننا قاومنا كل موجات الامحاء والتخوين في الشرق.  قول يا حجارة بانه على الرغم من العثرات في علاقاتنا مع المسلمين كان هناك مساحات تفاهم وتبادل وغنى.  قول انّ التطرف سرعان ما يزول ويبقى الاعتدال.  قول اننا صدرنا الى الغرب حضارة التفاهم والانفتاح فتبنوها هم، لكن انكون استوردنا منهم حضارة الالغاء التي اضحت لنا كما يقول امين معلوف في كتابه "الصليبيون كما يراهم العرب"؟؟
اقف عشية الصوم كي اقدم رغيفا واحدا لامة من المنكوبين.  فعمق الازمة كبير وقعر محيط دموعها المالح لا يدرك.  الا اني اقدم اغلى ما عندي.  واغلى ما عندي كلمات.  والكلمات اذ لم تشف، تبلسم وتعزي.
غدا يبدأ الصوم، ومستوعبات نفاياتنا تغصّ بالاطعمة، ولا رغيف واحد لمنكوب او جائع!!!    يطل الصوم وقد اعلن كل منّا استقلال جمهوريته عن الآلام  والمآسي المحيطة به. 
 يوافي الصوم وتحضر صورة جدتي امامي.  تلك الفقيرة التي كانت تضرب على صدرها قائلة: "ارحمني يا رب، فانا امراة خاطئة".  وانا ما استطعت ان اكتشف خطيئة واحدة صنعتها.  فقد غرقت خطاياها القليلة في بحر فضائلها.  ما كانت عالمة في الدين ولا في السياسة او الادب.  كان دينها ان تقتطع من حاجتها لاعالة الفقير والمشرد.  اشعر بحقارتي امامك يا جدتي وامام من هم من طينتك.  اشعر بعدميتي امامكم.  اليكم اقدم خربشاتي.  واقدمها ايضا اليك يا طفلي "ديمتري" الذي واشكت على المجيئ كما اهديها الى امك، رفيقة دربي صفاء.  واني اكتب من اجلك يا عزيزي كي تقرأ عن حضارة ابيك وعمك مروان وعماتك ميرنا ومايا، فتعرف كيف كنّا نعيش وكيف ادركنا العالم.  فالخشية كل الخشية يا عزيزي من ان تلتهم العولمة كل شيئ من حولك.  ومن هنا من البلمند ارفع الصوت عاليا كي لا تنمحي حضارتنا ويزول تاريخنا.  اقول باننا سنقاوم موجات الابادة والعنف والتطرف والظلم والخوف والالغاء والموت.  هذا قدرنا. وهذه معركتنا.  نعم، فمعركتنا ان نبني عالما اكثر حرية وانفتاحا ورغدا يعيش فيه الجميع بأمان. املنا ان نبني عالما يشبه السماء.


طوني مراد في كتاب مازن عبود "قصص وأزمنة من أمكنة"


مازن عبود يسمّي كتاباته خربشات ، وهي خربشات وليست كالخربشات .
الماضي في الغالب يسكننا بالأبيض والأسود ، لكنه مع مازن ملوّن ، ودود وحيّ ، كأنه للتّو .
قد يحلو للبعض القول : " فرقت على حرفين " بين اسمه واسم مارون عبود . لا هو يدّعي ولا نحن نصنّفه مارون عبود آخر . لعله مارون عبود أورثوذوكسي "لايت" ، ما يجعلني أدعوه مازينيوس . أو لعله صاحب مفكرة ريفية جديدة تستكمل ما فات أمين نخلة . مازن عبود من قلة قليلة يعنيها الزمن الجميل فيكتب عنه وكأنه يقول : إننا فيه إن شئنا .
يأتي مازن دائماً من حيث لا أعرف ومن حيث لا يأتي الآخرون .
قد يداهمني بتذكار من جبل آتوس أو بأيقونة من دير سيدة حماطورة
أو يُرفق خبرية من دوما بدعوة إلى كابوتشينو
أو يرقعك محاضرة في البيئة والصحة العامة ، ومن أين ؟ من مكتبه في الريجي !
إنه مازن عبود .
بيته في غزير علّية دومانية بناها حديثاً ، ولكن من حجر وقناطر وتراث وذاكرة وروح ، حيث تسرح اللهجة المحبّبة والمناكفات الطريفة والحب الخام .
كل ذلك لأقول : إنه مازن . هو مجموعة أشخاص وحالات في رجل ، لا هو وهو كهل ، ولا هو وهو طفل .
دوماني حيثما حلّ . مثقف محب للبيئة والطبيعة ، ولكل مؤامرة بين البشر والحجر والشجر ، وبين الماء والهواء والسماء .
يا لها من روح تقود مازن وتجرّ وراءه الحنين ، من حنايا سوق دوما وطقطقة تكنات قرميدها إلى البخور الذي يضمّخ القبب المذهبة في كنائس الروسيا وأديرة اليونان .
عاشق للحرية حتى عبوديتها. يتركها لك إذا تمنى شيئاً . يقول عندي كذا . كمن يعرض الراحة والبسكوت في أحد دكاكين سوق دوما ولا يدلّل عليها ، ولو بارت أو باخت أو باتت .
يوحي ولا يطلب ، وهو شاكر في الحالتين .
مهذب ولأنه مهذب تبدو الخطايا في أقاصيصه مغفورة والزعرنات مستورة.
ولعل ما يُغني صدقية مازن أنه مؤمن
مؤمن نيره خفيف ولطيف وشفيف
كأيقونة غير دَعيّ
قد يرى فيها أحدهم مجرد لوحة
وقد يرى فيها آخر نداء الله ، وهي رضيّة هنيّة بهيّة في الحالتين .
ومع ذلك يترك دائماً فيك ذاك الشعور بأورثوذكسية ، كما أحبها أنا الماروني الكسرواني : عناد في الحق ، ولكن ليس إلى حد التكفير أو الاتهام والتخوين .
بدأتُ بمارون عبود الماروني العلماني وأختم بمخايل نعيمة الأورثوذكسي المبكر في العولمة . وبكلاهما يذكّرني مازن .
نعيمة تنسّك الشخروب ولملم ريشاته من موسكو إلى نيويورك . وكلما أتذكّره أتذكر قصته أكابر ، حيث الأكابر يحق لهم إذا أتوا الضيعة أن ينتزعوا من صبي العائلة التي تشتغل بالشركة في أرض الاكابر ، الجدي والديك أعزّ ما لدى الصبي ومن دون أن يلووا على عويله ... لأنهم أكابر !
مازن عبود ليس بهذه القسوة . إنه في الجانب العذب من تاريخنا العذابي في هذه البقعة !
مازن عبود في يدك بعض أقفال أدبنا التراثي ، فلا تفرّط بمفاتيحها ولا تتركها فريسة الصدأ والنكران والهجران . والسلام .
 
                                                                 أنطوان مراد


الأحد، 2 مارس 2014

توقيع كتاب في البلمند برعاية يازجي

 
وطنية – بحضور حشد ملفت، وقع الكاتب مازن عبود كتابه "قصص وأزمنة من أمكنة" في قاعة دير سيدة البلمند خلال احتفال رعاه بطريرك انطاكيا وسائر المشرق للروم الارثوذكس يوحنا العاشر يازجي ممثلا برئيس دير سيدة البلمند البطريركي الاسقف غطاس هزيم، وذلك بمشاركة ممثل الرئيس امين الجميل سايد خوري، وممثل النائب العماد ميشال عون المحامي جورج عطاالله، وممثل رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع ماريو صعب، وممثل وزير البيئة محمد المشنوق القاضي وهيب دورة، وممثل رئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية انطوان فنيانوس، والنائب نضال طعمة، والنائب نقولا غصن، ورئيس الهيئة العليا للتأديب مروان عبّود وممثل النائب سامي الجميل الدكتور مرسال فرنجي، وممثل قائد الجيش العماد جان قهوجي العميد جورج قرقفي، وممثل الوزير السابق زياد بارود ايليا ايليا، وعميد العلاقات الخارجية في الحزب السوري القومي الاجتماعي حسان صقر، والقضاة: نبيل صاري وزياد شبيب وغابي شاهين ومنير سليمان ورئيس اتحاد بلديات الكورة المهندس كريم بو كريم، ورئيس بلدية اميون غسان كرم، والمقدم نجيب النبوت ممثلا مدير المخابرات في الجيش اللبناني، عميد معهد اللاهوت الاب بورفيريوس جرجي ممثلا مطران بيروت الياس عودة، ممثل ادارة حصر التبغ والتنباك المهندس محمود سنجقدار ورئيسي بلديتي دوما وكفرحاتا وكهنة وشخصيات وحشد غفير من المدعوين.

افتتحت جوقة معهد القديس يوحنا الدمشقي الحفل بتراتيل ثمّ كانت مداخلة للشاعر حبيب يونس، الذي قال في الكاتب: "هو الموقع اعلاه، على جبين الصدق، وعلى نبض الحنين، وعلى اجنحة النفس والروح، يتنازل لنا برضاه، عن كل ما في ذاكرته، فيقاسمنا اياه، قربانة كلمة لا يتناولها الا المؤمنون بها، وقد غطت بخمر معتق في خوابي اديرة الحبر".

ونوه انطوان مراد بالكاتب واصفا اياه "بمجموعة اشخاص وحالات في رجل"، وقال: "بدأت بمارون عبود الماروني العلماني واختم بمخائيل نعيمة الارثوذكسي المبكر في العولمة، وبكلاهما يذكرني مازن".
وختم متوجها لعبود: "في يدك بعض اقفال ادبنا التراثي، فلا تفرط بمفاتيحها ولا تتركها فريسة الصدأ والنكران والهجران".

وتناول الياس العشي فكر وادب مازن عبود "الحالم بوطن مثالي وعالم يتساوى فيه الجميع، وفسحة بيئية نظيفة تعيد الاعتبار للريف بعد ان استولت المدن على الذاكرة"، ورأى في الكتاب "مجموعة قصص قصيرة، استكملت شروطها مجموعة خواطر دافئة وثلة من الامثال والحكم، ومرور خجول على السياسة والاقتصاد والعولمة".

ووجد جورج ياسمين ان "الكاتب لم يكف عن تسلق القمم بعيدا عن الحياة المبتذلة، وهو كالسراج يشع حيث يكون، هكذا اراه في بيئته وكنيسته وصداقاته يكفر عن الشر المصنوع بيد البشر".

وتوجه الكاتب بكلمته الى البلمند: "بالرغم من العثرات في علاقتنا مع المسلمين كان هناك مساحات تفاهم وتبادل وغنى. قول ان التطرف سرعان ما يزول ويبقى الاعتدال. قول اننا صدرنا الى الغرب حضارة التفاهم والانفتاح فتبنوها هم، لكن انكون استوردنا منهم حضارة الالغاء؟ أقف عشية الصوم لكي اقدم رغيفا واحدا لامة من المنكوبين. فعمق الازمة كبير وقعر محيط دموعها المالح لا يدرك. الا اني اقدم اغلى ما عندي. واغلى ما عندي الكلمات".

ونقل هزيم للكاتب عبود تهنئة اليازجي خلال كلمة ألقاها باسمه، متمنيا له التوفيق. ونقل للحضور محبة البطريرك لهم وشكره على حضورهم. وقال: "يضع الكاتب أفكاره بقوالب قصصية بسيطة وسلسة تعكس معرفة بالواقع السياسي والاجتماعي وحتى الديني. وهذا الكتيب يعكس منظار ابن الضيعة، ابن دوما. احب ضيعته التي عشعشت في كيانه وانعكست في افكاره فأطفت عليه لمسة مرهفة".

أضاف: "يتميز كاتبنا في الطرح بالربط ما بين الماضي والحاضر ليظهر ألما على تغيرات في المجتمع الى الاسوأ. وهنا يقتبس من الماضي ما هو جميل ومملوء من الالفة والحرارة واحترام الآخر وقبوله، فواقع اليوم أصبح مصطنعا وقائما على المصلحة وممنوع فيه الاختلاف الذي تميز به لبنان وجعله جنة غناء. أما في الشأن الكنسي، فإن دل على شيء يدل على إنسان أحب كنيسته ونما فيها ملتزما قضاياها وارادها عروسا بهية ناصعة نصوع ثلج لبنان وشامخة شموخ أرزه".

ولفت الى "طرح الكاتب التقاليد الكنسية لا بل حتى الاجتماعية، بخاصة اننا نسمع اليوم اصواتا تنظر اليها انها من الزمان الغابر ولم تعد نافعة، فالايمان قائم على العقلانية والمعرفة. أليست هذه التقاليد تعبيرا عن الايمان بطريقة شعبية؟ وكاني اقول بان الزجل او الشعر او المسرح وغيرها ليس فنا تعبيريا. الم يخلق الله الانسان بحواس خمس كلها مقدسة وتساهم بتقديس الانسان؟ هل الانسان فكر ام كل ككل؟ بساطة الايمان هي العمق بذاته، فان لم نتعلم اسلام القلب لله عندها يصبح العلم انتفاخا".

ونقل شكر هزيم "الهبة التي تعبر عن محبة واحساس بالآخر، فريع الكتاب يعود لدعم صندوق البطريركية المخصص لمساعدة المنكوبين".
قدم للاحتفال السيد جورج نجم الذي اختتم كما استهل بترتيل لجوقة يوحنا الدمشقي قبل ان توزع لفتات تكريمية الى كل من ممثل صاحب الرعاية- الاسقف غطّاس هزيم
وممثل رئيس لجنة ادارة حصر التبغ والتنباك ناصيف سقلاوي - عضو اللجنة م.  محمود سنجقدار وحسّان صقر وجورج ياسمين وانطوان مراد وحبيب يونس وجورج نجم.قبل ان تتم دعوة الجميع الى استقبال بالمناسبة.


الثلاثاء، 25 فبراير 2014

سبع الغاب يفرّ




كان "سبع الغاب" يستفيق في الليل.  وينام في النهار.  يستوطن المنتجعات.  ويقتات لحوم الحيوانات.   فالدم لا يقتات الا دما.  ارخى لغرائزه العنان.  وما كان يسلم من شره احدا.   وكانت نساء "كفرنسيان" تتلافى لقياه، مغبة التحرش بها.  فقد قاطع الثياب الداخلية.   كره الاعمال الجسدية.  وما قدر له ان يطور كفاءآته الفكرية.  فكان ان عاش في الهوان.  مؤخرا، اضحى يكره الشيخوخة التي ما استطاع ان يغلبها.  ف "عزرايل" راح يحوم من حوله.  ويحصد رفاقه الواحد تلو الآخر.  واليوم كان دور "حليحل" رفيق لعب الورق، والبارحة كان دور "كوكو" حبيب النساء بعد "جميل" خفيف الدم.  صار تحديه الاكبر البقاء حيا اكثر من كل رفاقه.  وها هو يتأمل في موكب جنازة "حليحل".   ويلوّح له من بعيد، قائلا: " غلبتك يا "حليحل".  عثر عليك عزرائيل قبلي.  سلّم على الجميع". 

طلب الى كنته توضيب اغراضه وحزم حقائبه لزوم التوجه الى حيّ شعبي في بيروت، كي يزيح من درب "عزرائيل".  غادر منزله بعد ان علّق على الباب  "ليس هو ها هنا.  فرّ الى جهة مجهولة.  ولن يعود".  كتب ما كتب وغادر كي يضلل "عزرائيل" الذي "لن ولن يتمكن في القريب العاجل من العثور عليه في زواريب الاشرفية.  وكل يوم حياة مكسب".  كره الموت الذي يحل ضيفا ثقيلا في شباط على كبار السن في كفرنسيان.  فيقتلعهم.

عاينه "برهوم" يتسلل الى سيارة ابنه "كوكو" ويتخفى في المقاعد الخلفية. 

وغادرت السيارة التي تحمله بخفر "كفرنسيان".  الا انّ الموت بان له في "كفرعميان" المجاورة حيث سمع قرع جرس.  وقد توقفت سيارته لبعض الوقت حتى مرّ المحفل.   اما هو فقد اخفى وجهه وراء الجريدة.   ولم يرد ان ينظر الى التابوت كي لا تقع عيناه في عينيّ من يقبض على نفوس البشر.

وصل بيروت.  ودخل الى منزل الذي كانت نوافذه تطل على نوافذ اخرى.  فحتى  الشمس لا تجد تلك الشقة الغارقة في غمرة بنايات الباطون.  استمتع هناك كثيرا بمراقبة البنات التي  بالكاد تستر اجسادها وتتمايل مع الريح في تلك الطرقات المكتظة والضيقة بانتظار وصول اصدقائها.  وكان ينظر اليهنّ قائلا، ومتحسرا :" لو انّ الشباب يعود يوما.  ايه ما قصروا الا بعد ما قصرّنا.  يسلملي الجمال!!!".  ثمّ راح يبحث عن الشمس ويردد في نفسه، مسرورا: "اذا كانت الشمس تجد صعوبة في اختراق المكان، فكيف يخترقه الموت؟؟".

وما كاد ينتهي من الاستمتاع بكل ذلك حتى سمع انفجارا حطم زجاج الشبابيك.  وللحال عاين عامود النار يطلع من تحت الارض في الخارج، واشلاء راحت تبان على التلفاز الذي وضع قيد العمل في الداخل.  ابلغ انّ شبانا قرروا الموت لزوم قضاء ليلة مع الحوريات.  فصعق من الخبر.  وهو مهووس في الجنس ومعروف بشهيته على النساء.   دخل سريعا الى المنزل الصغير.  اطفأ الضوء.   واختبأ تحت الحرام كهر خائف.  وراح يفتكر في المضي الى السماوات على طريقة الانتحاريين اذا ما كان الجنس هناك مباحا.    لم لا وهو قد فقد جاذبيته وقدراته الجنسية منذ زمن على الارض.  كما انه ما عاد قادرا على التهام العسل الصافي خوفا من السكري الذي يعبد طريق عزرائيل.  وهو ان تعلق بالحياة فعلى امل استعادة الامرين.  فكل شيئ عنده في الحياة كان يتمحور حول الجنس والاطعمة. 

ونام "سبع الغاب" وحلم بانه دخل غرفة نوم امرأة تغطت.  ولمّ خلع ثيابه ودخل الى سريرها.  اكتشف انّ طريدته كانت رجلا.  فهجّ هاربا بعريه الى الشارع.  حيث رأى الجميع عريه.  وصاروا يتهامسون.  شعر سبع الغاب بالخجل حتى انّ شواربه التي عصت الجاذبية قبلا، عادت فخضعت لقوانينها.  استفاق من نومه وراح يركض في الشقة الصغيرة حتى سقط من شرفتها ومات.

اعيد "سبع الغاب" الى كفرنسيان جثة هامدة.  وقد تبين لهم انّ السبع ما كان الا هرا هرب من كفرنسيان كي يموت في ارض غريبة.  

 


الأربعاء، 19 فبراير 2014

الى طفلي الذي لم يولد بعد

"طفلي يا رضيعا لم تلده امه بعد، اتراك توافي بعد ايام!!!  يا صغيري، آمل لو كنت اعلم ما ستكون عليه او كيف ستكون؟؟  اني وامك نحبك كيف ما انت وكيف ما ستكون!!!
يا امير بيتنا تنتظرك في مطارحنا كل الاشياء والزوايا.    يا حبيبي ستعشقك حتما كل الحوائط والقراني. 
احلم يا بني، يا حبيب امك، ان اعيش كي اراك تكبر في بيتنا الذي سيكبر.  ويكبر البيت بصغاره فيلامس الخيال.
نعم، بيتنا من احلام يا حبيبي.  بيتنا من جمال يا صغيري.  بيتنا تنطره الملائكة، بعيدا عن الساحرات يا اميري. 
ويببحر البيت الصغير بك بعيدا.   يبحر الى حيث الومضات من نجمات.  يبحر الى حيث النغمات اريكة وسرير وحضن دافئ وحياة وغنوة.   يبحر الى حيث الغيمات تحملها الملائكة.  اكبر هناك على مهلك.  والعب في حقول الغيمات.  استلق هناك يا حبيبي واقطف من الاحلام عبقا.  لا تكبر سريعا يا بني فتعرف انّ الحياة ملؤها مرارة.  والمرارة خمير التحول والنضوج. 
نعم، ستتعرف على الحياة يوما يا حبيبي.  فتتذوق من حلوها ومرها اطباق.  نم يا ابني، يا نسري الذي اريد له ان يحلق فوق عقدي ووهناتي وضعفاتي وذكرياتي.  اضحك. العب.  امرح.  ادخل الى امارة الاحلام ولا تخرج منها الا كبيرا.
ستدرك يوما يا ولدي الذي لم يولد بعد انّ والدك اخطأ كثيرا ووقع طويلا وبكى عميقا.  فامتدّ جرحه حتى قعر المغاور.  انتفخت احلامه احيانا وتحطمت عند رؤوس القمم. 
يا بني يا رسالة لم تتكشف مضامينها بعد.   كن ما يتوجب ان تكون عليه.  فكل بشري انما يولد لرسالة. 
احبك يا ابنا كنت قبل ان تولد.  واكبر في دلال اهلك".
سمع "برهوم" يردد هذه الكلمات امام النار التي احب ان يخرجها من اليباس المطروح في الموقد.  وقد عشق ان يتأمل النار تولد، فتكبر كي تدفئ وتنير الغرفة حيث يقبع مع افول كل شمس.  ويستكين.
وقبالتها كان يسترجع اعماله في كل يوم ويذريها على بيادر الضمير.   هناك كان ينضج افكاره على نار الحقيقة.  وكان ينظر في الموقد الذي يطل من الافياء على عوالم النار والنور والومضات. 
احبّ النور لانه حياة!!!  والموت ليل.  تأمل عميقا في بطن امرأته التي شارفت على الوالدة.  وراح يتتبع كل حركة فيه.  فالقادم ابنه الذي سيزين حياتهما.  ويعطيها معنى.  فلا يعود يعيشان لنفسيهما بعد اليوم  بل له.
ثمّ راح "برهوم" يسجل كلماته على مفكرته.  وكلماته تولد بفعل احتكاك الاقلام بالصفحات.  روحها فكر وظاهرها حبر.  فكل شيئ في اساسه ومضة حتى الحكايات.   وراح ينظر الى النار التي ما انفكت تتراقص في تلك النافذة المتصلة بالسماوات بمدخنة.   تأمل في سحرها طويلا.  وعميقا مضى الى عوالم الخلق والومضات.
استفاق ووجد نفسه وحيدا على الاريكة غارق في افياء الليل.  وترك اريكته ماضيا الى سريره على امل ان يخطفه النوم هربا من الظلام. 


الاثنين، 17 فبراير 2014

لوضع ملف النفايات الصلبة في صلب البيان الوزاري


رحب مازن عبّود بتشكيل حكومة جديدة تضع في سلم اولوياتها اهتمامات الناس ومشاكلهم.  واعتبر بأنّ ملف معالجة النفايات الصلبة المتفجر يجب ان ينال الاهمية التي يستحقها، وذلك كي لا تتفجر الحكومة امام مطالبات الناس وهمومهم في هذا الاطار.  عبّود طالب تضمين الشق البيئي في البيان الوزاري بندا واضحا وصريحا حول ضرورة اقرار خطة لمعالجة النفايات الصلبة والبدء بالعمل الجدي والدؤوب على انفاذها، كي لا تحل نهاية العام وتبقى الامور على حالها في مطمر الناعمة.  فتشعر الناس بانها خذلت.