الأربعاء، 18 يونيو 2014

مواهب واحترار


 
كانت الدنيا في زمن العنصرة.  والقمح ذهب للحصاد.  جلس الخوري "طنسى" في الخارج.  وراح يستدعي الاولاد.  حضر "برهوم" وصديقه "كوكي".  فسالهم الخوري ان يتكلموا.  فتكلموا بالعربية.  فقال في العنصرة نتكلم لغات اخرى.  "الا فتكلموا يا حلوين" .  بدأ "برهوم" "يترغل" (يتكلم) في الفرنسية.  فقال: "لوازو فول" اي العصفور يطير.  اما "كوكي" فترغل" كلمات بالعصفوري.  فضحك الخوري، واجابهم: "في العنصرة نستدعي، كي يحل على اولاد الرعية، روح الفهم والذكاء والادراك.  الا انه على ما يبدو لا يستقر عليهم.  فقبل العنصرة مثل ما بعدها.  لا بل البطنة تقتل فطنتهم التي تتراجع".   وكان ان لمح فهيم الرعية "بوب" المحترم يتلمذ الولدين.  فانضم ضيفا الى الحلقة.  فرح الولدين اذ شعروا به شخصية محببة من شخصيات السيرك.  وانبهروا بحذائه  الابيض، وثيابه المرقطة، وربطة عنقه الصفراء.  وقد وجدوه بمنتهى الفهم والغيرة.  فهو من فرسان "كفرنسيان" ممن يحملون الجماعة على الاكف.  تكلم بثقة نفس في موضوعات غير مترابطة.  تكلم في الشغور في موقع رئيس جمعية "البر والاحسان" وتأثيرات ذلك على الابرشية وكفرنسيان.  وبدا مهتما بمعالجة الفراغ الحاصل حتى لو اضطر هو شخصيا بالتضحية بنفسه والتقدم الى الخدمة.  وكان الجوّ حارا في حزيران اكثر من المعهود.  فحلّ الاحتباس الحراري موضوعا عالجة "بوب".  فاعتبر انّ "الاحترار مؤآمرة امبريالية على "كفرنسيان" الممانعة.  وبانه نتاج الرأسمالية المتوحشة ونظمها التي ادت الى ارتفاع منسوب الانبعاثات الغازية في الهواء".  ولم ينسى مفاعيل ابقار "طانيوس" وماعدة "فوتين" المتميزة وكلاب "نباح".  وهذا كله من اسباب الشغور غير المباشرة.   فالفراغ ابن الخلاف.  والخلاف ثمار ارتفاع حرارة الدماء.  والدماء الحامية اساس تبدل الامزجة.  وتبدل الامزجة الناتج عن التبدل المناخي يزيل القناعة ويزيد منسوب التكبر الممزوج شكا.  فتتعطل الحياة العامة.  ومن تداعياتها الشغب الحاصل على اثر نزول الرفيق "يعقوب" وحرمه المصون الى الشارع احتجاجا ونقمة وغضبا جراء انخفاض كميات الاطعمة المتوفرة لاطعامهم كنتيجة لتصحر الاراضي الزراعية.  فصرخ الخوري: "كفى.  كفى نظريات "بوب".  ما هذا يا هذا؟؟  داخ الاولاد".
سمعت "افدوكيا" من شرفتها الحديث.  فما فهمت شيئا.  واعتبرت انّ "بوب" افحم المحترم.   
ثمّ انتقل "بوب" الى موضوع خاله يثير شهية المحترم اكثر.  لم ينتبه الى وجود "افدوكيا" التي كانت ترصد كل شيئ من شرفتها.  فسأل الاولاد لم لا ينتسبا الى الاكليريكية فيصبحا مطرانين.  وعندما يتخرجا، يصبحا فهيمين.  فتسمعهما الرعايا وتطيعهما  الناس الاوادم وتجيبهما بنعم مهما قالا.  فيصيران يتكلما بالنحوي.  ويختارا مرجعيات هذا الدهر.   ويجعلا من عمهما "بوب" الذي نصحهما مختارا او رئيسا او ما شابه.  ويفتحا له وللخصائص ابواب الملكوت.   
صارت "افدوكيا" تدن من شرفتها.  سمعها "بوب" فانحسر، مستلا هاتفه النقال.  وسمع كأنه كان يكلم زعيما الى ان رنّ الهاتف في اذنه.  فأرتعب "بوب".   وشعر بالحرج.  وصار يجري.  فسمعت اصداء ضحكة "افدوكيا" في كل "كفرنسيان".   قيل انّ ما حصل كان لتأديب الزائر.  وقد اشيع انّ هذا هو مصير كل من يتجرأ ويقاطع المحترم.    وعاد فصفا الجو.  فتكلم الخوري مجددا بالروح والمواهب.  وسأل الاولاد عن مواهبهم وعمّ يحبون ان يحظوا به.  فأجاب "كوكي": "عندي المغنى والرقص والطلة.   مازال يلزمني الغنى وحكي "الفرنساوي" لجذب الفتيات.   فتصير "ليلى" اجمل بنات الارض وابنة الجيران، حبيبته".  امّا برهوم فامل ان يطير.  فيصير نسرا يحوم فوق "كفرنسيان".    
وعاد الى المنزل وابلغ جده بكل تلك الامور.  فسر الجد بالحفيد.  وقال له:" جيد انك تريد ان تطير.  لكن لا يطير يا بني الا الصالح ونقي القلب.   اولاد آدم لا يطيرون الا عندما يصيرون اولادا لله".


الأربعاء، 11 يونيو 2014

الضمانة

احبّ "برهوم" ان ينزل حيث كان البحر يزور اليابسة.  نزل وجال في الحي البحري للمدينة القديمة التي كانت عاصمة الاقليم حيث قبعت "كفرنسيان".  ابصر كيف كانت الريح تأتي عاتية ومحملة بالصفير تواكبها الامواج التي راحت تجتاح اليابسة مذكرة اياها انها كانت يوما لها.  وكانت البيوت القديمة تئن وترتجف خائفة وتنحسر قليلا.   وتلتوي الازقة المتماوجة التي تتحول اقنية للمياه المالحة.   في وسط  الخوف وفي قلب المدينة القديمة التي قذفها البحر من احشائه ابصر كنيسة صغيرة ساهرة تصلي وحيدة في تلك الجهنة كي تسلم المدينة.  فالحرب كانت دائرة في المقلب الاخر للجبل.  وقد قيل انّ البشر تحوّلت شياطين بفعل خلطة تركبت بمزيج من الخوف والتكنولوجيا والظلم.  خلطة غيّرت وجه بعض المتدينين.  فصاروا ابناء للشياطين يعبثون في الارض خوفا ودمارا.  وصار البحر يرمي من جوفه مخلوقات مخيفة.  في الكنيسة الصغيرة والقديمة الساهرة لوحدها جلس "برهوم" ينتظر حتى جلاء العواصف.  وكان ركّاب تلك الكنيسة من بسطاء القلب والفقراء والمعذبين.  فالعروش والسلطات كانت قد هوت. 
عاد "برهوم" الى كفرنسيان قلقا.  فوجد "جرجس الكفرنسياني" في السوق، يدخن نارجيلته.  سأله: "ما بالك يا فتى مصفرا ومرتبكا هكذا؟؟  ما الذي حصل معك؟؟ لا تخف فعمك جرجس معكم حتى قدوم اجله".  فابلغه "برهوم" بما يجري في الناحية الثانية للجبل.  وكيف ان الناس تذبح والنساء تسبى تحت عباءة الدين.  فهدأه وطلب اليه ان لا يخاف.  فلا خوف على كفرنسيان وكل الناحية والاقليم طالما هو موجود.  فهو صديق "الفوهرر" المغدور الذي يعرف اسرار العالم.  وبحسبه انّ البسيطة ممسوكة اليوم من اعداء "الفوهرر" المهزوم.  "ولو انّ صديقه الفوهرر المهزوم قد انتصرعلى المرابين الذي يديرون العالم لكان غيّر وجه الارض.  ولكان هو قد اضحى من حكام هذا الدهر".  وراح يستذكر مغامراته حين كان يقل الركاب بسيارته "اوستن" على خط باريس-بارلين كما قال.  فأخبره كيف انه التقى يوما رجلا بثياب بيضاء فتح نافذة سيارته وناداه لاحتساء القهوة في حاضرته.  ولمّ سئل عن الرجل قيل له: "ما بالك يا جو الم تتعرف على صاحب القداسة؟؟ انه البابا يوحنا الواحد والعشرين يناديك".  حصل ذلك   في ساحة "اسبانيا" في روما التي مازالت تشهد لضربة كف "الكفرنسياني" الذي عرفته ساحات وقادة مدن وبلدان القارة الهرمة، كما كان يقول.   "فعندما كان "الكفرنسياني" يلهو بالكون.  كان جميع قادة القارة غلمانا وفتيات وبعضهم لم يكن قد ولد بعد".  ثمّ تنهد ولاعب شاربيه.   وسأل "برهوم" ان يصلي الى القدير كي يطيل الله بعمر "الكفرنسياني".   
وضرب "الباركينسون" "الكفرنسياني".   فانتشر الخبر بأنّ المعلم يوسف مصاب ب"الباكيستن".  فأعرب المعلم "جرجي" عن قلقه الشديد وعتبه على "باكستان" التي بدل ان تكافأه على وقوفه الى جانبها في مسيرتها للاستقلال عن الهند ارسلت له "الباكيستن".  وصار يقول ان "الوفاء" اضحى مفقودا.  وبانه حزين لكن غير متفاجئ من تصرف بعض الدول تجاهه. فقد اضحى يشكل عبئا على النظام العالمي بعد رحيل كل صحابه، كما افاد.  "فالعولمة لا تتحمل وجود شخص بحجم "الكفرنسياني"".  فكان ان جمع قومه وقال لهم :"يا ابناء بلدي العزيز، انا راحل ولست حزينا على نفسي بل على "كفرنسيان".  نفسي مضطربة لاجلكم.   انتبهوا ولا تتركوا مجالا كي تتسرب الشياطين الى ضيعتكم.  احفظوا ارثي وقصصي واقوالي.  والله ولي التوفيق". 


الأربعاء، 4 يونيو 2014

القمة

قال "برهوم" لجده:" جدي لماذا لا تأخذني الى الجبال معك؟   فهناك تهمس الريح في جوف الوهاد اسراها.   فتخرج  منها صفيرا كصفارات قطارات العودة.
 خذني جدي الى سقف" كفرنسيان" حيث تلامس السماوات الارض، والى حيث تصعد الطائرات كي تأخذ الناس بعيدا. 
خذني الى حيث بنى الملك له قصرا على تخوم بلاد الانس وعلى مقربة من بلاد الجان. 
خذني الى هناك كي اقطف الشمس واجلبها الى المنزل في كانون مشعة دافئة فيفرح بها كل من في البيت. 
خذني فقد قيل لي ان هناك ثمة سلالم يتسلقها الراقدون كي يصلوا الى دنيا الفرح والاحلام.  فهناك قصص "هايدي" و"فلونة" وكل انواع الخيال. 
اريد ان ارتمي في حضن غيمة تحملني فوق "كفرنسيان" فاعاين الدنيا من فوق.  وارعى مع غنمات الغيم عشب البقاء. 
خذني الى هناك فصوت جدتي الراحلة يناديني.  خذني الى هناك ف"ام رعيدي" قد همّت بتنظيف الارض.  واني اريد ان القي عليها التحية".
لم يجب الجد. بل صار يهز رأسه ويفكر.  فأصر عليه "برهوم" قائلا: "او ليس كرم الشمس قريبا من هناك؟؟ خذني معك الى الكرم".
ما اراد الجد ان يجهض احلام حفيده.  كما انه ما كان يرد له طلبا.  فاجاب: "الا فاستمر في الحلم في القمة يا بني.  فحين تبلغها تميتها.  ولا تعود قمة.  تهجرها الاحلام وكل كائناتها الاسطورية.  فلا يعود الحلم يستوطنها.  وتهجرها "ام الرعد" يا ولدي.  فتضحي حقيقة مجردة وناشفة ومفزعة احيانا، لا تشبه تطلعاتك يا بنيّ.  ليس المهم ان تتسلق القمم بل انّ الاهم ان تصبح انت قمة في تواضعك وفضيلتك.  فيسكن الله فيك عندها.  ويسكنك فيه.  و هذا الهدف من الوجود يا ولدي.  لن ابقى معك طويلا يا ولدي، لاني راحل غدا الى حيث تحوم النسور والى حيث اتسلق السلالم.  لن يكون بمقدورك ان تذهب معي لانّ دورك لم يحن بعد.   لا تخف اذا ما غبت عنك.   فانا قد قررت الرحيل".
وصار "برهوم" يبكي.  فطيّب الجد خاطر الحفيد وداعبه قليلا قبل ان يعده بأن يأخذه معه الى "كرم الشمس".  لم لا و"برهوم" لم يتلكأ يوما عن حمل زوادة من المنزل الى الدكان.  وكان الجد يكافئه بمنحه ليرة لبنانية لا غير يشتري فيها الصبي من بوظة "جمول" الشيئ الكثير".    واصطحب الجد حفيده صبيحة يوم معه في رحلة الى القمة حيث اراه العالم.  وعالمهم كان "كفرنسيان".  هناك اقترب "برهوم" من الغيوم، ولم يبلغها.  عاين الشمس ولم يجاروها.  فتش عن السلالم ولم يجدها.  ما استطاع ان يلتقط من الجو حتى طائرة واحدة.  ولم يجد ام رعيدي.  فايقين عندها انّ القمة هي فينا.  وانّ القمم تزول حين تطأها اقدام البشر.  وامسك الجد  بحفيده وسأله ان يركع ويستمع الى الريح.  وتطلع الجد الى العالي الى حيث تستقر الشمس وسأل روح الكون قائلا: " يا الهي هبه روح القمم فلا ينزلق في هوة الشهوات.  ازرعها فيه فيصير القمة بفضائله.   وانت يا ريح لا تهجريه، فيهجره الخيال.   اعطه ربي ان يكون حرا ابدا".  وتطلع الشيخ بحفيده واردف: "تعال الى هنا في كل مرة تشعر انك مكبل فتدرك انك حر.  تعال الى هنا واترك كل شيئ تحت وخاطب من تشاء ممن رحلوا.  خاطبني.  وانك حتما ستكون مستجابا".  انتهى المشوار.  واقلع الصيف ووافى الخريف.  فعاد "برهوم" عصر يوم من مدرسته.  وجد جده مسجى وحوله النساء نادبات.  لمحه من شباك المطبخ حيث كان يلوح له بمحفظته مبلغا اياه انّ يوم الدراسة انتهى. 
صرخ له فما اجاب.  فهام الصبي في البرية لساعة او اكثر.  راح يبكي وينادي الجبال التي ما اجابته.  صار "برهوم" وحيدا.  فمن كان يمده بالدعم والحب والمشورة ذهب كما قال.  وهو كان قد تعوّد ان يقتات حبا واحلاما واخبارا.
 وبعد رقاد جده، راح الصبي يكبر.  وقد علق في باله كم جرى طويلا وراء ذلك الصندوق الخشبي حتى التربة.  فقد عاين بام العين كيف تنتهي الرجال، وقصصها وذكراها لا تنطفئ.  عقد النية ان يكون قمة في التواضع والفضائل وفاء لجده.  الا انّ ذلك لم يكن سهلا.   فما زالت امامه مسافات كبيرة كي يصير "قمة رافع" التي تجاور كرم "الشمس" الذي اراد جده له ان يكونها.   وصار يسأل هل استطيع يوما ان اصبح ما قطعت عهدا ان اكونه؟؟  آه كم انّ العهود صعبة والقمم اصعب.
 

الأربعاء، 28 مايو 2014

"برهوم" والقلب

نام "برهوم" في تلك الليلة.  فحلم انه دخل الى قصر كبير.  "قيل له انّ كلّ من كان يدخل الى ذلك القصر يصبح من عظماء هذا الدهر.  وكان قوم القصر ذكورا من غير ان يكونوا رجالا وانثوات من غير النساء.  كانوا جميعا يصفقون للملك الجالس على عرش من جماجم.  ابصرهم يوافون اليه حاملين هداياهم.  وهداياهم كانت ضمائر وقلوبا واشلاء ودفاترا.  وهو كان يهبهم اطعمة واكسية ونقودا.  قيل له انّهم كانوا اذكياء وحكّام الدهر.  كانوا يلتهمون ولا يشبعون.  يلبسون ثيابا ولا يكتسون.  كانوا ينتصبون امام النار التي يروحون يضرمونها خوفا من الظلمة.   ابلغ انّ لهم اسماء الا انها ضاعت على مدخل ذلك القصر.    فصاروا جميعا متشابهين.  قيل له اذا ما رغبت ان تصير من عظماء هذا الدهر، الا فاخلع نعليك.   وسلم نفسك للجالس على العرش.  فهو يسلخ قلبك عن جسمك ويلتهمه مشويا ويطعمنا.  فالقلب يقلق ويعذب.  ويقلق من حولك الكثير من اصحاب السلطات.  نعم، تعال  نقتلعه.   ونقدمه للملك.  والملك يمتلك مفاتيح غالبية نواطير السلطات والمتحكمين بهم،  من حيث يدرون او لا يدرون.  فتصير عندها من مجلسنا.  ونعطيك كرسيا.  فتخضع لك اعناق كثيرة.  ويرفع  اسمك اناس كثر.  ونظر "برهوم" فشاهد حاشية من بشر لم يكونوا اناسا.  كانت رؤوسهم تتصل مباشرة باطرافهم.  وقد اقتلعت صدورهم" واعناقهم.  احبّ "برهوم" ان يصير حاكما، الا انه ما رغب بالتخلي عن قلبه الذي كان حصانا بريا لا يعرف العبودية.   وتذكّر قول جدته له :" القلب يا ولدي هو الانسان.  فحين يذهب يموت".  وتتطلع الجالس على العرش به. وقال :  " انت لست، ولن تكون من جماعتي.  لا تصدقوه مهما قال لكم.  انّ هذا الصنف لا يروّض مهما فعلتم.  ففيه روح قد تستفيق.  ويتغيّر.   فيهدد مملكتي.  اقتلعوه من ها هنا.  راقبوه".  وسرعان ما انتهى الحلم.  فاستيقظ "برهوم" مذعورا وراح يبحث عن كوب ماء.  وقد التهب حلقه من شدة الخوف.   "ايكون قد اكل اكلة عسّرت الهضم؟؟ ".

وعاد فاستلقى.  فذهب بالحلم الى حيث كان.  فسمع المنادي ينادي:  "يا اهل كفرنسيان ما لكم؟؟  وافى الناصري ذلك الذي تقولون انهم مثالكم الى "كفرنسيان".  وما استقبله احد.  الجميع كان منشغلا.   فحتى الخوري "يوسف" الناطق الرسمي باسمه الذي يعيين ويعزل بالنيابة عنه، ما اعاره اهتماما لانه كان منهمكا بنفسه كعروس.   وافى وما وجد الا  بيت "مريم" امراة يعقوب الارمني" كي يأوي اليه.  فتناول معها بضع كسرات من الخبز ومضى.  ثمّ سمع جدته تنهره في الحلم، قائلة:"اين كنت يا ولدي؟؟ اكنت تجري وراء زعيم او ما شابه وقد فاتك الاصل؟؟  حزن "برهوم" جدا واستفاق يبكي.  فأحتار كل من في البيت بامره حتى قيل بأنّ الارواح قد عذّبته كثيرا في تلك الليلة". 

وصباحا باكرا، داهم "برهوم" منزل "العجيز" مفسر الاحلام في "كفرنسيان" وتلا عليه ما ابصر، بحضور "الوجيه".  احتار "العجيز" وضحك "الوجيه" من منامه.  وسأله: "الظاهر انّ مناماتك حفلات شوي يا صبي!! مضحك منامك يا " برهوم ابن يعقوب"، فهو كافلام "الفرد هيتشكوك" المثيرة.  تحتاج لمن هو اهم من "العجيز" لتفسيره.  الا فخفض كمية الاطعمة التي تتناولها قبيل النوم.  الا ترى انك تنمو عرضا ايضا".   اسف "برهوم" لم سمع.  وما اقتنع بما ابلغ.  الا انه ما فهم ما حصل له، الا عندما كبر.   فاضحى يسعى بكل قوته الى النجاح في معترك الحياة.  قيل انه حاول بشكل دائم الوصول.  الا انه لم يسلم قلبه الى الوحش كي يلتهمه.   وكان في كل مرة يجد قلبا متحجرا يسأل القادر ان يجعل من الاحجار اولاد له ان يفعل.  

 

 

 


الأربعاء، 21 مايو 2014

برهوم و"جوجو اميرة" في المطر


راح "برهوم" يركض تحت الشتاء ويبكي ويصدح.  اختلط دمعه بزخات المطر المتساقط.   ارتسمت صورته في برك مياه دروب "كفرنسيان" المتشعبة حتى الضياع.  بدا وجهه في الماء مختلفا.   فراح يركل صورته المتموجة على سطح المياه.  وما عرف بانه كان يركل المياه التي كانت تعود اليه كبصاق الشياطين.  كان "برهوم" يبكي من شدة الالم كمصلوب.  فجراحه كانت سحيقة كوهاد، سكنها البوم واولاد آوى فامتزج صراخهم بالرعد.  سمعته الغيمات فاضطربت.  وابصره البرق فاحتار.  احست به الارض.  فهمّت ان تدعوه كي يعود اليها.  وهو قد خرج منها بالامس طفلا.  حساس هو ومرهف ومجنون وخلوق وحالم حتى الثمالة!!  عاطفي هو.   وعواطفه كانت تميته وتأخذه الى بحر من الافكار.  فالكثير من العواطف تقتل.  وقد توقعت له "امرأة يعقوب الارمني" جارتهم، ان يتعذب ويشقى في دنياه من فرط احاسيسه.  فقد كانت الافكار والعواطف تستوطنه.  وتقبع فيه فلا تعود تغادر. الا بعد ان تسلخ اجزاء من نفسه. 
من انت يا "كفرنسيان" كي تفعل فعلك بالصبي الحالم؟؟  من انت كي تميتيه هكذا؟؟  وقد كان صبيا يستوطن سنديانة حارة الوادي التي كانت بالنسبة اليه ولرفاقه المجرة.   كان يغني هناك، معتقدا انه الملك.  فالعالم بالنسبة اليه كان بضع اقارب واشياء واماكن صغيرة حفظها عن ظهر قلب.  
لمحته عمته "فهيمة" يركض ويصرخ كمجنون تحت المطر.  فصرخت لاولادها قائلة: "اركضوا الحقوا به.  جنّ "برهوم" ابن خالكم.  جنّ "برهوم".  تبا ل"كفرنسيان" فقد حوّلت الصبي من مغني اوبيرا، الى نادب بلدي تحت المطر".  هاتفت امه وابلغتها بما شاهدته.  احتارت الام في ذلك.   وكلفت اخيه الذهاب لاصطحابه.  ومن ثمّ راحت تقول في نفسها:
"ايكون قد وقع الصبي تحت لعنة "نظيرة" التي دعت عليه بكل انواع "التيفوئيد" و"الكوليرا"؟؟  كلا.  فكل امراضها ولعناتها لا يتخطى سقف اكلافها المليون ليرة لبنانية.  ومن ثمّ فانّ الله لا يستجيب لها.
او ايكون ناظر المدرسة قد اكتشف امره، فعاقبه؟؟ فهو قد ارسل اليه "زوزو" كي يلهيه.  ويفرّ مع رفيقه "زخيا" عبر ثقب في سياج ملعب الدرسة الى ملاعب الطبيعة التي احبها اكثر من رتابة الصفوف التي كانت سجنا سجّانها معلمة او استاذا مملا؟؟  كلا فالمعلم "يوسف" لا يفعل به هذه الفعلة.
ام تكون حشريته لاكتشاف ما في داخل المقابر وانتهاك حرمة الموت قد جعلته يقع تحت لعنة الخوري بعد ان انفضح امره مع رفاقه في كل "كفرنسيان"؟؟
ام انّ توجيه الاضواء على قبة كنيسة السيدة المحازية لبيت العمتين "منيرة" و"عفيفة" اللتان ارتعدتا وسقطتا ارضا من هول الرؤية، اذ اعتقدتا ان السيدة العذراء ظهرت على برج الكنيسة؟؟ 
كلا، لم تكن كل تلك الامور سبب بكائه.  كما لم يكن سبب بكائه في المطر غضب والده جراء تنظيمه مظاهرة احتجاجية مع نشر يافطات في محيط المنزل على خلفية مخالفة الاب القواعد التي لقنها لاولاده". 
ما ايقنت الام ان ولدها اضحى ناشطا في جمعية "حياة كفرنسيان".  وقد تقدم الى انتخابات المندوبين الحامية في صفه.  فقد بدأ يكتشف الحياة ومعها يحتسي المرارة.   ويدرك محدوديته.  والاولاد لا يكبرون من دون وجع.   لا يكبر الناس الا حين تصطدم طموحاتهم بحوائط، وعواطفهم باللامبالاة، وحبهم بال"لا حب"، وجهودهم بالاجحاد.   لا يكبرون الا عندما يكتشفون ضعفهم.  فيروحون يبكون على صور غير واقعية ارتسمت عن انفسهم في خيالهم.  فمن رحم الضعف والوجع والاحباط يخرج الانسان ملكا غالبا الانكسار.  وقد قيل انّ الطفولة لا تكسرها الا لطمات "الانا" على جنبات النفس". 
قيل انّ "جوجو اميرة"، بسيط الحي، ابصره ضائعا في المطر يومها.  فأسرع اليه حاملا مظلة.  وتطلع به.  فرآه يبكي.  فسأله: "ما بالك تبكي يا "بيرو" مع ام "رعيدي" ؟؟  ايكون توتر البرق قد ضربك؟  قل لي من اعتدى عليك يا ابن "ايفون"؟؟  لا يجوز البكاء في المطر.  لا تبتل.   ولا تخف من شيئ.   فلديك صديق بامرته المدعي العام و"الكركون" وكل الضيعة.  مشكلتك انك قررت ان تكبر.  تكبر ولماذا؟؟  الا فادخل الى الثلاجة واحفظ نفسك!!  فهذا يوجع الرأس.  والحياة لا تستأهل.  الا فانظر انّ تربة "مار سركيس" قريبة من هنا.  الا فلاقيني غدا كي نلعب مجددا "غريندايزر" في سنديانة "ايفلين".  ونلهو ونعدو ونغني قرب البيت.  هل صرت تكتب اسمك؟  يكفي، اترك المدرسة.  لا يلزمك العلم لاكثر من ذلك".
ومازال طعم المطر الممزوج ملوحة تحت اضراسه، كما كلمات "جوجو اميرة".  وقد تعوّد عليه.   وتعوّد العدو والبكاء في المطر. 

الأربعاء، 14 مايو 2014

عبود تمنى على المحافظين الجدد الحد من التدهور البيئي


الثلاثاء 13 أيار 2014 الساعة 12:35
#
وطنية - تمنى الناشط البيئي مازن عبود، في بيان، "ان يسهم تعيين المحافظين الجدد في الحد من التدهور البيئي عبر ضبط التفلت والالتفاف على القوانين لتمرير المخالفات، وجهة تفعيل عمل البلديات والاجهزة التابعة للمحافظات للحد من الحرائق والحفاظ على المساحات الخضراء.

واعتبر "أن تحدي المحافظين الجدد الاكبر هو ان يكونوا محافظين خضرا كي يخضر البلد بهم"، وتمنى لهم "الفلاح في مهامهم".

"برهوم" الصغير والاغطية


 

كان الشتاء يخيّم على كل كفرنسيان ونواحيها.  والعواصف تمنع "برهوم" واخوانه من الخروج الى ملاعبهم.  فيصبح المنزل الملعب.  ولا يكتمل الملعب الا بعيدا عن عيون الاهل.  وغرف النوم هي النائية عن الرقابة ورغبات صنعة قرار المنازل. 

 راح يلهو واخوته واخواته الذين كانوا يصلحون ان يشكلوا عصابة.  راحوا يتسابقون على جمع الاغطية التي صاروا تزينون بها فتعلو رتبهم الروحية.  ومن كان يرتدي افضل حلة يصير المرجعية ما بين الاولاد.  فيصبح الامر والناهي ويحكم اخوته.  الذين يطيعونه ويتحكم بهم.  بدأ السباق ومعه الصراع ما بين الاولاد الى ان تعثر "برهوم" بأغطيته فوقع على رأسه وكسر اسنانه.  وصار يبكي.  ولولا انّ اخته "فوتين" اتت لنجدته لكان كسر رأسه ايضا جراء تلك الوقعة.  "ومن يدري ماذا يحوي الرأس؟؟  اتراه اذا وقع يؤلمني اكثر من الاضراس؟؟ تبا للرئاسات وللوجع ولسباق الاغطية".   هذا ما قاله يومها.

 اضحى يكتفي بغطاء واحد صار يستعمله دون غيره كي يصلي ويعظ على شاكلة الكبار الذين كانوا يصيرون شمامسة وكهنة ورهبانا واساقفة.   وصار يقيم قداديس ولاّدية الى ان علم به العم "نيقولاوس" الذي يحمل القاموس ويمشي.   فيسأل هذا "ما معنى اسمك؟؟ ويجيب عنه شارحا". وقد وافى "برهوما" ذاك اليوم مستقصيا عن اعماله وممارساته.  وابلغه بأنه لا يجوز لصبي صغير ان ينتحل صفة الخوري الذي هو "رجل الله".  لانّ هذا محرم امام الله والشعب. 

ثمّ راح يبلغه كم هو صعب على المرء ان يكون كاهنا.  فبحسب العم "نيقولاوس" من يرتدي الاسود يصبح فحمة.  فامّ ان يتقد بلهب الله فيظهر سواده نور ربه؟؟ ام ان يدخل دياجير الشياطين، فلا يعود الناس يرون فيه الا سوادا يعمي القلب.  رهّبه.  وابلغه بأنّه ان عاد فتجاسر على لعب دور الخوري.  فانه سيعلم خوري "كفرنسيان" بالموضوع، الذي سيبلغ حتما سيدنا المطران.  و"المطران سيبرق الى سيدنا البطريرك.  ومن الممكن ان يأخذوك الى "الكركون" اي حيث سجن "سفر برلك" ".   خاف "برهوم" كثيرا.   فهو لم يفكر يوما في "الوجع" و"الاضراس" و"الكركون" وكل ذلك.   

فكان ان طلب مشورة "نظيرة" التي كان الاولاد يتبولون على باب قبوها ويعذبونها كي تلعن.   ويرمونها بالحجارة حين تمضي الى بيت خلائها في خارج المنزل.   طلب مشورتها، وقد اشتهرت في كل المحيط، بانها تقرأ الاحلام وتدرك بعض ما في الغيب.  تقدم اليها سائلا رأيها  في ما قاله "نيقولاوس".   لم تكن العرّافة تحب الصغار كثيرا الا انها اجابته لانه قدم اليها من قبل عمه "ايليا".   فأبلغته انّ الكثير من اصحاب الجبب علقت ارجلهم في وهاد الجبال والتهمت اطرافهم الذئاب.  صار سوادهم قاتما كسواد السلطة التي تلتهم من يمسك بها.   اختفوا كاناس.   واخفى سوادهم الفراغ.  فاضحوا غير موجودين في عوالم ربهم لانهم لهجوا بغير ما فعلوا وخدعوا الناس.   ومن ليس له طاقة على التحرر من المشاعر الذابلة، لا يقتربنّ من السواد.   ثمّ تنهدت قائلة: " انا لا اخاف من خطيئتي لانها معلمتي...  ابتعد عن "لعبة الاغطية" يا ولد، فهي خطيرة تكسر الاسنان".

كبر "برهوم" ومازالت كلمات تلك التي قيل فيها انها عرّافة،  تطن في اذنيه.  صار يأمل لو انه يعود في الزمان كي يعتذر منها هو وصحبه عن كل حجر رموه.  وقد رحلت ابان الحروب الصغيرة.  ماتت في بيت للراحة بعيدة ووحيدة.  وجلبت بقاياها الى "كفرنسيان" بعد زمن كي تدفن حيث ولدت وعاشت.