الاثنين، 14 فبراير، 2011

جرجي بالعربية

جرجي بالعربية


اسمه جرجي وكنيته قباني. ومعنى مجموع التسمية في العربية، الفلاح الوازن. كان مربيا يفلح اللغة ويقبنها قبيل تثمّيرها في عقول من عاصره من التلامذة في مدرسة "مار الياس" التكميلية.
استاذ جورج يعز عليّ اليوم ان اتكلم عنك في لغة فعل الماضي الناقص، وانت كنت الفعل الحالي والمضارع والآمر في مدرستنا !!!


مسكين انت ايها العام 2011 لانك ما حظيت بشرف معرفة استاذي "جرجي قباني". نعم، مسكين انت ايها العام الجديد لانك ما عرفت المربي جرجي قبّاني كما عرفته انا. لم تعرف كم احب ال"ض" وفلح الاجيال لاجلها غارسا فيهم محبتها. لم تعرف كيف يكون عشق وغرام لغة الضاد التي فاق تقديره له كل نساء الارض.


احبّ القباني الجمال وتعبد في محرابه. فعرف عنه انه مجنون الجمالات والكلمات. ولكم احتسى الكلمات خمرة حتى الثمالة. عرفت ذلك المربي يسكر بالشعر والصور البيانية والنصوص النثرية. وادركته يحزن ويغضب، اذا ما اسأت في تحريك او لفظ او القاء بيت شعري او مقطع نثري.

كان يستاء منك لانك اغتلت المعاني ووقعها الموسيقي. فالجريمة عنده كانت ايضا اغتيال نص او شعر بالعربي، وكان جراء ذلك يفور راميا عليك جام غضبه. اذكر يوم خصم لي اربع نقاط في مسابقة املاء جراء تكرار وضعي الهمزة على كرسي الياء بدل الالف. فكان ان قال لحظة راجعته بالموضوع: " ممنوع على مازن عبّود ان يرتكب هذه الفعلة حتى لو كانت صغيرة. ممنوع عليك انت شخصيا ان تكرر هذه الزلة التي ستكلفك هذه المرة اربع نقاط من اصل عشرين. ظلمتك اليوم، لكن من اجل غدك اللغوي".


وما انفكّ القباني يذكرني بتلك الحادثة في كل مرة عدته في منزله كي اطمئن عليه، واجالسه متحدثا بأمور مملكته اللغوية.
جرجي قباني فقيد الصرف والنحو. نعم، انه فقيد العربية الكبير في بلدتنا والمحيط. جرجي سيتذكرك الادب العربي دوما كأحد المدافعين عنه في عهد انحطاط اللغة!!
لا، لا تخف يا جرجي، لانّ اللغة ستبقى بعدك في افئدتنا مخلوقا يضح بالحياة، وفاء لذكرك!!!
واني اعلم يا استاذي انك لن تنفك تحب تلامذتك ممن يحبون وديعتك العربية على شاكلتك!!!


نعم سأبقى اراك يا استاذي القديم عند كل مفترق صرف ونحو. وسأحاول ان ارضيك في دنياك، اذ اني سأسعى ان لا اساوم البتة على قواعد الصرف والنحو.


كان جرجي المربي، نجم كتاب في العربي. كان المدافع والمكافح الاول عن حقوق لغة ال"ض" التي شكلت عالمه، بكلماتها المتقاطعة وشعرها وقصصها.


وكان استاذي مجنونا، يعشق اذا ما احب، ويكره اذا ما غضب. وشعره الطويل الابيض النازل على هامته خير شاهد على انفعالاته واحاسيسه القوية التي امتدت الى حدود الصين، لا بل الى حدود نحر قلبه الصغير الذي تعب، فاسكته وادخله الصمت الابدي.


عرفت جرجي عنيفا كعاصفة ورقيقا كبيلسانة وشفافا كبلورة وعميقا كدهاليز الارض الممتدة الى ما تحت الارض. دهاليز حوت ذكريات رحيل وسيمه وغربة اولاده واشياء صغيرة وكبيرة، ما كان ينطق بها البتة.


جرجي سأفتقد لجلستك بالعربية. سأفتقدك حاملا لي ذهب العرب وارثهم ابتداء من "ابي سلمى" في الجاهلية مرورا ب"الفرزدق" و"جرير" وصولا الى "احمد شوقي"، ف"نزار".
جرجي سيلقاك فوق، حتما "سيبويه" وعلماء لغة العرب.


وانا اعدك من ها هنا ان لا اغتال الكلمات اذا ما قلتها. سأبقى انظر في وجهك في كل مرة اطلق فيها كلماتي.


جرجي يا مربيا فلحت الاجيال علما بالعربية، ووزنت الكلمات وحركتها بقبان جدك، ستبقى في افئدتنا رجلا قرأ وكتب وفعل. ستبقى في ذاكرة تلامذة مدرسة "مار الياس" رجل انتمى الى الحضارة الخطية وكره الثرثرة الشفهية. ستبقى في فوآدي عاشق الجمال المتيم والباحث عنه في كل حين. سأبقى اتذكرك علما لغويا، قال لي يوما : " في اللغات تقرأ كي تفهم، اما في العربية فعليك ان تفهم كي اقرأ". فوداعا يا رجلا غير كل الرجال، غيبه الموت عنا الموت "خبط عشواء"!!
وداعا يا حرفا غير مقروء!!
وداعا يا فلاّح اللغة، ويا مربيا لن ننساه يوما!!
تلميذك مازن ح. عبّود