الاثنين، 2 سبتمبر، 2013

رحلة رجاء في زمن الخوف


 

 

خرج كمن ايقونة يحمل الصليب، الذي نطره شفيعه عند اقدام المعلم عند موقع الجلجة حيث وقف وحيدا هناك مع مريم.  خرج البطريرك الشيخ من قلايته كي يقول للناس، كل الناس، ولأي عائلة انتموا: " بين ال "نحن" وال"انتم"
تذوب الواو.  وتختفي فيبقى انتم نحن، ونحن انتم.  يذيبها تاريخ مشترك.  يذيبها تراث وطني...".  خرج "الحبيب"، ودعا لتغليب رنة المعول على رنة السيف في ارضه الممزقة.  خرج البطريرك مدافعا عن تاريخ وحاضر ومستقبل ارضه.  خرج كنسر يعتصره الالم وفي باله اريج ياسمين دمشقي وعبق ارز من لبنان. 


راح يمشي في بعض مطارحه في نواحي مدينة حمص وومدينتي اللاذقية وطرطوس.  تفقد بعض امكنته، فاسمعها كلاما بطريركيا حرّك فيها حتى الحجارة. 

فرح اناسه لمّا ابصروه آتيا اليهم بتواضعه القمة.  فخرجوا كي يلاقوه بالطبل والمزمار وآلات الطرب.  كيف لا وهو القادم اليهم من عبق الرموز والبخور والتاريخ والقداسة كي يحل ضيفا عليهم باسم الرب؟؟  نعم فقد تحدى سيدنا الخوف في زمن الخوف.  وهو الذي وصل الى مدينة الله انطاكيا وبريتها في زمن الانكسار كي يواجهه ويكسره في سراديبه. 

اتى البطريرك الى شعبه كي يثبته في الرجاء.   انطلق اليهم بعد ان شعر انّ الخوف في مدائن انطاكيا راح يعشعش غربة ومرارة.  فكأنّ نيرون قد استفاق من قبره، او كأن الزمن الذي تكلم عنه الراهب بايسيوس الذي كان رائيا ايضا قد وافى. 

حمل البطريرك عكازه لمّا شعر بذلك.  ومشى في تلك البرية التي قيل بأنها صارت مرتعا للوحوش وواديا للموت.  مشى فيها مختالا يرنم لمريم غير عابئ بمن يقتل الجسد.  وهو يعرف بأنه لن يرحل الى دياره الا عند اتمام المهمة التي دعاه الرب اليها.  اتى شعبه، وهو لم يفارقه اصلا، حاملا اليهم الرجاء.  ففي يقينه انّ البطريرك ليس بطريركا ان لم يكن ابا.  والسيد لا تكتمل سيادته الا بالقداسة. 

اب حقيقي هو لشعبه.  والاباء يحملون هموم الابناء ومصائبهم دون خوف او تردد.  

لمّا وافاهم، خرجوا اليه.  فوجدوه واحة للسلام والرجاء في زمن الحروب والمآسي.  شجاعا عرفوه كأسد.  محبا ادركوه كشمس.  واختبروه مترفعا كنسر.  كان اللاهوت يخرج من عينيه كشهب نار، فتستقر كلماته الالهية في افئدتهم اغذية للروح.   

شعروا بأنه ما كان من لحم ودم على الرغم من جسده.  كم انّ الايقونة ليست خشبا وطلاء فقط.  متقد هو بالمحبة.   وشغوف بالجمال والكمال والالوهة.  انتفض لمّا اسرت كنيسته وغيبت.  فعندما يحتجز حبر ويغيّب، تحتجز الكنيسة جمعاء.  حزنه كان موجعا كصليب.  ورجاؤه واسع كمحيط.  وفي كل مرة كان يتألم، يروح يصلي.  فتزول عنه الهموم وكل الحدود.  فتنقشع الرؤية.  فتبان عليه الكنيسة الحقيقية التي هي موطن الشهداء والمعترفين، فيفرح.   

بداية الرحلة كانت في اللاذقية حيث تربى.  وصل هناك.  وقد كانت امه واهله واناسه بانتظاره.  دقت الاجراس.  علت الزغاريد.  صدحت التغريدات والصلوات.  فحصل عرس كبير في تلك الارض في زمن المآسي.  سرّ كثيرا في مدينته التي حفظها في قلبه عطرا وومضات.  ناداها بابيات، سطّرها بخلجات قلبه ونفحات روحه وملوحة دموعه، قائلا:

"يا لاذقية كم حقول للاله زرعت                      ثم حصدتها اغمارا يا لاذقية               يا لاذقية كم نفوس ظامئات للهدى رويتها امطارا                بوركت يا ارض القداسة والتقى ولتحفظي في رفعة الادهار". 

فتموج بحرها اذ سمعه يخاطبها بعبق المحبة وسحر الايمان. ماجت شوارعا.  كبرت ساحاتها.  اتسعت رقعتها حتى تملّصت اليابسة الى ما بعد الجلد.  ارتكضت العظام في قبورها.  لطمت اليابسة المالح كثيرا ودفعت به بعيدا الى الوراء.  فالمالح لا يؤمن له.  فهو  مسكون شياطينا منذ اقدم العصور.   غدّار هو وقد هجر "افسس" مدينة بولس.  فيتمها وانهاها.  احسّ البطريرك بعبق التاريخ وسحر الانتماء.  عاد الى حيث انتمى.  وقد اضحى اليوم ينتمي الى كل قرنة من قران انطاكيا ومدائنها وبراريها.  احسّ بمحبة اهله.  وقد اضحى له عائلات في كل مطارحه الممتدة حتى نهاية الكون.

واللاذقية كانت بالنسبة اليه، اناسا ومنازلا واما متألمة على ابنها الحبر المغيّب والفخورة بابنها يوحنا الكبير.  كانت اللاذقية لكبار احبار انطاكيا، ذكريات وطفولة وفتاوة ومسيرة على درب السيد.   حيّى البطريرك حبر المدينة شاكرا له فضله عليه وعلى المدينة.  بدا ممتنا له على كل شيئ.  فسيد انطاكيا شكور.  

اكمل رحلته الى ان وصل الى حيث يطرب ان يقيم.  فهو يفرح في الاديار.  فللنسوراوكار، وللسماوات سلالم.  وللكنائس قلب، والاديار قلبها. 

مولع شيخ شيوخ انطاكيا بالنسور وبرحلاتها وعوالمها منذ طفولته.  مولع بالنغمات والتنهدات والصلوات منذ بداياته.  فتلك تحمل العالم الساقط وترفعه الى حيث الوطن الحقيقي.  ترفع الساقط الى الله الذي يستقر في القديسين.  وكان عيد  في دير السييدة بلمانا.  وقد احتفى بقداس  القديسة ماكارينا.  جال في مواقع عدة قبل ان يصل الى طرطوس كي يلتقط فيها بعضا من ماضيه.  وقد ناداها قائلا: " أأستطيعُ أن أنساكِ وأنا مازلتُ أذكرُ عندما كنتُ آتي إليك، وأنا طفلٌ، إلى بيتِ جدّي؟ بوركتم يا أبناءَ طرطوس، بوركتم يا قطعةً من جسد بلادي، بوركتم يا شموساً مضيئةً ... ومن طرطوسَ سلامي لجارتِها وعروسِ شطّها، لأرواد ولسكان أروادَ الأكارم. سلامي لأروادَ الهائمةِ على مياه المتوسط".

وكان حيث ما حلّ يتكلم عن تمسكه بالحوار والحلول السلمية في سوريا.  فالبطريرك يكره الدماء.  ويدعو رعيته الى عدم الانزلاق في العنف والتمسك بأرضها والتفاني في خدمة اخوتها في الوطن. 

وكان يوم جديد.  فحمل البطريررك عكازه ومشى. ترك الامكنة وعبقه لا يفارقها وهي ما فارقته يوما.  دخل قلايته.  صلى.  وراح يعد ليوم جديد ورحلة جديدة في مواجهة الخوف والانكسار. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق