الجمعة، 1 أغسطس، 2014

لمّ تزوج برهوم

لم يكن "برهوم" يتصور بانه سيتزوج هكذا سريعا وبانه سيلتقي عروسه بهذه البساطة.  وهو لم يعرف بالبساطة.  فقد تعود ان يخطط ويعمل لكل شيئ. 
الا انه وهذه المرة وعلى اثر عودته من رحلة الى جبل مريم في بلاد الاغريق، برفقة حبر شيخ، عاد بتصورات جديدة وافكار جديدة.  فعلى ما يبدو فانّ بحر الاغريق، المسكون ارواحا وقصصا وحكايات واساطير، قد فعل فعله به.   فمنذ عاد بدأ يسلم نفسه لروح الكون.  وقد قيل بانه التقى اناسا في جبل الاغريق من طينة مختلفة.  اناس صلوا له وحملوه الى فوق.  فكان ان انتشلوه بدعائهم من بعض الوحول حيث كان يغرق.  واروه ما كان عليه.  فسقطت الغشاوة عن عينيه.
التقاها عفوا لمّ عاد في مجلس عزاء والدها.  وهو قد اتى لتأدية واجب براقد عرفه قليلا جدا.  وبالحقيقة لم يعرف "برهوم" لماذا اتى الى عزاء رجل عرفه قليلا.  الا انّ روح الكون ضرب له موعدا لم يكن بالحسبان.  وصار المآتم باعث لقاء.  لم لا فالمأتم عرس في يقين قومه ومعتقدهم.
تتالت لقاءآته بها.  وتأكد انها هي من خلق لاجلها.   فتتوجت علاقته بها بخاتم خطوبة وببركة من لدن العلي.  سارا الى الزواج دون تردد.  سارا وكلاهما بالعادة كانا يخافا الاستحقاقات الكبرى خوفهما الفشل.  واذا بهما بعد اشهر يسيران في معبد رصد البحر منذ مايات السنين، ويتوجهان الى الهيكل حيث استقرت مائدة ونبيذ واكليلين.
ثمّ صار يخاطبها، وعبق الانغام يرتفع من حوله، في صمته:
"اراني اقف اليوم واياك امام الله والناس كي نشهر وعدا ابديا باننا سنحيا سويا ونموت سويا.  والحب يغلب الموت. 
تراني اقف اليوم في حضرة الله والتاريخ والرسوم وشخصياتها التي تألهت.  اقف ممسكا يدك يا امرأة لا تشبه الا نفسها واتوجه واياها الى الابدية.   فنختفي سويا في عبق البخور.  نرتفع معه.  نحلم معه.  نخطف معه الى حيث يتكامل البشر ويتألهون. 
تراني الاقيك ممسكا بيدك سيدتي واسير بك الى ما يشاء الله على انغام سماوية وظلال احجار شهدت لدهور.
سيدتي، جميلة انت كعذراء المكان التي بني الهيكل لتكريمها.  سيدتي، كبيرة انت كبر المكان وعميقة انت عمق الزمان.
انتصب واياك في معبد انتصب على اسم سيدة العالم التي كنت زرت حديقتها قبلا وابلغتني بانها ستزوجني بنتا من بناتها".
فزيارة "برهوم" لها كانت غالية.  في احدى  قراني الكنيسة جلست امرأة اقعدها المرض على كرسيها المتحرك.  وراحت ترصد ابنها وعروسه.  وهي قد حلمت وصلت كثيرا كي تدرك تلك الساعة.  توقعت انّ تحبل عروسه سريعا.  فمشوارها على هذه الارض لن يطول كما ابلغت.  الا انها كانت تعرف انها لن تقفل عيناها الا بعد ان ترى حفيدها. 
خرج برهوم من المعبد من حيث دخل.   الا انه خرج منه برفقة رفيقة وزوجة وام واخت وملاك يرصد خطواته كي لا يزل.  خرج وعبق الليمون يفوح من جنائن ذلك الدير المطل على المتوسط الذي طالما بهره.  خرج ورحل ابعد من "كفرنسيان".  ركب البحر ومضى في رحلة استجمام وهو ممتن لصلوات امه التي راحت تعدّ عدتها للرحيل في مشوارها الى الضفة المقابلة.  اما العروس فكانت ممتنة لروح والدها الذي كان قابعا في المكان يشارك العائلة سحر اللحظة. ويتطلع اليها واليهم من فوق برضى.  وهو قد ابى ان يستريح في دنياه قبل ان تجد طريقها.  احست انه يشيعها وقد اطل في نظرات امها واخوتها واخواتها.
ظنّ انّ ما حدث كان ضربا من ضروب القدر وآلهة الاغريق.  الا انه عاد فعلم انّ ما حصل كان ترتيبا الاهيا.  فحين يشاء القدير تستجيب الاقدار. 
بدأ حياة جديدة.  وما عاد يعيش لنفسه بل لغيره، فصار لحياته معنى.  اكتشف انّ السعادة الحقيقية لا تتحقق الا بالتضحيات، وما عدا ذلك فسراب يقتل ويدمر ويغرق.  لا يرتقي الانسان الا بالتحديات.  لا يصفو الا بالتضحيات.  لا يعبر البشري الى فوق الا بالضيقات. 


الثلاثاء، 22 يوليو، 2014

قصة بيت


 


 
كانت الريح تضرب الحارة القرميدية المكتسية صخرا والقابعة على صخرة من صخور  "كفرنسيان".  والحارة كانت تنطحها. 
وكانت ام "برهوم" تحتضن اولادها في الداخل كدجاجة، متكلة على ربها كي يقيها واولادها انواء العواصف.  وكان الاولاد يلعبون والنار ترسل من الداخل رسائل سلامية تخطها مدخنة في مصحف الاديم المتعطش الى الكلمات.  اختلف العالم في الخارج عمّ في الداخل.  وقد كان للداخل بوابات وامخال تنطرها ملائكة سمّرت على حوائط الحارة العتية صورا لملوك وبطاركة قديسين رحلوا.  اقاموا في المكان.  فاضحوا يشاركون الاولاد وامهم حاضرهم بعبق ورحيق ماضيهم.   كانوا امثلة للفتيان والفتيات.  كما كانت الوالدة تستحضر سير قادة استطاعوا حفر الصخر بفعل محبتهم وصبرهم وايمانهم.  وغدا يكبر الاولاد والاحلام تصبح حقيقة والامنيات واقعا.  غدا حتما سيكون يوم آخر.
كانت الرياح والعواصف تعصف خارجا.   والعواصف حروب ايضا.  وقد قيل انّ اللذة اسرت الكثير من الناس خارجا وجعلتهم رهائنا.   وكان يوافي العم "مغلي" ابن البراري محملا بقصصه حول الحرية والثورة والبرية.  تلا عليهم عصر ذلك اليوم قصة "ابن آوى" الذي اسره مرة.  فبلّ طرف ذيله بالوقود، واشعله.  واطلقه الى حيث غريزته تقوده.  فعدا باتجاه دجاجات "ايليا" لالتهامها وايضا هربا من النار التي راحت تستعر بفعل الهواء حتى التهمته قبيل وصوله الى محيط التبّان حيث كانت الدجاجات.    والكثير من الناس كانوا يشتعلون في الخارج ويشعلون العالم من حولهم.  ثمّ تكلم عن اتفاقية "سكس بيكون" اي "سايكس بيكو".   واعتبر انّ الطلب الشديد على "البيكون" (الجبنة الاجنبية المعروفة) والجنس (الساكس) اعمى الكثيرين.  فتفلتت عيونهم من ميادينها، فسقطوا.   وابلغهم ان النفوس كي تدرك الجمال عليها ان تتغذى روحا.  
و"برهوم" احبّ الجمال.  فكان ان قرر تغذية اخيه واختيه ريحا وصون اعينهم في ميادينها.  فصار يحصر نظره بشهيقه وزفيره ولا ينظر ابعد من هناك، وذلك كي تكون عينه في ميدان نفسه.  وعلم اخوته هذه "العلومية".   كما راح يفتح النوافذ، في كل مرة تهب الريح كي يقتاتوا جميعا روحا.  فكان ان اصيبوا بالبرد ومرضوا.    ولمّ استقصت الام عن السبب، علمت انّ الاولاد اشبعوا انفلوانزا جراء التعرض للريح في فصل العواصف.   فكانت ان عاقبت "برهوم" صاحب النظرية.  وبكى الصبي الما.  وذلك لانّ مقصده كان ان يغذي اخوته روحا وليس بردا و"انفلوانزا".  
فالعقاب كان بانتظار من يخالف قواعد المنزل التي تصون البيت من الخارج.  فالنوم بعيد شروق الشمس، كان ممنوعا.  اذ انّ اشعتها اذا لامست النيام تفسدهم .  والمبيت قبيل الغروب قاعدة ذهبية تضمن سلامة المنزل وسلامه.  
كانت الملائكة تحمي البيت.   ولكم حملته مغبة ان يقع في النار!!  فقد كانت النار تلتهب من حوله وفيه دون ان يتحرق.  
احلى الجلسات كانت حين يوافي الاسمر كي يحلّ ضيفا على طاولة الوالد.  فيلتهمان الاطايب ويحتسيان العرق.  وينتظر الاولاد مفاعيل المشروب العجائبية على الكهل الظريف.  الذي يروح يرقص.  ويبني قصورا في الليل سرعان ما يمحوها النهار.  
كما كانت توافي العمة "اليس" التي حصّلت من معارف الدنيا الشيئ الكثير في الادب الفرنسي والروسي.  وقد بدأت تفقد ارتباطها بالواقع.  وتعيش في عاملها التوليستوي.   فتنطق باشياء غريبة ومفيدة.   فتدعو اهل المنزل الى الاستحمام ولو مرة في السنة، بالدموع والتنهدات كي يبرأوا!!!  كما تدعوهم الى التنبه من اولاد آوى.  وسرعان ما كانت تعود الى الواقع بعد انتهاء رحلاتها في عوالم روسيا وقصور فرنسا.   كان لذلك البيت روّاد.  كان لبيت ام "برهوم" روح.  وروحه كانت هي. 

الأربعاء، 9 يوليو، 2014

رسالة من ابن الى ام في السماوات


ما عساي اقول لك يا امي؟؟
ما عساي اقول لك يا ملاكي؟؟  وقد اضحيت في الضفة الاخرى من نهر الحياة، هناك حيث تقيم حوّاء امك وحبقوق والدك وعمك واخيك وكل اهل حارتك وبيتك ممن احببت.  اضحيت هناك وانت لا تفارقين من هم هنا. 
ما عساي اقول لك يا نائفة اي ياعالية وراقية ومشرفة؟ وقد ضاعت مني المعاني في بحر قاموس الاسماء.   ماذا اقول عنك يا امرأة عبرت سريعا جدا ربيع العمر الى خريفه دون ان تدرك اطايب الصيف وحلاوة السمر، فحصدها الشتاء باكرا.  ايكون الاحتباس الحراري ذاك الذي يمحو الفصول قد فعل فعله؟؟  تبا للمرض والالم والموت.
ابحث عنك يا مربية، في اماكنك.  ابحث عنك يا ناسكة المنزل ولا اجدك.  لا اجد جسدا ترنح تحت وقع ضربات المرض والالم.  ضرب المرض جسدا فوجد روحا لا تنكسر.  اين غلبتك يا موت وانت لم تنل من رجاء المشرفة؟؟ اين شوكتك يا جحيم وقد كسرت سوداويتك كسيحة حاولت اسرتها في سجن الاحباط لسنين؟؟؟  قام المعلم يا موتا وليس من ميت في القبر بعد يا فساد.  قام المسيح، حقا قام.
كان لنا ام تحدت الظلم والغبن.  كان لنا ام تقرأ المستور من سريرها وتدير كلّ شيئ من قرنتها، دون ان نعلم.  كان لنا ام اسدلت الستار على رحلتها بعد سهرانية عيد وراحت تتحضر للذهاب مع المجدلية الكبرى.  فكان ان غادرت لمّ ارتفع ربّ القداس مع البخور الى السماوات.  غادرت مع انشودة الشكر كسحابة.  ولمّ قدمت اليها وجدتها وردة قطفت للتو من حقول الورود في نوّار.
امي يا طفلة نادتها نسيبتها في الحلم اذ رأتها تعدو على دروب الحارة الفوقى، كما قبلا.  فم اجبت.  "أالى اين ترحلين؟  أالى دنيا العطر والطفولة وابيك وامك والرياحين؟؟". 
"ها اني باقية معكم زمانا قليلا يا اولادي.  وبعدها ارحل.  لا اريد ان اموت لاني لم اشبع منكم.  الا انّ الموت استحقاق وعليّ ان امضي فالملاك بانتظاري.  احبوا بعضكم كي تكونوا ابنائي وبناتي.  فالمحبة عماد البيت"، كلمات رددتها على مسامع "مروان ومازن وميرنا ومايا".  وها انك تغيبين ومازالت الجبال الاربع تردد صدى تلك الكلمات.
لقد ابكيتنا يا سيدة ضاق الصبر من صبرها.  لقد ادميتنا يا جسر البيت الذي رأيته يسقط في المنام عشية رحيلك.  فكان ان ادركت انك ماضية.  الا انك عدت فاحييتنا بالرجاء والمحبة والايمان.
امي، اتراك قد اشتقت الى فوق بعد ان ودعت ايفون وهيلانة وسليمة وماري والاهل والمعلمات وكل الجيران والصديقات؟؟  شيّعت حجارة البيت حجرة حجرة بالنظرات، قبل ان تذهبين وتعودين اليه جسما في صندوق.  ودّعت "حنّا" و"روما" والحارة.  علمت بانّ رحلتك ستكون الاخيرة.  فتسلحت بالصمت.  والصمت لغة الدهر الآتي.  قلت لي ولمروان اشياء واشياء.  افضيت من سحرك علينا كي تنضج فينا الامنيات.
امي، مازلت ارى نفسي طفلا يفر من مدرسته ويسير على الطرقات كي يبلغ مدرسة القرية المجاورة حيث مدرستك.  هناك حيث الماء والخضرة، اراك تمشين وقد انهيت صفوف "العربية" والروضة. تلبين دعوة صديقة الى فنجان قهوة طحنته القلوب وانضجته المحبة بعد طول عناء.  وتصطحبين الصبي الفار معك.
امي، ما قبل البارحة تزوجت.  والبارحة ولد لي صبي. اضحى لي بيتا.  صرت ابا يا امي.  فأضحيت ادرك معنى الابوة.  وكانّ كل شيئ قد تمم كي تفرحين به قبيل رحيلك.  صليت لاجل ذلك كثيرا.  وها انّ ما اردته قد حصل.  حصل فغادرتي وانت ترددين: "الان اطلق عبدتك ايها السيد فاني قد ادركت ما اشتهيت.  فانّ نفسي قد اشتاقت الى ديار رب القوات".  هذا ما قلته لابيك الروحي. 
امي، يا ملاك المنزل.  يا اسارير فجر ارتسمت محياه على وجه استكان بعد ان اسلم الروح.  ستبقين في بالي قصة اتلوها حتما على مسامع ولدي "ديمتري" حول جدة ناضلت وعملت ورحلت برجاء.  ساتلو عليه قصص اناسك المحبة، قصص:"سارى وايفا وسلوى ورمزى وكل الاحباء في الديار".  فالاجيال تقتات حكايات ايضا. 
تحية لك يا "ام مروان" حيث انت.  تحية لك يا رفيقة عمر "حنّا"  وسلوته، وكليمة وحبيبة "مروان"، وسند وقبلة "ميرنا ومايا"، وحبر قلم "مازن". 

الأربعاء، 18 يونيو، 2014

مواهب واحترار


 
كانت الدنيا في زمن العنصرة.  والقمح ذهب للحصاد.  جلس الخوري "طنسى" في الخارج.  وراح يستدعي الاولاد.  حضر "برهوم" وصديقه "كوكي".  فسالهم الخوري ان يتكلموا.  فتكلموا بالعربية.  فقال في العنصرة نتكلم لغات اخرى.  "الا فتكلموا يا حلوين" .  بدأ "برهوم" "يترغل" (يتكلم) في الفرنسية.  فقال: "لوازو فول" اي العصفور يطير.  اما "كوكي" فترغل" كلمات بالعصفوري.  فضحك الخوري، واجابهم: "في العنصرة نستدعي، كي يحل على اولاد الرعية، روح الفهم والذكاء والادراك.  الا انه على ما يبدو لا يستقر عليهم.  فقبل العنصرة مثل ما بعدها.  لا بل البطنة تقتل فطنتهم التي تتراجع".   وكان ان لمح فهيم الرعية "بوب" المحترم يتلمذ الولدين.  فانضم ضيفا الى الحلقة.  فرح الولدين اذ شعروا به شخصية محببة من شخصيات السيرك.  وانبهروا بحذائه  الابيض، وثيابه المرقطة، وربطة عنقه الصفراء.  وقد وجدوه بمنتهى الفهم والغيرة.  فهو من فرسان "كفرنسيان" ممن يحملون الجماعة على الاكف.  تكلم بثقة نفس في موضوعات غير مترابطة.  تكلم في الشغور في موقع رئيس جمعية "البر والاحسان" وتأثيرات ذلك على الابرشية وكفرنسيان.  وبدا مهتما بمعالجة الفراغ الحاصل حتى لو اضطر هو شخصيا بالتضحية بنفسه والتقدم الى الخدمة.  وكان الجوّ حارا في حزيران اكثر من المعهود.  فحلّ الاحتباس الحراري موضوعا عالجة "بوب".  فاعتبر انّ "الاحترار مؤآمرة امبريالية على "كفرنسيان" الممانعة.  وبانه نتاج الرأسمالية المتوحشة ونظمها التي ادت الى ارتفاع منسوب الانبعاثات الغازية في الهواء".  ولم ينسى مفاعيل ابقار "طانيوس" وماعدة "فوتين" المتميزة وكلاب "نباح".  وهذا كله من اسباب الشغور غير المباشرة.   فالفراغ ابن الخلاف.  والخلاف ثمار ارتفاع حرارة الدماء.  والدماء الحامية اساس تبدل الامزجة.  وتبدل الامزجة الناتج عن التبدل المناخي يزيل القناعة ويزيد منسوب التكبر الممزوج شكا.  فتتعطل الحياة العامة.  ومن تداعياتها الشغب الحاصل على اثر نزول الرفيق "يعقوب" وحرمه المصون الى الشارع احتجاجا ونقمة وغضبا جراء انخفاض كميات الاطعمة المتوفرة لاطعامهم كنتيجة لتصحر الاراضي الزراعية.  فصرخ الخوري: "كفى.  كفى نظريات "بوب".  ما هذا يا هذا؟؟  داخ الاولاد".
سمعت "افدوكيا" من شرفتها الحديث.  فما فهمت شيئا.  واعتبرت انّ "بوب" افحم المحترم.   
ثمّ انتقل "بوب" الى موضوع خاله يثير شهية المحترم اكثر.  لم ينتبه الى وجود "افدوكيا" التي كانت ترصد كل شيئ من شرفتها.  فسأل الاولاد لم لا ينتسبا الى الاكليريكية فيصبحا مطرانين.  وعندما يتخرجا، يصبحا فهيمين.  فتسمعهما الرعايا وتطيعهما  الناس الاوادم وتجيبهما بنعم مهما قالا.  فيصيران يتكلما بالنحوي.  ويختارا مرجعيات هذا الدهر.   ويجعلا من عمهما "بوب" الذي نصحهما مختارا او رئيسا او ما شابه.  ويفتحا له وللخصائص ابواب الملكوت.   
صارت "افدوكيا" تدن من شرفتها.  سمعها "بوب" فانحسر، مستلا هاتفه النقال.  وسمع كأنه كان يكلم زعيما الى ان رنّ الهاتف في اذنه.  فأرتعب "بوب".   وشعر بالحرج.  وصار يجري.  فسمعت اصداء ضحكة "افدوكيا" في كل "كفرنسيان".   قيل انّ ما حصل كان لتأديب الزائر.  وقد اشيع انّ هذا هو مصير كل من يتجرأ ويقاطع المحترم.    وعاد فصفا الجو.  فتكلم الخوري مجددا بالروح والمواهب.  وسأل الاولاد عن مواهبهم وعمّ يحبون ان يحظوا به.  فأجاب "كوكي": "عندي المغنى والرقص والطلة.   مازال يلزمني الغنى وحكي "الفرنساوي" لجذب الفتيات.   فتصير "ليلى" اجمل بنات الارض وابنة الجيران، حبيبته".  امّا برهوم فامل ان يطير.  فيصير نسرا يحوم فوق "كفرنسيان".    
وعاد الى المنزل وابلغ جده بكل تلك الامور.  فسر الجد بالحفيد.  وقال له:" جيد انك تريد ان تطير.  لكن لا يطير يا بني الا الصالح ونقي القلب.   اولاد آدم لا يطيرون الا عندما يصيرون اولادا لله".


الأربعاء، 11 يونيو، 2014

الضمانة

احبّ "برهوم" ان ينزل حيث كان البحر يزور اليابسة.  نزل وجال في الحي البحري للمدينة القديمة التي كانت عاصمة الاقليم حيث قبعت "كفرنسيان".  ابصر كيف كانت الريح تأتي عاتية ومحملة بالصفير تواكبها الامواج التي راحت تجتاح اليابسة مذكرة اياها انها كانت يوما لها.  وكانت البيوت القديمة تئن وترتجف خائفة وتنحسر قليلا.   وتلتوي الازقة المتماوجة التي تتحول اقنية للمياه المالحة.   في وسط  الخوف وفي قلب المدينة القديمة التي قذفها البحر من احشائه ابصر كنيسة صغيرة ساهرة تصلي وحيدة في تلك الجهنة كي تسلم المدينة.  فالحرب كانت دائرة في المقلب الاخر للجبل.  وقد قيل انّ البشر تحوّلت شياطين بفعل خلطة تركبت بمزيج من الخوف والتكنولوجيا والظلم.  خلطة غيّرت وجه بعض المتدينين.  فصاروا ابناء للشياطين يعبثون في الارض خوفا ودمارا.  وصار البحر يرمي من جوفه مخلوقات مخيفة.  في الكنيسة الصغيرة والقديمة الساهرة لوحدها جلس "برهوم" ينتظر حتى جلاء العواصف.  وكان ركّاب تلك الكنيسة من بسطاء القلب والفقراء والمعذبين.  فالعروش والسلطات كانت قد هوت. 
عاد "برهوم" الى كفرنسيان قلقا.  فوجد "جرجس الكفرنسياني" في السوق، يدخن نارجيلته.  سأله: "ما بالك يا فتى مصفرا ومرتبكا هكذا؟؟  ما الذي حصل معك؟؟ لا تخف فعمك جرجس معكم حتى قدوم اجله".  فابلغه "برهوم" بما يجري في الناحية الثانية للجبل.  وكيف ان الناس تذبح والنساء تسبى تحت عباءة الدين.  فهدأه وطلب اليه ان لا يخاف.  فلا خوف على كفرنسيان وكل الناحية والاقليم طالما هو موجود.  فهو صديق "الفوهرر" المغدور الذي يعرف اسرار العالم.  وبحسبه انّ البسيطة ممسوكة اليوم من اعداء "الفوهرر" المهزوم.  "ولو انّ صديقه الفوهرر المهزوم قد انتصرعلى المرابين الذي يديرون العالم لكان غيّر وجه الارض.  ولكان هو قد اضحى من حكام هذا الدهر".  وراح يستذكر مغامراته حين كان يقل الركاب بسيارته "اوستن" على خط باريس-بارلين كما قال.  فأخبره كيف انه التقى يوما رجلا بثياب بيضاء فتح نافذة سيارته وناداه لاحتساء القهوة في حاضرته.  ولمّ سئل عن الرجل قيل له: "ما بالك يا جو الم تتعرف على صاحب القداسة؟؟ انه البابا يوحنا الواحد والعشرين يناديك".  حصل ذلك   في ساحة "اسبانيا" في روما التي مازالت تشهد لضربة كف "الكفرنسياني" الذي عرفته ساحات وقادة مدن وبلدان القارة الهرمة، كما كان يقول.   "فعندما كان "الكفرنسياني" يلهو بالكون.  كان جميع قادة القارة غلمانا وفتيات وبعضهم لم يكن قد ولد بعد".  ثمّ تنهد ولاعب شاربيه.   وسأل "برهوم" ان يصلي الى القدير كي يطيل الله بعمر "الكفرنسياني".   
وضرب "الباركينسون" "الكفرنسياني".   فانتشر الخبر بأنّ المعلم يوسف مصاب ب"الباكيستن".  فأعرب المعلم "جرجي" عن قلقه الشديد وعتبه على "باكستان" التي بدل ان تكافأه على وقوفه الى جانبها في مسيرتها للاستقلال عن الهند ارسلت له "الباكيستن".  وصار يقول ان "الوفاء" اضحى مفقودا.  وبانه حزين لكن غير متفاجئ من تصرف بعض الدول تجاهه. فقد اضحى يشكل عبئا على النظام العالمي بعد رحيل كل صحابه، كما افاد.  "فالعولمة لا تتحمل وجود شخص بحجم "الكفرنسياني"".  فكان ان جمع قومه وقال لهم :"يا ابناء بلدي العزيز، انا راحل ولست حزينا على نفسي بل على "كفرنسيان".  نفسي مضطربة لاجلكم.   انتبهوا ولا تتركوا مجالا كي تتسرب الشياطين الى ضيعتكم.  احفظوا ارثي وقصصي واقوالي.  والله ولي التوفيق". 


الأربعاء، 4 يونيو، 2014

القمة

قال "برهوم" لجده:" جدي لماذا لا تأخذني الى الجبال معك؟   فهناك تهمس الريح في جوف الوهاد اسراها.   فتخرج  منها صفيرا كصفارات قطارات العودة.
 خذني جدي الى سقف" كفرنسيان" حيث تلامس السماوات الارض، والى حيث تصعد الطائرات كي تأخذ الناس بعيدا. 
خذني الى حيث بنى الملك له قصرا على تخوم بلاد الانس وعلى مقربة من بلاد الجان. 
خذني الى هناك كي اقطف الشمس واجلبها الى المنزل في كانون مشعة دافئة فيفرح بها كل من في البيت. 
خذني فقد قيل لي ان هناك ثمة سلالم يتسلقها الراقدون كي يصلوا الى دنيا الفرح والاحلام.  فهناك قصص "هايدي" و"فلونة" وكل انواع الخيال. 
اريد ان ارتمي في حضن غيمة تحملني فوق "كفرنسيان" فاعاين الدنيا من فوق.  وارعى مع غنمات الغيم عشب البقاء. 
خذني الى هناك فصوت جدتي الراحلة يناديني.  خذني الى هناك ف"ام رعيدي" قد همّت بتنظيف الارض.  واني اريد ان القي عليها التحية".
لم يجب الجد. بل صار يهز رأسه ويفكر.  فأصر عليه "برهوم" قائلا: "او ليس كرم الشمس قريبا من هناك؟؟ خذني معك الى الكرم".
ما اراد الجد ان يجهض احلام حفيده.  كما انه ما كان يرد له طلبا.  فاجاب: "الا فاستمر في الحلم في القمة يا بني.  فحين تبلغها تميتها.  ولا تعود قمة.  تهجرها الاحلام وكل كائناتها الاسطورية.  فلا يعود الحلم يستوطنها.  وتهجرها "ام الرعد" يا ولدي.  فتضحي حقيقة مجردة وناشفة ومفزعة احيانا، لا تشبه تطلعاتك يا بنيّ.  ليس المهم ان تتسلق القمم بل انّ الاهم ان تصبح انت قمة في تواضعك وفضيلتك.  فيسكن الله فيك عندها.  ويسكنك فيه.  و هذا الهدف من الوجود يا ولدي.  لن ابقى معك طويلا يا ولدي، لاني راحل غدا الى حيث تحوم النسور والى حيث اتسلق السلالم.  لن يكون بمقدورك ان تذهب معي لانّ دورك لم يحن بعد.   لا تخف اذا ما غبت عنك.   فانا قد قررت الرحيل".
وصار "برهوم" يبكي.  فطيّب الجد خاطر الحفيد وداعبه قليلا قبل ان يعده بأن يأخذه معه الى "كرم الشمس".  لم لا و"برهوم" لم يتلكأ يوما عن حمل زوادة من المنزل الى الدكان.  وكان الجد يكافئه بمنحه ليرة لبنانية لا غير يشتري فيها الصبي من بوظة "جمول" الشيئ الكثير".    واصطحب الجد حفيده صبيحة يوم معه في رحلة الى القمة حيث اراه العالم.  وعالمهم كان "كفرنسيان".  هناك اقترب "برهوم" من الغيوم، ولم يبلغها.  عاين الشمس ولم يجاروها.  فتش عن السلالم ولم يجدها.  ما استطاع ان يلتقط من الجو حتى طائرة واحدة.  ولم يجد ام رعيدي.  فايقين عندها انّ القمة هي فينا.  وانّ القمم تزول حين تطأها اقدام البشر.  وامسك الجد  بحفيده وسأله ان يركع ويستمع الى الريح.  وتطلع الجد الى العالي الى حيث تستقر الشمس وسأل روح الكون قائلا: " يا الهي هبه روح القمم فلا ينزلق في هوة الشهوات.  ازرعها فيه فيصير القمة بفضائله.   وانت يا ريح لا تهجريه، فيهجره الخيال.   اعطه ربي ان يكون حرا ابدا".  وتطلع الشيخ بحفيده واردف: "تعال الى هنا في كل مرة تشعر انك مكبل فتدرك انك حر.  تعال الى هنا واترك كل شيئ تحت وخاطب من تشاء ممن رحلوا.  خاطبني.  وانك حتما ستكون مستجابا".  انتهى المشوار.  واقلع الصيف ووافى الخريف.  فعاد "برهوم" عصر يوم من مدرسته.  وجد جده مسجى وحوله النساء نادبات.  لمحه من شباك المطبخ حيث كان يلوح له بمحفظته مبلغا اياه انّ يوم الدراسة انتهى. 
صرخ له فما اجاب.  فهام الصبي في البرية لساعة او اكثر.  راح يبكي وينادي الجبال التي ما اجابته.  صار "برهوم" وحيدا.  فمن كان يمده بالدعم والحب والمشورة ذهب كما قال.  وهو كان قد تعوّد ان يقتات حبا واحلاما واخبارا.
 وبعد رقاد جده، راح الصبي يكبر.  وقد علق في باله كم جرى طويلا وراء ذلك الصندوق الخشبي حتى التربة.  فقد عاين بام العين كيف تنتهي الرجال، وقصصها وذكراها لا تنطفئ.  عقد النية ان يكون قمة في التواضع والفضائل وفاء لجده.  الا انّ ذلك لم يكن سهلا.   فما زالت امامه مسافات كبيرة كي يصير "قمة رافع" التي تجاور كرم "الشمس" الذي اراد جده له ان يكونها.   وصار يسأل هل استطيع يوما ان اصبح ما قطعت عهدا ان اكونه؟؟  آه كم انّ العهود صعبة والقمم اصعب.
 

الأربعاء، 28 مايو، 2014

"برهوم" والقلب

نام "برهوم" في تلك الليلة.  فحلم انه دخل الى قصر كبير.  "قيل له انّ كلّ من كان يدخل الى ذلك القصر يصبح من عظماء هذا الدهر.  وكان قوم القصر ذكورا من غير ان يكونوا رجالا وانثوات من غير النساء.  كانوا جميعا يصفقون للملك الجالس على عرش من جماجم.  ابصرهم يوافون اليه حاملين هداياهم.  وهداياهم كانت ضمائر وقلوبا واشلاء ودفاترا.  وهو كان يهبهم اطعمة واكسية ونقودا.  قيل له انّهم كانوا اذكياء وحكّام الدهر.  كانوا يلتهمون ولا يشبعون.  يلبسون ثيابا ولا يكتسون.  كانوا ينتصبون امام النار التي يروحون يضرمونها خوفا من الظلمة.   ابلغ انّ لهم اسماء الا انها ضاعت على مدخل ذلك القصر.    فصاروا جميعا متشابهين.  قيل له اذا ما رغبت ان تصير من عظماء هذا الدهر، الا فاخلع نعليك.   وسلم نفسك للجالس على العرش.  فهو يسلخ قلبك عن جسمك ويلتهمه مشويا ويطعمنا.  فالقلب يقلق ويعذب.  ويقلق من حولك الكثير من اصحاب السلطات.  نعم، تعال  نقتلعه.   ونقدمه للملك.  والملك يمتلك مفاتيح غالبية نواطير السلطات والمتحكمين بهم،  من حيث يدرون او لا يدرون.  فتصير عندها من مجلسنا.  ونعطيك كرسيا.  فتخضع لك اعناق كثيرة.  ويرفع  اسمك اناس كثر.  ونظر "برهوم" فشاهد حاشية من بشر لم يكونوا اناسا.  كانت رؤوسهم تتصل مباشرة باطرافهم.  وقد اقتلعت صدورهم" واعناقهم.  احبّ "برهوم" ان يصير حاكما، الا انه ما رغب بالتخلي عن قلبه الذي كان حصانا بريا لا يعرف العبودية.   وتذكّر قول جدته له :" القلب يا ولدي هو الانسان.  فحين يذهب يموت".  وتتطلع الجالس على العرش به. وقال :  " انت لست، ولن تكون من جماعتي.  لا تصدقوه مهما قال لكم.  انّ هذا الصنف لا يروّض مهما فعلتم.  ففيه روح قد تستفيق.  ويتغيّر.   فيهدد مملكتي.  اقتلعوه من ها هنا.  راقبوه".  وسرعان ما انتهى الحلم.  فاستيقظ "برهوم" مذعورا وراح يبحث عن كوب ماء.  وقد التهب حلقه من شدة الخوف.   "ايكون قد اكل اكلة عسّرت الهضم؟؟ ".

وعاد فاستلقى.  فذهب بالحلم الى حيث كان.  فسمع المنادي ينادي:  "يا اهل كفرنسيان ما لكم؟؟  وافى الناصري ذلك الذي تقولون انهم مثالكم الى "كفرنسيان".  وما استقبله احد.  الجميع كان منشغلا.   فحتى الخوري "يوسف" الناطق الرسمي باسمه الذي يعيين ويعزل بالنيابة عنه، ما اعاره اهتماما لانه كان منهمكا بنفسه كعروس.   وافى وما وجد الا  بيت "مريم" امراة يعقوب الارمني" كي يأوي اليه.  فتناول معها بضع كسرات من الخبز ومضى.  ثمّ سمع جدته تنهره في الحلم، قائلة:"اين كنت يا ولدي؟؟ اكنت تجري وراء زعيم او ما شابه وقد فاتك الاصل؟؟  حزن "برهوم" جدا واستفاق يبكي.  فأحتار كل من في البيت بامره حتى قيل بأنّ الارواح قد عذّبته كثيرا في تلك الليلة". 

وصباحا باكرا، داهم "برهوم" منزل "العجيز" مفسر الاحلام في "كفرنسيان" وتلا عليه ما ابصر، بحضور "الوجيه".  احتار "العجيز" وضحك "الوجيه" من منامه.  وسأله: "الظاهر انّ مناماتك حفلات شوي يا صبي!! مضحك منامك يا " برهوم ابن يعقوب"، فهو كافلام "الفرد هيتشكوك" المثيرة.  تحتاج لمن هو اهم من "العجيز" لتفسيره.  الا فخفض كمية الاطعمة التي تتناولها قبيل النوم.  الا ترى انك تنمو عرضا ايضا".   اسف "برهوم" لم سمع.  وما اقتنع بما ابلغ.  الا انه ما فهم ما حصل له، الا عندما كبر.   فاضحى يسعى بكل قوته الى النجاح في معترك الحياة.  قيل انه حاول بشكل دائم الوصول.  الا انه لم يسلم قلبه الى الوحش كي يلتهمه.   وكان في كل مرة يجد قلبا متحجرا يسأل القادر ان يجعل من الاحجار اولاد له ان يفعل.