الاثنين، 30 ديسمبر، 2013

برهوم وغنوة ريم


بقلم مازن ح. عبّود

 

راح "برهوم" يرصد الموقد.  حكش عيدانه المتقدة.  فحملته ظلا الى عالم النار والعتمات.  احسّ بالغربة والبرد.  شعر بالخوف الشديد.  رأى العولمة وحشا يسلخ من الناس قلوبها.   فتكبر رؤوسها.  فتصير البشر رؤوسا كبيرة تتحرك على اقدام صغيرة.  قيل له انّ الوسائل تطورت كما الرجعية والقبلية والشقاق.  فحصل انكسار.  تنامى الذكاء وصار في خدمة الغريزة.  والغريزة طمع وتفلت من الضوابط.  قيل له انّ الوحش نما جراء التفاوت ما بين الذكاء والاحساس، وجراء تطور الوسائل دون تطور المفاهيم.   صار الناس يمتلكون كل شيئ ما عدا الانسانية.   حصّلوا العلم وفقدوا القلب.  امتلكوا الذكاء والهواتف الذكية وفقدوا البساطة والقناعة والتواضع.  غزاهم العلم والخوف والقلق.  استقر فيهم الطمع، فانتج فراغا ووحدة وعزلة وموتا. 

اضحى "برهوم" وحيدا بالرغم من انّ دراته تعجّ بالرفاق والانسباء.  والناس بمجملهم تحولوا الى آلات.  اضحى رفاقه بغالبيتهم وحدات.  اعمى الذكاء بصيرة الناس ففقدوا الاحساس.   

قرّبت التكنولوجيا المسافات.  فألغت غربة الهجرة.  الا انّ الغربة اقامت في الدار.  وعشعشت برودة وبعدا وكبرياء.  اضحى البشر يفكرون كثيرا.   ويشعرون قليلا جدا.  اصبحت حاجة البشر الى الانسانية وليس الى آلات.  وقد تحولوا بغالبيتهم الى آلات.  تولدت الآلات غزارة في الانتاج الا انها تركت البشر في عوز شديد.  صار اللطف اثمن واندر من الذكاء. 

ثمّ سمع "شارلي" يصدح: " آسف لاني لا اريد ان اصبح امبرطورا، فهذا لا يعنيني.  لا اريد ان احتل او احكم احدا.  اود ان اساعد الجميع  اذا ما استطعت".   كان ما ابصره وبلغه مقاطعا من خطاب الفنان تشارلي شابلن الشهير الذي تناساه البشر لاكثر من سبعين سنة.  وها هي كلماته تعود اليوم، كانها صممت لهذه الحقبة.  كأنها صممت من اجله هو، كي تعالج قروح نفسه.  وهو كان يحلم قبلا ان يكون امبرطورا دون ان يتمكن من ذلك.  فسقط في الاحباط.  شهوة السلطة والعظمة اسلمته للوحش فصار حاقدا على البشرية.  استسلم لفترة للفراغ والاحباط والطمع والغريزة، حتى جاء من انتشله.   

وبلغته انغام "ريم" الصغيرة التي كانت تمسك بعلم البلاد، وتلاعبه، شادية:"لفلف، لفلف يا علم بلادي".  لقد ارادت الطفلة ان تقول "رفرف".  الا انّ لسانها ما طاوعها لنقل ما في بالها.  فكانت ان مررت رسالة اخرى، اكثر تطابقا مع الواقع.  وقد سمعتها "هيفا"، فأجابتها: "والله ما في رأس خال من الحكمة.  اصبت يا طفلة يعقوب ابنة جبور.  كل عمري اقول بأنّ الولد يولد وذكاؤه معه.  فالعام المنصرم كان زمن لفلفة وليس رفرفة.  مات من مات وخطف من خطف واكل ولفلف من لفلف".  سرّت ريم بما التقطت.   وصدح صوتها بالاغاني والاناشيد.  ضحك "برهوم" كثيرا.  قبّل الصغيرة التي سألته ان يغني معها.  ولمّ لم يعرف اغنية "Tombe La Pluie" تفاجأت.  وسالته: "كيف كبرت وتعلمت يا "برهوم" وانت لا تعرف كيف تغني Tombe La Pluie؟؟".

وتتابعت احداث ذاك النهار.  وما بلغه عبر وسائل التواصل كان ازمات وخطف واغتيالات.  شعر برغبة بالاستقالة من العالم الوهمي والعودة الى الحقيقة.  الا انّ ذلك كان صعبا.  فقد ادمن على لحس المبرد.  غير انه ما عاد يرغب ان يصبح امبرطورا لانّ هذا ليس من شأنه.  ولا يريد ان يحتل او يحكم احدا!!!  اراد ان يتعلم كيف يغني اغنية "ريم" المفضلة!!

الجمعة، 20 ديسمبر، 2013

اولغا ولورا واليكسا في زمن الميلاد

 
 
راحت "اولغا" تنظر كيف يخرج الحطب من المدفئة اطيافا نارية تتراقص على وقع الريح التي تحمله رمادا، ودخان ينتصب حتى السماء.  ثمّ راحت تتأمل في الشجرة التي هي مصدر الحطب.  وقد تسلقتها وهي طفلة.  واكلت ثمارها وهي فتاة.  وجلست تحت افيائها كهلة.  وها هي تذوب اليوم نوار ونارا كي تدفئها.  احست باءمتنان شديد تجاهها، وهي قد اسكنت في ربوعها الطيور التي هي فرح الربيع. فعلت الشجرة كلّ ذلك دون كلمة عتاب واحدة.  لا بل سمعت اناشيدهها لحظة احتكاكها بالنار.  جميلة الطبيعة.
قبعت "اولغا" اليوم في منزلها بانتظار "اليكسا" الروسية التي صارت ايضا "يورغو" اليوناني.  اختلفوا على جنسها وهي هي.   والاصعب من العواصف كان انتظارها.  المهم انّ العاصفة اقعدت جارتها "لور" في منزلها.  وحرمت الجارة متعة التحري والاستقصاء عن اخبار العباد في قرية "كفرنسيان".  ومن ثمّ سكبها اطباقا تتغير وفق مقتضيات البيوت التي تزورها.  والجارة قدمت نفسها لمحيطها كوسيطة لدى "سيدة الشاغورة" التي كانت تقول بأنها "تلبي كل طلباتها".   ومن اقوالها: "انّ الحياة حتى في القداسة اخذ ورد. فانا اجود على مقام السيدة العذراء بمالي، والكلية الطهر تحصّل لي من الله ما اشتهيه.  محسوبتكم "لور"  ربها بكل شي، في الغرام والانتقام والروحانيات".  وكانت تمارس الابتزاز على الناس بتسويق دالتها على "العذراء مريم" التي تقول انها كانت ترفع لها عند كل صباح لائحة مطالب.  وكانت "لور" تكذب والناس تعرف ذلك.  وكانوا يحبون كذبها.  فقد اضحى بشر تلك البقعة مدمنين على الاخبار والقصص خوفا من الفراغ الذي كان سيد الموقف.
الا انّ قدوم العاصفة "اليكسا" شكل مناسبة للقاء "اولغا" بنفسها.  فتتأمل عميقا في زمن "عمانوئيل".   اخذتها اطياف النار التي كانت تلامس الارض دون ان تطأها الى عوالم سحرية.  خالت انّ شجرة الميلاد في زاوية منزلها تمتد الى السماء.  رأت ملائكة تنزل وتطلع عليها كأنها سلم.   الا انها ما احست بالطمأنينة فقد شعرت انّ هيرودس مازال يبحث عن المجوس.  يبحث عنه.  يبحث عن الطفل كي يقتله.  فتختفي الشمس الى الابد.  ما شعرت بكل ذلك القلق قبلا.  فهي لم تدرك عالما بمثل هذا التخبط. 
ما اقلقها كانت رسالة حفيدتها الى "بابا نويل" التي كانت قالت انها تحبه حتى اكثر من الطفل الالهي.  فالطفلة لقنت ان تحب الهدايا والاساطير.  احست "اولغا" انّ آلهة الغابات قد استفاقت.  استفاقت المادية.  واستفاقت الفردية في اقمصة حرية وشمّرت عن انياب العبودية كي تلتهم الانسان في البشري.  كرهت الكهلة "بابا نويل" على قدر محبتها للناصري.  واسفت من تعميم ثقافة الاخذ على حساب ثقافة العطاء.  سمعت تقول: "من قال انّ العيد للاستهلاك؟؟ ومن قال انّ العيد هو غربة للفقير عن ربه وعن اناسه؟؟  تفقد الحياة جودتها اذا ما فقدت معناها.  ومن يعيش لنفسه، يفقد سرّ وغاية ووجوده.  فتضحي حياته بلا معنى.  تقوده الملذات واللهو الى ساحات التعاسة والفراغ.  وسرعان ما تمضي اللذة ويوافي الالم والموت.  يبحث عن السعادة ولا يعرف انّ السعادة هي البحث عن الهدف وعن معنى للوجود". 
راحت "الكسا" تنشر برودتها بصمت.  وبرودتها كانت ايضا غربة معلولا عن اناسها وغربة اولاد ام "غسّان" عن بلادهم، وغربة العيد عن معانيه، وغربة الناس عن قيمهم.  راحت "اولغا" تنظر الى النار، وتحلم بعالم اقل بردا ونيرانا واكثر دفئا.  حلمت بميلاد اكثر رجاء.  الا انّ النار في موقدها كانت تلتهم كل شيئ حتى الاحلام. 
وسرعان ما نشرت "لورا" غسيلها من الثياب الداخلية على السطح.  فعرفت "اولغا" انّ "اليكسا" ولّت.  وبرودتها مازالت في قلبها عتمة لا يزيلها الا رجاء الطفل القادم اليها من بعيد.     

الثلاثاء، 10 ديسمبر، 2013

مع "رمزى" الى فوق



اخرجت من درجها قطعا صغيرة  قيل انها من بخور مريم من غطاس العام الفائت.   وراحت تبخر بيتها.  والبركات هي لمثل هذه الايام الصعبة.  وسمعت تقول: " يا شيطان كش برا.  خرّبت الدنيا يا ساقط.  نقلع فل من هون".  اعتقد "بو سليم" جارها ونسيبها ان احدهم يحاول الاعتداء عليها.  فأعدّ بندقية "الدك" خاصته.  واتى لمساندتها.  فمناصرة الارملة ضرورة، وبخاصة اذا ما كانت جارة وقريبة.  فصرخت به: "ما هذا يا "بو سليم".  انّ عدوي غير منظور.  ولا تفلح معه البنادق".  فأجابها :" لا تقولي لي انه من "داعس"".  فأجابته بان لا.   وطلبت اليه ان يرجع الى بيته.  وان يصلي كي يحفظه الله المنزل من الشرير".  مشى، وراح يدندن، متحسرا: "ايه العمر له حق.  خرفت يا حرام.  تفوه عالشيطان.  ديعان الستات". 
  

وبعد كنس مع صلوات.   راحت تنضح بمياه الخوري "يوئيل" المقدسة، التي احتفظت بها لسنين، الابواب والشبابيك والاعمدة وكل ما تدركه.  فمن الخوري القديس تخرج مياه مقدسة.  
ليلة البارحة شاهدت عرّافة على شاشة تتكلم.  فصرخت: "يا لطفطف، يا لطيف، الله يستر!!!".   وهي ما كانت تصدقها اصلا.   فشعرت انّ الزمن الحالي تحكمه الشياطين.  قالت انها رأت الشياطين قادمة من منزل "جيجو" الذي استحكمت فيه الارواح الشريرة، منذ طفولته.  وقد سمع في تلك الانحاء يردد لها مرارا تعويذات على رائحة بخور غريب.  فتبلّغه الشياطين اسرار الناس.  وقد كشف مرة علاقة "جميلة" المستترة ب"ابن السمنة".  وابلغ لبيبة ملامح من تجرأ فسرق منها الحلي.  كما احرق سيارة "الفلايموس" لابي "اوس" المغرم بالاسماء البيزنطية حتى في السيارات التي احب منها هذا النوع الذي يتلائم وواقع تسمية الكهنة القديسين من ابناء طائفته.   لم تسلم حارته من نيران شياطينه الزرقاء التي استقرت فيها.  فكانت ان تداعت وترهلت.  طلة الشاب المسكون، الذي كان يعرف ما جرى ويجري، كانت مفزعة.  وعيناه كانتا من زجاج.  كان نبيا كذّابا، يضحك ويبكي لا حزنا ولا فرحا كما تقول الاغينة.  ببساطة كان حضوره غير مريح البتة. 
 
تقول بطلتنا "رمزى" انّ ما يحدث في كل مكان كان بسبب الشياطين التي غصّت بها دارته، التي قررت انّ تتمدد.  فتغزو منازل الجيران.  وتحكم المكان.  شياطين اعلنت الحرب على كل منزل ما كان لها.   
وسقطت منازل كثيرة.  وتفرق الناس فرقا.  وكهنتهم اضحوا معسكرات.  هوت رموز كبيرة.  وتعثر اناس كثر.  ما ادمى بطلتنا كان سقوط الرموز.  فسقوطهم يكون مدويا.  وقد قيل لها انّ السقوط هو الموت.  ولبست حزنا عليهم معطفها الاسود ذاك المعطف الجزيل الثمن الذي ابتاعته من دكان "كلوديا" في جبيل، والذي حفظته لمثل هذه المناسبات الاستثنائية.
 
ما توقعت الكهلة ان تبلغ هذه الايام التي طلبت من الخالق ان يقصرها او ان يقصر حياتها ببساطة. 

سمعت بدمار "معلولا" وبخطف راهباتها.  فانتابها الحزن والقلق.  حللت الموضوع.  وابلغت نساء الحي انّ المسؤول عن المصيبة كان عمّ القديسة" تقلا" اللئيم والماكر الذي عاد فانتقم من مقامها ولو بعد حين.  فهي لم تكن مطلعة كثيرا في امور الدين. وكانت الامور تختلط عليها.

 سمعها "نجوبي" ابن الجيران تهمس البارحة:""معلولا" بلدة "تقلا" التي يتكلم اهلها الارامية كيف تزول؟؟   تزول.  وكهنتنا يتناحرون.  ينشرون واعوانهم الغسيل غير اللائق على السطوح.  لا، لا.  يا عيب الشوم".  كما سمعتها الحوائط التي لها آذان.
 
صلت كثيرا.  تلت مسبحتها مرارا مع صلاة "يسوع" وصلاة "مريم".   فهي امرأة بسيطة لم تدرك من العلوم الا ما وصلها بالتواتر عن اهلها.  رغبت ان تميّز وتدرك. 
 
خافت كثيرا.  ونظرت الى الحائط حيث استقرت ايقوناتها الورقية.  تطلعت مليا في القديسة "تقلا"، ونادتها: "ماذا تنتظرين يا قديسة كي تدافعين عن مقامك وراهباتك؟؟ اتنتظرين من ختيارة مثلي فعل هذه الفعلة؟؟ ببساطة اني لا استطيع.  يجب ان اتكلم مع جارنا ابي "سليم" وفتيانه بالموضوع، فما رأيك يا قديسة الله بذلك؟؟".

ثمّ صرخت من عمق نفسها:" لماذا يا رب كل هذا؟؟ والى متى؟؟  كيف تزولين يا معلولا؟؟ وتزول معك كل الارامية والقصص والمغاور والندوب المشرقية؟؟ أمن تراه يوقد في اديمك البارد قنديلا بعد اليوم؟؟ ويعمّر في سمائك جسرا من تمتمات تربط الساقطين بالسموات؟؟". 

راحت البسيطة تقول كلمات يعجز عقلها الصغير عن استنباطها.  فقد اطلقت لقلبها العنان.  وقد حملها عاليا.  فرأت من فوق كيف ينظر الله الى المسكونة بعطف وعتب.  رأت كيف يدمر الاعصار كل من لم يكن مبنيا على صخرة.  شاهدت مشاريع قداسة تسقط وسلما يهتز.  واناسا تقع الى حيث لا تدري.  
 
الا انها لم تخف لانها كانت في حضرة الله.  ظنت انّ ماء الخوري "يوئيل" فعل فعله، كما بخور مريم وكل التمنيات.  رأت تقلا وكاترينا وبربارة. وجالت مع يوحنا الحبيب في مدينته.  ابلغها اشياء واسرار.  عادت ولم ترد ان تبلغ احدا برحلتها، ولا حتى "سليمة" كاتمة اسرارها الطرشاء.  فحتى الطرشاء تتكلم اذا ما بليت بالاخبار.  فما حصل بينها وبين ربها يبقى بينها وبينه سرا.  الا انّ "نجوبي" جارها الصغير سمع تمتماتها وابلغني بما عاين وسمع.  وانا كتبته لكم كي يبصر من يقرأ ويصغي من يسمع.

الأربعاء، 4 ديسمبر، 2013

قصة قناع



 

وكان الليل يوافي باكرا جدا في تلك الحقبة من السنة.  فيجعل من الناس اطيافا تراقص البوبات المهجورة والموصودة في دوّارة الازقة الضيقة في بلدة كفرنسيان.  وكانت البوابات تخفي المنازل واسرارها وسراديبها التي سرعان ما كانت تنبلج.   وكان البدر يتسلل اذا ما سمحت الغيمات فيلقي على اناس الليل بعضا من انواره. 

الا انّ تلك الليلة كانت "البربارة" حيث يسلق القمح وتصنع "الاطايف" ويتخفى الناس.   فيخرجون من بيوتهم الى الشوارع ملثمين.  فيزورون بأقنعتهم من عرفوهم على امل ان لا يعرفونهم في تلك الليلة. 

كانت تلك الليلة امسية الاقنعة.  و"جوجو" كان لها.  اكتسى وجه عظيم من عظماء هذا العالم ومضى.  امله كان ان يتجهل في بلدة معلومها مجهول.  بدّله القناع، ففعل ما شاء وقال ما رغب به بحرية.  شعر بانه مجهول والمجهول يتحرر من سطوة  الاعراف والتقاليد والالتزامات والحضارات.   

الا انّ ّ كلبه "ريكس" لم ينفكّ يعرفه بالرغم من كل التمويه.  وقد قدمه الى اهل "كفرنسيان" جميعهم بنباحه.  وهم كانوا قد تعرفوا عليه اصلا بلا "ريكس". اذ انّ القناع لا يخفي الغرور؟؟  لا بل يزيده غلوا !!!

صعق الشبيب الذكي والجميل.  اذ انّ القناع ما اخذه الى حيث اشتهى، في مجاهل الاقنعة.  فلم يصادف الفرح،  بل اناسا  تمسرح بعضها على بعض. 

وعند مفترق الطريق، صوب كوع حارة البلانة،  صادف طيف جده الراحل من اشهر.  فناداه العائد قائلا:" "جوجو"،  يا حفيدي اشتقت اليك. كبرت يا فلذة كبد جدك.  اراك هنا، ماذا تفعل؟؟  ولماذ تخبئ وجهك ؟؟  والى اين تهرب؟؟  الا فابحث هناك في الزاوية عن مشتهاك!!!".  صعق الشبيب لمعاينته جده الحنون والمائت يكلمه.  وتطلع في الزاوية.  فوجد مستوعب قمامة.  فاءستاء كثيرا.   لانّ الشبح، وليس جده، ينوي ازلاله.   ظنّ بداية انّ رجلا قد اتخذ من وجه جده قناعا في تلك الليلة.  فسأله ان يكف عنه ويسحب القناع.  الا انّ الرجل الذي خلع اقمصته طمر معها كل الاقنعة.

ثمّ صرخ فيه الطيف مجددا:  "يا جرجي يا جدي، اتعرف ما ينقصك؟؟  ينقصك معرفة الغاية من وجودك في دنيا البشر، حيث عرّجت قبلك".  فلم يجب الشبيب.  فتنهد القادم من فوق، وتابع: " عليك ان تدرك التواضع في قمامة نفسك.  ذاك الذي يعطيك المحبة التي تعطي الفرح.  لست بهيا.  انت جميل فقط، يا حبيبي.   فالشباب من طينتك يسقطون في الكبرياء حتى الموت.  ليست قامتك بحجم طولك اليوم يا بنيّ.  ومشكلتك هي في عدم توازنهما.  جرجي، بالتواضع تحيا وبالكبرياء تموت...". 

واختفى طيف الجد المحبب.  وبكى الصبي.  سقط عن وجهه القناع وسقطت عن جسده كل الالبسة المستعارة.  وراح يمشي في الازقة نفسها التي سلكها دون ان يتعرف عليه احدا.  فقد تغيير.  فقيل صبيحة اليوم التالي انّ "جوجو" العتيق قد ابتلعته الارض.  والذي ظهر لم يكن هو، بدليل انّ "ريكس" لم يتعرف عليه.  فرائحته قد تبدلت.  خرج  انسان جديد من رحم المغاور. 

انسان يخرج كلمات من احشائه. تخرق القلوب.   فتتغيّر البشر.  فكلماته كانت تتجسد افعالا.  اضحى يتطلع اكثر الى الارض التي تلتهم الاقنعة وتسقط الاحجام وتنبت التواضع.  وهدفه امسى كسب تراب التواضع.   فتتظهر له اسرار الكون.   ويلتهب عندها بالمحبة.   فيصبح الها.  كان التراب موطن الترابيين.  الذي ينفخ الله فيه ومضات فيخرجهم مشاريع اناس تروح تتحرك على البسيطة طلبا لصهر انسانيتها.  وهذا ما ابلغه اياه اب ولده في الروح.   

 


الأحد، 1 ديسمبر، 2013

سمعان الذي عرفته


 


 

بقلم مازن ح. عبّود

 

كل ما التقيته كان يبادرني السلام.  وتفيض على وجهه بسمة.  كأنه خارج من لقيا الله.  وكانت بسمته تبلسم جراح نفسي.  وافرح اذا ما غرد لي سلامه بالعربي.  فتحلو في عيني تلك الصخرة، التي فاقت قامتها حجمه الصغير بكثير. 

كان العم "سيمون" رجلا من ازمنة لم يشأ ان يغادرها.  ولاجلها عاد من اوقيانيا الى الامكنة التي احب في "دومته".  عاد علّه يلتقط بعضا من عبق ماضيه. 

وكان زعيم "سمعان" يحيا فيه.  فاعطاه لونا ونكهة وطعما.  امور لم يطرب لها الا الرفاق.  الا اني وكثيرين احببناه كما هو، ومن دون سياسة.  احببناه لاننا عرفناه انسانا على دروب الرب.  تصالح مع نفسه فصدقها.  كريما كان "سمعان" حتى الفقر.  عرف انّ الخادم هنا، هو في مملكة الرب الاول.  فخدم حتى الانمحاء.   ولم يكن له مخدعا يسند اليه رأسه.  ترك كل شيئ وراءه، ومشى.  فكل ما توزعه تدخره.  وهو لم يترك شيئا.  عرف ان ثمن الوصول الى القمة هو التخلي عن كل ما لا يلزم.  وضع مدخراته تحت قدميه.  فعلت قامته وفاقت حجم الجسد بكثير.  فالجسد يبلى، اما القامات فلا!!!

قامتك يا صخرة ايوب، كانت كمارد عرف ان الحياة سراب.  وكنت حين انظرك من بعيد، اراك تطير.  فلا تلامس رجلاك التراب.  كنت تطير الى حيث تلامس الافكار النجوم. 

وافيتني يوما كي تبلغني انك نلت وساما.  فتطلعت الى وجهك، وابتسمت.  فسالتني لم؟؟ ولم اجبك يومها.  ابتسمت لانك انت الوسام يا "سمعان".  وسامك كان من فوق محبة واخلاصا وثباتا في ارضك.  خصال اثمرت فيك حبورا لا يفرغ.   وكنت ترمي ما لا تستطيع حمله على القدير.  ما عرفت الحزن.  لانك ادركت الفرح.  ولكم سمعتك تقول: "غدا يوم آخر.  ومشكلات البشر يحلها البشر.  ونحن على حق.  ومن معه الحق فلا شيئ عليه".   

كانت الدنيا بالنسبة اليك يا خال بستان ورود وانت ناطورها.  اما المستقبل فقد كان شموسا وبيادر وآمالا، وانت رايته.  لم تتوانى يوما عن قول ما اعتبرته حقا.  لم تأبه بما سيقول هذا او تلك.  كنت تلقي كلمتك مع الآمال وتمشي.  تماما كما يلقي الزارع بذوره في حقلة مفلوحة ويمضي. 

خال "سمعان" مضيت كحكاية من قصصك.  ذهبت مع الدخان الى حيث يطير الدخان، عشية ليلة لفحك بردها.  نمت ولم تقم.   وكرسيك في دكان "ابي غطاس" سيبقى فارغا وكل القضايا والنكات.  ستشتاق اليك الطاولة وزهرها والاحاديث.  يتمت القبعة يا خال.  وحزنت عليك الجريدة كثيرا. 

"سمعان" لن تنفك ضحكتك، يا آدميا، تلاحقني في ازقة البندر التي جفت الا من الاحقاد والمشكلات. 

تراك اليوم ترحل الى دنيا ليس فيها الا زعيم واحد وأحد.  هناك الفردوس المنشود.  هناك الكمال والحق يا "خال".  هناك الزعيم الكبير يقيس قامات البشر ومقاماتهم بخلجات القلوب.  ستفرح هناك كثيرا.  ويفرح بك حتما كل ابرار دوما واوقيانا والمكسيك.