الأربعاء، 9 يوليو، 2014

رسالة من ابن الى ام في السماوات


ما عساي اقول لك يا امي؟؟
ما عساي اقول لك يا ملاكي؟؟  وقد اضحيت في الضفة الاخرى من نهر الحياة، هناك حيث تقيم حوّاء امك وحبقوق والدك وعمك واخيك وكل اهل حارتك وبيتك ممن احببت.  اضحيت هناك وانت لا تفارقين من هم هنا. 
ما عساي اقول لك يا نائفة اي ياعالية وراقية ومشرفة؟ وقد ضاعت مني المعاني في بحر قاموس الاسماء.   ماذا اقول عنك يا امرأة عبرت سريعا جدا ربيع العمر الى خريفه دون ان تدرك اطايب الصيف وحلاوة السمر، فحصدها الشتاء باكرا.  ايكون الاحتباس الحراري ذاك الذي يمحو الفصول قد فعل فعله؟؟  تبا للمرض والالم والموت.
ابحث عنك يا مربية، في اماكنك.  ابحث عنك يا ناسكة المنزل ولا اجدك.  لا اجد جسدا ترنح تحت وقع ضربات المرض والالم.  ضرب المرض جسدا فوجد روحا لا تنكسر.  اين غلبتك يا موت وانت لم تنل من رجاء المشرفة؟؟ اين شوكتك يا جحيم وقد كسرت سوداويتك كسيحة حاولت اسرتها في سجن الاحباط لسنين؟؟؟  قام المعلم يا موتا وليس من ميت في القبر بعد يا فساد.  قام المسيح، حقا قام.
كان لنا ام تحدت الظلم والغبن.  كان لنا ام تقرأ المستور من سريرها وتدير كلّ شيئ من قرنتها، دون ان نعلم.  كان لنا ام اسدلت الستار على رحلتها بعد سهرانية عيد وراحت تتحضر للذهاب مع المجدلية الكبرى.  فكان ان غادرت لمّ ارتفع ربّ القداس مع البخور الى السماوات.  غادرت مع انشودة الشكر كسحابة.  ولمّ قدمت اليها وجدتها وردة قطفت للتو من حقول الورود في نوّار.
امي يا طفلة نادتها نسيبتها في الحلم اذ رأتها تعدو على دروب الحارة الفوقى، كما قبلا.  فم اجبت.  "أالى اين ترحلين؟  أالى دنيا العطر والطفولة وابيك وامك والرياحين؟؟". 
"ها اني باقية معكم زمانا قليلا يا اولادي.  وبعدها ارحل.  لا اريد ان اموت لاني لم اشبع منكم.  الا انّ الموت استحقاق وعليّ ان امضي فالملاك بانتظاري.  احبوا بعضكم كي تكونوا ابنائي وبناتي.  فالمحبة عماد البيت"، كلمات رددتها على مسامع "مروان ومازن وميرنا ومايا".  وها انك تغيبين ومازالت الجبال الاربع تردد صدى تلك الكلمات.
لقد ابكيتنا يا سيدة ضاق الصبر من صبرها.  لقد ادميتنا يا جسر البيت الذي رأيته يسقط في المنام عشية رحيلك.  فكان ان ادركت انك ماضية.  الا انك عدت فاحييتنا بالرجاء والمحبة والايمان.
امي، اتراك قد اشتقت الى فوق بعد ان ودعت ايفون وهيلانة وسليمة وماري والاهل والمعلمات وكل الجيران والصديقات؟؟  شيّعت حجارة البيت حجرة حجرة بالنظرات، قبل ان تذهبين وتعودين اليه جسما في صندوق.  ودّعت "حنّا" و"روما" والحارة.  علمت بانّ رحلتك ستكون الاخيرة.  فتسلحت بالصمت.  والصمت لغة الدهر الآتي.  قلت لي ولمروان اشياء واشياء.  افضيت من سحرك علينا كي تنضج فينا الامنيات.
امي، مازلت ارى نفسي طفلا يفر من مدرسته ويسير على الطرقات كي يبلغ مدرسة القرية المجاورة حيث مدرستك.  هناك حيث الماء والخضرة، اراك تمشين وقد انهيت صفوف "العربية" والروضة. تلبين دعوة صديقة الى فنجان قهوة طحنته القلوب وانضجته المحبة بعد طول عناء.  وتصطحبين الصبي الفار معك.
امي، ما قبل البارحة تزوجت.  والبارحة ولد لي صبي. اضحى لي بيتا.  صرت ابا يا امي.  فأضحيت ادرك معنى الابوة.  وكانّ كل شيئ قد تمم كي تفرحين به قبيل رحيلك.  صليت لاجل ذلك كثيرا.  وها انّ ما اردته قد حصل.  حصل فغادرتي وانت ترددين: "الان اطلق عبدتك ايها السيد فاني قد ادركت ما اشتهيت.  فانّ نفسي قد اشتاقت الى ديار رب القوات".  هذا ما قلته لابيك الروحي. 
امي، يا ملاك المنزل.  يا اسارير فجر ارتسمت محياه على وجه استكان بعد ان اسلم الروح.  ستبقين في بالي قصة اتلوها حتما على مسامع ولدي "ديمتري" حول جدة ناضلت وعملت ورحلت برجاء.  ساتلو عليه قصص اناسك المحبة، قصص:"سارى وايفا وسلوى ورمزى وكل الاحباء في الديار".  فالاجيال تقتات حكايات ايضا. 
تحية لك يا "ام مروان" حيث انت.  تحية لك يا رفيقة عمر "حنّا"  وسلوته، وكليمة وحبيبة "مروان"، وسند وقبلة "ميرنا ومايا"، وحبر قلم "مازن". 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق