الأحد، 30 يونيو، 2013

انيسة في البرية

ابلغت "انيسة" "المحترم" بأنها سمعت في تلك الليلة  اصداء ترنيمة، واشتمت في الجو رائحة دماء.  ابلغته بأن الهررة البرية لم تنفك تحوم من حولها طوال ذلك اليل.  اخبرته كيف انها عاينت شيخا يخرّ.  يمسك مسبحة ويصلي.  اوصاها اشياء ما عادت تتذكرها كلها.  كان يتكلم.  وكانت تموج في القاطع الاخر حيث يقيم الترابيون شياطين كثيرة وبشر من حولها.  عراك ونقار حتى الموت.  رأت "الخي"، الصبي الذي اهلكته شياطين اخيه التي سكنته لمّا استدعاها، فأضحى يهرب من شارة الصليب ويصرخ ويتخبط لمّا يراه.  فتشت عن ذخيرة الصليب التي ورثتها عن عمها، فما وجدتها.  فصرخت من المزمور:" نجني من الدماء يا الله" مرارا.  وراحت تبكي واضعة رأسها ما بين يديها.   الى ان وافاها الشيخ مجددا وطلب اليها ان ترفع رأسها وتمشي مختالة حتى بين الوحوش والهررة البرية لانها ابنة الملك.  واولاد الملك لا يخافون.  مشت في تلك البرية التي كانت كبيرة ومعتمة، تفوح من سراديبها روائح مقذذة قيل انها لابن الوحش.  لم يكن من تبقى من بني قومها كثرا.  فقد التهمت غالبيتهم.  اضحوا قلة في الديار.  واضحت حضارتهم زائلة.  ما تبقى منها الا بضع كلمات ونغمات وامكنة تحورت عبر الازمنة.  اضحوا غرباء في ديارهم  يبحثون عن مكان يسندون اليه رأسهم.  اضحى شيوخهم طريدة.
وكان حاكم تلك البرية يدعى "خوف".  كان شيئا من "خوفو" القبطي.  وقد استيقظ  لتوه مع شياطينه ليحكم وادي الموت.  "خوف" اتخذ اشكالا عدة.  فكان موت وفزع وهلع وجهل وبادية.  فأضحت وديان تلك البرية ممتلئة عظاما وامواتا يتناسلون ويصلون ويتقاتلون.  كان الاموات يصومون ويصلون ويتناسلون الا انّ وجه الرب ما بان عليهم.  طقوسهم زادتهم عنفا وخوفا وشهوات.   فرأتهم يحتسون الدماء في جماجم.   رأتهم يخرجون من تحت الارض ويعودون اليها حاملين الجثث.  كان فزع حيث وجدوا في البرية. 
فزعت وقد التهمت الشياطين كل اشيائها.  وما بقي منها الا جسدها.  كانت تخشى المشي في الليل وحيدة.  شعرت بأنّ المياه قد دخلت الى نفسها حتى الموت.  احسّت برقصات الموت من حولها.  اوشكت ان تقع بين مخالبهم.   امسكتها يد.   وارتها كهوفا تصدح انغاما وانوارا.   كهوف بمداخل ضيقة.  تحرسها ملائكة تصعد وتنزل على سلالم من نغم نورانية.   كانت النغمات اعذب من كل ما سمعت.  فعرفت عندها بأنّ الله مازال في البرية.   وادركت بأنّ حضارتها ما كانت بائدة.   كانت اليد يد الشيخ الذي عاينته بداية.  وكان يتلو "صلاة يسوع".  فصلتها معه الى ان خرجت من جوفها المياه حتى غمرت الشياطين من حولها، واقصتها.  وما كانت قد استيقظت صبيحة اليوم التالي لولا صياح ديك "فهيمة" الذي لا ينفك يبشرها بحلول الفجر مع كل يوم جديد.  انتهت قصة "انيسة" التي ابلغتها للمحترم.  فانتقد الخوري "حواء" وهلوساتها.  وتشاور مع د. "فرشو" في حالتها.  ففي يقينه انّ الله لا يخاطب الناس الا من خلال الكهنة وما عدى ذلك من الشرير، وتجاوز حدود السلطة.  وراح الشرق يغلي والقطيع الصغير يسير في برية يحكمها "خوف" الخارج من هرم خوفو ومجاهل التاريخ.


الاثنين، 10 يونيو، 2013

شاب في المرآة


شاب في المرآة

 

كتب اشياء التهمها الحاسوب، كانها لم تكن.  تبا للتكنولوجيا فهي تمحو افضل ما نكتب.  كتب عما رآه في المرآة.  وقد رأى في المرآة وجهه وهو سيتزوج غدا او بعده على ابعد تقدير.   كتب عن تردده.  كتب عن ضعفاته.  سجل كيف تعرف عليها.  راح يرقب كل حركة في وجهه.  ومع كل خط راح يستذكر ماضيه الذي ما فارقه يوما.  استرجع طفولته الجميلة والصعبة للغاية في آن.  فهو ما كان انسانا سهلا منذ طفولته.  تذكر "شيطناته" ومشاكساته مع والده.  الى ان وجد قصته حين التقى لاول مرة رئيس جمهورية وقد كان في الجامعة الامريكية.   ترأس يومها وفدا لتأييد الزواج المدني.  مازالت يد الرئيس تمتد الى سترته لتسكير ازرارها الوسطى وفي حركة محببة الى وجهه عالقة في باله.  مازال عالقا ما بين اسراريه كيف علق واخوته واصحابه على الطريق يوم اسقطت حكومة الرئيس عمر كرامي بما يسمى بثورة الداوليب.  مازال مكتوبا على جبينه كيف خيّب ظن طالبة مراهقة من عمره اعجبت به وهو بها ولم يستطع ان يدعوها الى سهرة او اصطحابها في سيارته وذلك بسبب فقر حاله وغياب جرأته على مواجهتها بواقع حاله.  كان مكتوبا على جبينه كيف انّ فقر حاله كان يدفعه الى رسم مستقبل يشعر من خلاله انه يتساوى مع الجميع.  كان عالقا ما بين اساريره اخبارا مفرحة واخرى محزنة.  كان مكتوبا كم كان يخشى ويحترم الفشل الذي كان معلمه الاكبر والاهم في هذا العالم.  كان مكتوبا كم كان حساسا ويخشى الامتحان.  فقد كانت اناه كبيرة تثقل كاهليه.  وهو مازال يتخبط كي يكبحها.  فهي سبب كربته واحباطه واحزانه.  كانت تمنعه من ان يطفو على جنبات الكون كنسر كما يشتهى.  قرأ  ما كان عليه وما هو عليه.  سبر في ضعفاته.  فعاين مخاوفه وديان.  وشكوكه وانانيته وهاد.  ومزاجيته وانفعالته عواصف تضرب الورود.  ثمّ رأى خطاياه مسجلة في لا وعيه.  شذّ الى ان اتى الله فرفعه.  مع كل وقعة كان يكتشف الله اكثر.  ويدرك بأنّ الطموح يدمّر صاحبه اذ لم يقترن بمخزون روحي.  ظنّ بأنه عاشق للحرية فهرب من الالتزام.  الى ان اكتشف انّ لا مكان يستطيع الهروب اليه من وجه روح الكون.  عرف انّ الحرية غير المسؤولة هي العبودية والموت.  كما انّ السجن في سبيل الآخر هو حرية.  لا مكان له ما بين قومه اذا ما بقي فارا.  كان عليه ان يختار وفق ما ابلغه حبر ان يختار الاقتران اما من حواء الجديدة او القديمة.  وكلا الطريقين يؤديان به الى بلوغ كمال قامته.  نظر عميقا واقلع الى حياته الجديدة.  وقال: "غدا سأتزوج الحسناء التي اهدتها لي مريم.  تلك التي التقيتها في محفل عزاء والدها منذ عام حين عدت من الجبل".  تبادل معها النظرات يومها.  الا انّ المناسبة ما كانت للغرام.  عرف بأنه سيعود فيلتقيها في مكان ما وزمان ما.  فما جرى كان مدبرا من فوق.  وافى الى عزاء دون ان يخطط لذلك.  وهي لم تعرف لم هو وافى.  اذ انه عرفه والدها قليلا جدا في العمل، قبيل تقاعده من سنوات.  صلّى كثيرا كي يتخلص من تردده ويتخذ القرار.  فأتته اشارة الى انه سييتزوج، وهو في حديقة العذراء يصلي مع رهبانها.  وضعتها في طريقه وهو في طريقها مباشرة بعد عودته.  وها هو يستعد للزواج من اجمل امرأة وانقاها واطهرها.  داس ضعفاته وسأل الله ان يفتح محركات قلبه وان يخضّع العقل له.   فلا يعود يرى في الناس "لا كمالهم".    سلم امره لمدبر الكون ومشى واثقا.  فدنيا القلب تبدأ مع نهاية عوالم العقل.   ودنيا القلب هي دنيا ربه التي ينتمي اليها كل من اسلم له نفسه بالكلية.  تطلع في المرآة فرأى عوالم جديدة ترتسم على وجهه.  تمتم كلمات قليلة ومضى كي يتمم ما يفترض به ان يفعله مسرورا.