الجمعة، 1 أغسطس، 2014

لمّ تزوج برهوم

لم يكن "برهوم" يتصور بانه سيتزوج هكذا سريعا وبانه سيلتقي عروسه بهذه البساطة.  وهو لم يعرف بالبساطة.  فقد تعود ان يخطط ويعمل لكل شيئ. 
الا انه وهذه المرة وعلى اثر عودته من رحلة الى جبل مريم في بلاد الاغريق، برفقة حبر شيخ، عاد بتصورات جديدة وافكار جديدة.  فعلى ما يبدو فانّ بحر الاغريق، المسكون ارواحا وقصصا وحكايات واساطير، قد فعل فعله به.   فمنذ عاد بدأ يسلم نفسه لروح الكون.  وقد قيل بانه التقى اناسا في جبل الاغريق من طينة مختلفة.  اناس صلوا له وحملوه الى فوق.  فكان ان انتشلوه بدعائهم من بعض الوحول حيث كان يغرق.  واروه ما كان عليه.  فسقطت الغشاوة عن عينيه.
التقاها عفوا لمّ عاد في مجلس عزاء والدها.  وهو قد اتى لتأدية واجب براقد عرفه قليلا جدا.  وبالحقيقة لم يعرف "برهوم" لماذا اتى الى عزاء رجل عرفه قليلا.  الا انّ روح الكون ضرب له موعدا لم يكن بالحسبان.  وصار المآتم باعث لقاء.  لم لا فالمأتم عرس في يقين قومه ومعتقدهم.
تتالت لقاءآته بها.  وتأكد انها هي من خلق لاجلها.   فتتوجت علاقته بها بخاتم خطوبة وببركة من لدن العلي.  سارا الى الزواج دون تردد.  سارا وكلاهما بالعادة كانا يخافا الاستحقاقات الكبرى خوفهما الفشل.  واذا بهما بعد اشهر يسيران في معبد رصد البحر منذ مايات السنين، ويتوجهان الى الهيكل حيث استقرت مائدة ونبيذ واكليلين.
ثمّ صار يخاطبها، وعبق الانغام يرتفع من حوله، في صمته:
"اراني اقف اليوم واياك امام الله والناس كي نشهر وعدا ابديا باننا سنحيا سويا ونموت سويا.  والحب يغلب الموت. 
تراني اقف اليوم في حضرة الله والتاريخ والرسوم وشخصياتها التي تألهت.  اقف ممسكا يدك يا امرأة لا تشبه الا نفسها واتوجه واياها الى الابدية.   فنختفي سويا في عبق البخور.  نرتفع معه.  نحلم معه.  نخطف معه الى حيث يتكامل البشر ويتألهون. 
تراني الاقيك ممسكا بيدك سيدتي واسير بك الى ما يشاء الله على انغام سماوية وظلال احجار شهدت لدهور.
سيدتي، جميلة انت كعذراء المكان التي بني الهيكل لتكريمها.  سيدتي، كبيرة انت كبر المكان وعميقة انت عمق الزمان.
انتصب واياك في معبد انتصب على اسم سيدة العالم التي كنت زرت حديقتها قبلا وابلغتني بانها ستزوجني بنتا من بناتها".
فزيارة "برهوم" لها كانت غالية.  في احدى  قراني الكنيسة جلست امرأة اقعدها المرض على كرسيها المتحرك.  وراحت ترصد ابنها وعروسه.  وهي قد حلمت وصلت كثيرا كي تدرك تلك الساعة.  توقعت انّ تحبل عروسه سريعا.  فمشوارها على هذه الارض لن يطول كما ابلغت.  الا انها كانت تعرف انها لن تقفل عيناها الا بعد ان ترى حفيدها. 
خرج برهوم من المعبد من حيث دخل.   الا انه خرج منه برفقة رفيقة وزوجة وام واخت وملاك يرصد خطواته كي لا يزل.  خرج وعبق الليمون يفوح من جنائن ذلك الدير المطل على المتوسط الذي طالما بهره.  خرج ورحل ابعد من "كفرنسيان".  ركب البحر ومضى في رحلة استجمام وهو ممتن لصلوات امه التي راحت تعدّ عدتها للرحيل في مشوارها الى الضفة المقابلة.  اما العروس فكانت ممتنة لروح والدها الذي كان قابعا في المكان يشارك العائلة سحر اللحظة. ويتطلع اليها واليهم من فوق برضى.  وهو قد ابى ان يستريح في دنياه قبل ان تجد طريقها.  احست انه يشيعها وقد اطل في نظرات امها واخوتها واخواتها.
ظنّ انّ ما حدث كان ضربا من ضروب القدر وآلهة الاغريق.  الا انه عاد فعلم انّ ما حصل كان ترتيبا الاهيا.  فحين يشاء القدير تستجيب الاقدار. 
بدأ حياة جديدة.  وما عاد يعيش لنفسه بل لغيره، فصار لحياته معنى.  اكتشف انّ السعادة الحقيقية لا تتحقق الا بالتضحيات، وما عدا ذلك فسراب يقتل ويدمر ويغرق.  لا يرتقي الانسان الا بالتحديات.  لا يصفو الا بالتضحيات.  لا يعبر البشري الى فوق الا بالضيقات.