الثلاثاء، 22 يوليو، 2014

قصة بيت


 


 
كانت الريح تضرب الحارة القرميدية المكتسية صخرا والقابعة على صخرة من صخور  "كفرنسيان".  والحارة كانت تنطحها. 
وكانت ام "برهوم" تحتضن اولادها في الداخل كدجاجة، متكلة على ربها كي يقيها واولادها انواء العواصف.  وكان الاولاد يلعبون والنار ترسل من الداخل رسائل سلامية تخطها مدخنة في مصحف الاديم المتعطش الى الكلمات.  اختلف العالم في الخارج عمّ في الداخل.  وقد كان للداخل بوابات وامخال تنطرها ملائكة سمّرت على حوائط الحارة العتية صورا لملوك وبطاركة قديسين رحلوا.  اقاموا في المكان.  فاضحوا يشاركون الاولاد وامهم حاضرهم بعبق ورحيق ماضيهم.   كانوا امثلة للفتيان والفتيات.  كما كانت الوالدة تستحضر سير قادة استطاعوا حفر الصخر بفعل محبتهم وصبرهم وايمانهم.  وغدا يكبر الاولاد والاحلام تصبح حقيقة والامنيات واقعا.  غدا حتما سيكون يوم آخر.
كانت الرياح والعواصف تعصف خارجا.   والعواصف حروب ايضا.  وقد قيل انّ اللذة اسرت الكثير من الناس خارجا وجعلتهم رهائنا.   وكان يوافي العم "مغلي" ابن البراري محملا بقصصه حول الحرية والثورة والبرية.  تلا عليهم عصر ذلك اليوم قصة "ابن آوى" الذي اسره مرة.  فبلّ طرف ذيله بالوقود، واشعله.  واطلقه الى حيث غريزته تقوده.  فعدا باتجاه دجاجات "ايليا" لالتهامها وايضا هربا من النار التي راحت تستعر بفعل الهواء حتى التهمته قبيل وصوله الى محيط التبّان حيث كانت الدجاجات.    والكثير من الناس كانوا يشتعلون في الخارج ويشعلون العالم من حولهم.  ثمّ تكلم عن اتفاقية "سكس بيكون" اي "سايكس بيكو".   واعتبر انّ الطلب الشديد على "البيكون" (الجبنة الاجنبية المعروفة) والجنس (الساكس) اعمى الكثيرين.  فتفلتت عيونهم من ميادينها، فسقطوا.   وابلغهم ان النفوس كي تدرك الجمال عليها ان تتغذى روحا.  
و"برهوم" احبّ الجمال.  فكان ان قرر تغذية اخيه واختيه ريحا وصون اعينهم في ميادينها.  فصار يحصر نظره بشهيقه وزفيره ولا ينظر ابعد من هناك، وذلك كي تكون عينه في ميدان نفسه.  وعلم اخوته هذه "العلومية".   كما راح يفتح النوافذ، في كل مرة تهب الريح كي يقتاتوا جميعا روحا.  فكان ان اصيبوا بالبرد ومرضوا.    ولمّ استقصت الام عن السبب، علمت انّ الاولاد اشبعوا انفلوانزا جراء التعرض للريح في فصل العواصف.   فكانت ان عاقبت "برهوم" صاحب النظرية.  وبكى الصبي الما.  وذلك لانّ مقصده كان ان يغذي اخوته روحا وليس بردا و"انفلوانزا".  
فالعقاب كان بانتظار من يخالف قواعد المنزل التي تصون البيت من الخارج.  فالنوم بعيد شروق الشمس، كان ممنوعا.  اذ انّ اشعتها اذا لامست النيام تفسدهم .  والمبيت قبيل الغروب قاعدة ذهبية تضمن سلامة المنزل وسلامه.  
كانت الملائكة تحمي البيت.   ولكم حملته مغبة ان يقع في النار!!  فقد كانت النار تلتهب من حوله وفيه دون ان يتحرق.  
احلى الجلسات كانت حين يوافي الاسمر كي يحلّ ضيفا على طاولة الوالد.  فيلتهمان الاطايب ويحتسيان العرق.  وينتظر الاولاد مفاعيل المشروب العجائبية على الكهل الظريف.  الذي يروح يرقص.  ويبني قصورا في الليل سرعان ما يمحوها النهار.  
كما كانت توافي العمة "اليس" التي حصّلت من معارف الدنيا الشيئ الكثير في الادب الفرنسي والروسي.  وقد بدأت تفقد ارتباطها بالواقع.  وتعيش في عاملها التوليستوي.   فتنطق باشياء غريبة ومفيدة.   فتدعو اهل المنزل الى الاستحمام ولو مرة في السنة، بالدموع والتنهدات كي يبرأوا!!!  كما تدعوهم الى التنبه من اولاد آوى.  وسرعان ما كانت تعود الى الواقع بعد انتهاء رحلاتها في عوالم روسيا وقصور فرنسا.   كان لذلك البيت روّاد.  كان لبيت ام "برهوم" روح.  وروحه كانت هي. 

الأربعاء، 9 يوليو، 2014

رسالة من ابن الى ام في السماوات


ما عساي اقول لك يا امي؟؟
ما عساي اقول لك يا ملاكي؟؟  وقد اضحيت في الضفة الاخرى من نهر الحياة، هناك حيث تقيم حوّاء امك وحبقوق والدك وعمك واخيك وكل اهل حارتك وبيتك ممن احببت.  اضحيت هناك وانت لا تفارقين من هم هنا. 
ما عساي اقول لك يا نائفة اي ياعالية وراقية ومشرفة؟ وقد ضاعت مني المعاني في بحر قاموس الاسماء.   ماذا اقول عنك يا امرأة عبرت سريعا جدا ربيع العمر الى خريفه دون ان تدرك اطايب الصيف وحلاوة السمر، فحصدها الشتاء باكرا.  ايكون الاحتباس الحراري ذاك الذي يمحو الفصول قد فعل فعله؟؟  تبا للمرض والالم والموت.
ابحث عنك يا مربية، في اماكنك.  ابحث عنك يا ناسكة المنزل ولا اجدك.  لا اجد جسدا ترنح تحت وقع ضربات المرض والالم.  ضرب المرض جسدا فوجد روحا لا تنكسر.  اين غلبتك يا موت وانت لم تنل من رجاء المشرفة؟؟ اين شوكتك يا جحيم وقد كسرت سوداويتك كسيحة حاولت اسرتها في سجن الاحباط لسنين؟؟؟  قام المعلم يا موتا وليس من ميت في القبر بعد يا فساد.  قام المسيح، حقا قام.
كان لنا ام تحدت الظلم والغبن.  كان لنا ام تقرأ المستور من سريرها وتدير كلّ شيئ من قرنتها، دون ان نعلم.  كان لنا ام اسدلت الستار على رحلتها بعد سهرانية عيد وراحت تتحضر للذهاب مع المجدلية الكبرى.  فكان ان غادرت لمّ ارتفع ربّ القداس مع البخور الى السماوات.  غادرت مع انشودة الشكر كسحابة.  ولمّ قدمت اليها وجدتها وردة قطفت للتو من حقول الورود في نوّار.
امي يا طفلة نادتها نسيبتها في الحلم اذ رأتها تعدو على دروب الحارة الفوقى، كما قبلا.  فم اجبت.  "أالى اين ترحلين؟  أالى دنيا العطر والطفولة وابيك وامك والرياحين؟؟". 
"ها اني باقية معكم زمانا قليلا يا اولادي.  وبعدها ارحل.  لا اريد ان اموت لاني لم اشبع منكم.  الا انّ الموت استحقاق وعليّ ان امضي فالملاك بانتظاري.  احبوا بعضكم كي تكونوا ابنائي وبناتي.  فالمحبة عماد البيت"، كلمات رددتها على مسامع "مروان ومازن وميرنا ومايا".  وها انك تغيبين ومازالت الجبال الاربع تردد صدى تلك الكلمات.
لقد ابكيتنا يا سيدة ضاق الصبر من صبرها.  لقد ادميتنا يا جسر البيت الذي رأيته يسقط في المنام عشية رحيلك.  فكان ان ادركت انك ماضية.  الا انك عدت فاحييتنا بالرجاء والمحبة والايمان.
امي، اتراك قد اشتقت الى فوق بعد ان ودعت ايفون وهيلانة وسليمة وماري والاهل والمعلمات وكل الجيران والصديقات؟؟  شيّعت حجارة البيت حجرة حجرة بالنظرات، قبل ان تذهبين وتعودين اليه جسما في صندوق.  ودّعت "حنّا" و"روما" والحارة.  علمت بانّ رحلتك ستكون الاخيرة.  فتسلحت بالصمت.  والصمت لغة الدهر الآتي.  قلت لي ولمروان اشياء واشياء.  افضيت من سحرك علينا كي تنضج فينا الامنيات.
امي، مازلت ارى نفسي طفلا يفر من مدرسته ويسير على الطرقات كي يبلغ مدرسة القرية المجاورة حيث مدرستك.  هناك حيث الماء والخضرة، اراك تمشين وقد انهيت صفوف "العربية" والروضة. تلبين دعوة صديقة الى فنجان قهوة طحنته القلوب وانضجته المحبة بعد طول عناء.  وتصطحبين الصبي الفار معك.
امي، ما قبل البارحة تزوجت.  والبارحة ولد لي صبي. اضحى لي بيتا.  صرت ابا يا امي.  فأضحيت ادرك معنى الابوة.  وكانّ كل شيئ قد تمم كي تفرحين به قبيل رحيلك.  صليت لاجل ذلك كثيرا.  وها انّ ما اردته قد حصل.  حصل فغادرتي وانت ترددين: "الان اطلق عبدتك ايها السيد فاني قد ادركت ما اشتهيت.  فانّ نفسي قد اشتاقت الى ديار رب القوات".  هذا ما قلته لابيك الروحي. 
امي، يا ملاك المنزل.  يا اسارير فجر ارتسمت محياه على وجه استكان بعد ان اسلم الروح.  ستبقين في بالي قصة اتلوها حتما على مسامع ولدي "ديمتري" حول جدة ناضلت وعملت ورحلت برجاء.  ساتلو عليه قصص اناسك المحبة، قصص:"سارى وايفا وسلوى ورمزى وكل الاحباء في الديار".  فالاجيال تقتات حكايات ايضا. 
تحية لك يا "ام مروان" حيث انت.  تحية لك يا رفيقة عمر "حنّا"  وسلوته، وكليمة وحبيبة "مروان"، وسند وقبلة "ميرنا ومايا"، وحبر قلم "مازن".