الثلاثاء، 28 أغسطس، 2012

فصل من قصص "يوسف الرسول" وبناته وصبيان الحارة

انشغل «يوسف الرسول» بالسياسة والامن مؤخراً. وهو ما ادمن عليهما بل على التجارة وعلى تلاوة الرسائل في الكنيسة في كل احد ومناسبة. وتلاوة الرسائل قد أكسبه موقعاً متقدماً ولقب «رسول»، امّا التجارة فأمّنت له الغنى والعيش الكريم. الّا انّ شيئا ما قد حصل في حياة ذاك التاجر الذي عرف عنه بأنه لا يغادر متجره في السوق الجديد، الّا في اليوم الثامن وايام الاعياد، او اوقات زياراته لطرابلس بهدف التبضّع. ومتجره هو واجهة لمنزل يمتدّ عميقاً خلفه، ويشكل امارة حكمها. فشكّلت خزانا تموينيا للمحلة وسائر الجوار، وتنوّعت خصائصها المادية ما بين الخرضة والمواد الاستهلاكية والبنزين والحلوى والخضار. ولقد استوطن الامارة بنات الحاكم!! فازداد عدد الزبائن من شريحة الشباب المتلعثمة، اذا ما حضرن. وكان الخجل يتملكهنّ في كل مرة كان يحضر "فقّوس" الذي كان يغدق عليهنّ بفيض الغزل، فيخجلنّ ويخفضن رؤوسهنّ. لقد شكّل الغزل سلاح الصبي الفتّاك لزرع الخجل بغية السطو على بعض الحلوى الطرابلسية المعروضة في الصندوق الزجاجي في ذلك الدكان والتهامها بسرعة، او وضعها ببساطة في محرمة جيب طويل لمعطف أعدّ خصيصا لمثل هذه العمليات. ومثل هذه الانواع من الجيوب اشتهرت بها عائلة ذلك الصبي الرذيل الذي تخصص في السطو على الاطعمة. فحتى "سليمة" لم تسلم من غزواته، على الرغم من اسمها المصون وسطوة زوجها وكثرة عدد بنيها وتعاظم قدراتهم الجسدية. فقد سطا مرة على "غمتها" التي كانت تحضر على الحطب، وأبدلها ببعض من "فروج" كان قد سباه من طنجرة امرأة اخيه. فكان ان تسبب بعكرة استكملها بالاعتداء على "خوابي" زيت ابيه الذي باعه من دون ان يُيَتِّم الاجران التي ملأها ماء، من دون ان يبخل عليها ببعض من الزيت كي يطفو على السطح. فيطمئن له والده الذي تعوّد زيارة كنزه مطمئناً الى سلامته وجودته، حتى حان موعد البيع فحصلت الفضيحة. وتحسّر الوالد على تعبه، وشكا ما اصابه الى الكراكون (مغفر الدرك). انشغلت سلالة "يوسف الرسول" بحلّ مسألة تناقص كميات الحلوى في ذلك الدكان-الامارة الذي عجّ بالأنشطة التجارية، في مثل هذه اللحظات المصيرية من تاريخ المنطقة والبلد. ما أرادوا إعلان موضوع تناقص كميات الحلوى خوفاً من تأثر سيكولوجيا الزبون، فيظنّ ان الدكانة قد تمّ اجتياحها من قبل الجرذان او انّ الامن فيها قد اضحى مخروقاً، لا سمح الله. فكان ان تمّ اتخاذ قرار عائلي وقّع عليه كل افراد العائلة، وتألف من مادتين. المادة الاولى: "ضرورة الطلب الى الزبائن التصفيق عند انقطاع التيار الكهربائي". فالمثل يقول "عند تغيير الدول احفظ رأسك"، والتصفيق عند انقطاع التيار الكهربائي الرسمي بانتظار وصول كهرباء الموتور ضرورة لحفظ الرأس والجيب. وبالفعل، أضحى "يوسف" يصدح عند كل استحقاق كهربائي: "هلمّ يا معشر المؤمنين، فلنصفق حتى يأتينا التيار الكهربائي سريعاً !!". وقد نسب هذه المقولة الى الآباء القديسين، كي يعطي مساره مشروعية دينية. واضحى التصفيق سيّد الاستحقاقات، فذاع صيت "يوسف" بأنه خطيب انقطاع التيار الكهربائي المفوّه. فراح وزير الطاقة والمياه يدرس إمكانية ترشيحه للانتخابات من قبل تياره. فكان ان قاطع دكانة "يوسف" كل المعارضين، فانتكست الحركة التجارية عنده. المادة الثانية: "إقفال البوابات الدهرية ليلا والاحتكام الى السلاح عند الحاجة للنطارة". فعلى ما يبدو انّ عكرة "فقوس"، معطوفة الى تداعيات الربيع العربي على لبنان، كان لها اثر بالغ على وضعية المحلة وصفو العيش. نعم، فالمعلم "يوسف" ما عاد يكتفي بإقفال بابي المحل الداخليين الخشبيين المخرّمين بالنوافذ الزجاجية، بل اضحى يغلق ايضا البوابات الخارجية. تلك التي لها مفاتيح يتعدى وزنها الرطل. واضحت سلالته تصدح عند سماع اي ضجة: "عرفناك. شفناك. ادركناك. خلّيك عند. انتبه البيت مسلّح". امور، بحسب المراقب المخضرم "حنّا عيد"، ان أشَّرَت الى شيء إنما تؤشر الى تراجع الوضع الامني في المحلة. فإغلاق بوّابات المحال الدهرية، التي ما كانت تقفل الّا عند حصول وفاة او زيجة او ما شابه، امر مستنكر. واعتبر انّ ما حصل في المحلة المحفوظة من الله لا يمكن فصله عن مظاهر "باربيكيو (شَوي) الدواليب" في كل مكان. كان فرح "يوسف" يكتمل عادة عند تلاوته "رسائل بولس" في كل قداس، كما عندما يستوي على عرشه في دكانه، فيحتسب غلّة نهاره. لكن ليس بعد اليوم، فالقلق أضحى يسكنه حتى انّ الفلوس التي راحت تتناقص ما عادت تعطي نفس المفاعيل عند لمسها وشمّها. نعم لقد تغيّرت المحلة، لم تتغير بفعل عوامل خارجية بل بفعل خوف الناس. فـ"فقوس" كان وما زال هو هو. الّا انّ المحللين قد كبروا الفشخة، والحكّام ما عرفوا كيف يحفظون الهيبة. فكان ان حصل ما حصل.

الياس الاخضر

طانيوس ولد حنّا، وحنّا ولد الياس. فكان الاسم الياس حنا طنوس صافي. عائلته نمت في محيط الدير. فأضحت "ديرية". نشأت حيث الصفاء يستقر في النفوس فيطبعها ويتخذها له. فأقام فيهم نسلا له. كان الياس ابن "الصافي" وابن الارض التي ما فارقها يوما. قرأ فيها، وقرأ منها، وقرأ عليها من نواميسها. لم تغادر البسمة ثغره ولم تفارقه نعمة "الرضى". كان بسيط العين فكانت نفسه وجسده سليمين. ضبط لسانه وصانه. اقترن بالفلاحة والمواسم ومن شابهه. فأضحى فتى الحقول يفهم طرائقها وفنونها. لمّا كنت اراه كنت اقول مازال في بلدتي طيبة. مازال في ارضنا خير. ولم يحجب الله نور وجهه نهائيا عنّا!! اتيته مودعا قبيل ساعات من ترحاله. فعرفني، الا ان نطقه كان قد خار. فأبتسم وتطلع بي مودعا. جلس قبالتي وراح يحتجب ثمّ يعود. لقد كان ينتظر على ما يبدو تجلي الرب. فيعاين مجده ويتزود من انواره قبل رقاده. قيل لي انه لم ينم في تلك الفترة لليال. فهو كان ينتظر العريس كي يستكين. كان ينتظر العريس ك"فتاة عاقلة" من الكتاب اوقدت سراجها وراحت تنتظره. فوافاه واخذه الى خدره. فرحت به ارض "مار سركيس" لمّا اقتبلت جسده. وهو الذي داعبها وقبّل وجناتها ودللها ودللته. تفرح الارض بالاطفال من ابنائها. كما تموّج الزيتون لمّا وافى تربته. تموّج كي يعطّر له حر آب اللهاب، نسائم عليلة. الياس يا ابن حارة شفيعك وسليل محلة ديرية وحبيب نجم البرية، اذهب الى حقولك حيث الزيتون والغيوم والخضرة والبهائم تعيش جميعها بمسالمة مع البشر!!! اذهب الى حيث "لا طمع"!! اذهب الى حيث يقتات البشر من خبزهم "كفاة يومهم" ليس الا!! فلا يقتلون لغريزة ولا يتقاتلون من اجل موقع او مال. اذهب الى حيث الموتى احياء لانّنا اموات ها هنا. اذهب الى حيث لا ينتهك الفردوس ويخدش بطمع البشر وطرقهم وفنونهم المعوجة!! اذهب الى حيث الاستقامة. اذهب الى حيث تعيش الارواح جميعا بمسالمة. اذهب الى هناك يا اخضرا من اهلي ما خدش امه الطبيعة يوما، ولا انتهكها دون سبب. فحيث انت ماض اسراب القديسين والابرار والرهبان يحيون وينتظرون قدوم الديّان. .

الأربعاء، 22 أغسطس، 2012

ليلة عرس

وقف في غمرة من وقفوا لدى دخولها قاعة عرسها. وراح يدندن سكرانا غنوة شارل "ازنافور" التي خصّ بها ابنته "اعرف انّ ذلك اليوم آت لا محالة لانّها الحياة يوم ترحلين فأعود الى منزلي ممسكا يد امك وحيدا فندخل صحراء المنزل حيث لا تكونين". ادرك "سليم" انه اليوم. فالفارس وافى على صهوة جواده كي يخطف منه ابنته. احسّ بمشاعر غريبة. وكادت ان تنهمر من عينيه الدموع لولا لم يتد
ارك ويعرف بأنّ المناسبة سعيدة. ثمّ ضاع في غمرة الضيوف وراح يتطلع الى وجه الابنة الذي شابه وجه امها وامرأته. احسّ للحظات انّ العرس عرسه لولا، غياب امه وابيه. ثمّ فرح لانه خطف وللحظات الى اسعد لحظات الماضي. آه لو لم يعيده الواقع الى غمار تلك السهرة!! ثمّ بدأ يتأمل العروس من كل الزوايا ويتذكرها طفلة تغمر البيت عجقة وفرحا ومرحا. استرجع كل ذكرياته. استرجع كيف كان يحملها واخواتها في الحرب هربا من دوي المدافع بحثا عن امكنة اكثر امانا، حتى لو كانت اكثر قتاما وعتمة. راح يشهق لمّا تذكر ضروبها الطفولية التي كانت ترهقه. ثمّ ابصرها كشافة تغني وتتمايل مع نار المخيم مع رفاقها ورفيقاتها. لم يعرف لما شعر في هذه الدقائق انّ حياته مالت الى الغروب؟؟ شعرت انّ "سليما" كان ثملا من خمرة الحياة والتحولات. اعترته مشاعر متناقضة من الفرح والحزن والحنين. سرّ كثيرا بالوجوه التي تقاطرت من كل البلدان للمناسبة. والوجوه هي لاصدقاء واتراب هم الاقرب الى قلبه وحياته وتاريخه. قبلهم فردا، فردا بدماسة. ومضى الى طاولته يحتسي من خمرته. اما "جيزيل"، ام العروس وزوجته، فقد شاركته الكأس. الا انّ الحياة كانت اقسى عليها. وكانت تلك المرأة اكثر افصاحا عن مشاعرها. ضمتني، وقبلتني بحرارة، قائلة: "اتعلم. ما رزقني الله صبيانا، الا اني كنت اعتبرتك و"مروانا"، ولديّ ومنذ فتوتكما". انتظرت تلك المناسبة كي تفصح لي عن ذلك. فكان ان دمعت عينيّ. واحتسيت من كأسي ونبيذي قدرا كافيا. واسترجعت ايامي مع تلك العائلة. فاستذكرت ايام الفتوة مع "زينة" و"جيهان" وحتى "نيلى" الصغيرة. بدت "جيزيل" متعبة من ضربات المرض. كانت حزينة. الا انها كانت فخورة، وقد كبرنا. فرحت، لمّا قدمتها الى صديقتي التي راحت تتطلع اليها. همست في اذنيّ مبلغة اياي انها جميلة كصبح ورقراقة كجدول وهادئة كليلة صيف. حاورتها بضع كلمات ومضت. اما العروس فقد كانت في ذهول. لا تصدق انها هي اليوم في الرداء الابيض. وهي قد اعتمرت الثلج بالامس رداء. رقصت مع عريسها، رقصات ما رقصتها حتى مع نسمات بيادر "فغري" حيث كانت تنطر المخيم الكشفي. اشرقت كشعاع شمس كسر عتمة مغاور الجبال. "زينة" هي عروس حقيقة اليوم. تلعب دورا طالما تمرنت عليه في طفولتها مع سائر بنات وابناء البلدة. هي القصة في تلك الليلة والنجمة والحلم والعروس. ترقص مع عريسها. والدنيا كانت ترقص من حولها. الجميع اتى كي يشهد فرحتها. اتوا ليشاركوها فرحة صيرورتها امرأة اقترنت بزوج كي تستولد للحياة ابناء وبنات. علت الموسيقى وطار المكان. ارتحل عن بيروت "الاطر المحروقة" و"النفوس المحتجزة". ابعدته الموسيقى عن كل شيئ. حتى الطرق المبتورة والتصريحات النارية واخبار الحوارات الدهرية والشكلية قد زالت في تلك الليلة. فالعروس هي الحدث وما سوى ذلك خلع مع النعال خارجا. ففي عرس الحياة تطفو اللحظات الثمينة. فتزول المشكلات ولو لدقائق او لحظات. نعم، ففي عرس الحياة تخرج الذكريات والمشاعر والاحاسيس من سجنها القتّال، فتخلط بالواقع كمشهد سوريالي على حلبة البقاء.

الخميس، 16 أغسطس، 2012

"ريشو": أذكى المخلوقات على الارض

"سنصنع ربيعا مختلفا للمحلّة. سنزيل الطبقة الفاسدة. الثورة آتية يا شباب. نعم انها الثورة. ألا فاضرموا النيران على التلال. احضروا الاطارات. اشعلوها. قوموا. اقعدوا. شاغبوا. انها الثورة. الثورة... ألا فامضوا وادفنوا جثث أجدادكم القابعة معكم في منازلكم. تطلعوا الى الغد. فثمّة عصر جديد". هذا بعض ممّا كان يلفظه فم "ريشو" المذهب، الذي تعرّى بفعل عوامل الطبيعة والسوس والزمن من معظم انيابه. وقد كان يقبع بعض الوقت في سوق تلك المحلة كي يسوّق افكاره. افتخر "ريشو" بكونه من المخلوقات الذكية في الحجم التي تستهلك قليلا وتفعل كثيرا. وبالفعل لم يتعدّ حجمه مترا ونصف المتر في الطول وبضع السنتيمترات في العرض في احسن الايام. كان يقتات اخبارا ويتنفس اقوالا. قال مرة انّ تصميم ما يعرف بالسيارة الذكية قد تمّ سرقته عنه. واعتبر بأنّ الطول هو لازمة ما لا يلزم، وترجمة لرغبة رأسمالية دفينة ما عند الخالق. وكان كلما التقى بطويل يقول له: "انت رأس مالي، اني اعلم. وانت تستهلك اطعمة اكثر مني، وكميات قماش اكبر. وحركتك ومفعولك هما اقلّ بكثير مني. قل لي لِم كل هذه القامة؟؟ ولِم كل هذا الحجم؟؟ لا تتباهى بنفسك كثيرا، فكلك شطط يا رجل". كما كان يقول إنه رافق مظاهرات البحارة في صيدا ونضالات الزعيم الصيداوي "مصطفى سعد". ادعى بأنّ الشاب "رفيق الحريري" الذي اصبح لاحقا رئيس الحكومة الشهيد، كان يتولى شخصيا وضعه على كتفيه والسير به، وذلك بوصفه احد كبار الرديدة ممّن خَفّ حملهم وصدح صوتهم. أحبّ إضرام النيران والبحث عن الذهب. وربطته بالاكليروس علاقات سيئة نتيجة اعتباره انّ المسيح اغتيل كالرئيس "الكندي"، اي الرئيس "جون كينيدي"، من قبل "اللوبي الصهيوني" في الولايات المتحدة الاميركية. هكذا بدأ خلافه مع الاكليروس. وتطوّر لمّا اعتنق مبادئ "كارل ماركس" الذي اعتبره نبياً. وقد سأل امراته مرة ان تسخّر الخوري "طنسى"، الذي وافى لزيارتهم، حمل زبالة المنزل الى برميل النفايات. فكان أن تسبّب تصرفه بعكرة، كادت ان ترمي به خارج المحلة. فنال جرّاء ذلك نصيبه من السباب واللكمات. وما زالت تشكل قصصه مع الخوري طبقا دسما على مائدة مناقشات اهل المحلة "المحبوبة من الله"، كلما دعت الحاجة. فـ"ريشو" كان يعتبر الخوري عاطلا عن العمل، وانّ "العطالة دكان الشيطان"، وانّ أسوءها هو المقنّع. فتلك تجعل من الشخص ينمو في الحجم، من دون ان يضطرد فهما ونضجا بالضرورة. كره الالقاب الّا لقب "الرفيق"، فـ"الالقاب تعطل الناس وتقتل انسانيتهم وانتاجيتهم". كان "ريشو" مسموعاً لكن غير مستجاب لدى اهله. فقد كان يحصل دوماً عكس ما كان يطالب به. حتى أضحت "نجوبي" الجارة تسأله معاكستها كي تتحقق مآربها. فحصل تحالف ما بينهما ضد مصلحة المجتمع. عرف بعلاقاته بـ"سعّود" العرّاف الذي كان يرشده في مسيرته للبحث عن الذهب. فسعيا معاً لفكّ الطلاسم والارصاد، لكن من دون جدوى. فأضحيا ملجأ لكلّ انواع الجن، حتى انّ عائلتهما هربتا منهما. فاستعيض عنهما بالماعز والدجاج. كما أغرم "ريشو" بإشعال الحرائق والنيران حتى انه قيل به انه اضرم النار مرة في فستان جارته "انوش" التي اشتهاها ولم يحظ بها، بالنظرات. ولمّا مرض رفض الذهاب الى المستشفى على رغم توصيات د. "فرشو" المشهور في نطاق المحلة. فكان أن التجأ الى احد تلامذته المدعو "الحج" الذي راح يطبّب مرض معلمه، "سرطان المسالك البولية"، بالاعشاب حتى توفي وحيدا في غرفته تماما كالرفيق "ستالين". وهو قد تعلّم منه انه لا يمكن الوثوق بالاطباء، وخصوصا اذا كان الشخص في دائرة الاستهداف. ولمّا رحل نعاه الرفيق "يعقوب" والطبيب الرفيق "فرشو"، كما الجن وكل اعضاء حزب ومناضلي تلك المحلة الذين لم يكونوا كثراً. بكاه الجميع، الّا الرأسمالية المستوحشة. اما الطغمة الكهنوتية، فقيل انها اقامت له مراسم الدفن بطلب من عائلته. وصلّت على نيّته، سائلة عارف القلوب ان يمحي هفواته ويتقبله. هكذا كان "ريشو"، خلطة نافرة من كل شيء. خلطة ما خَلت أحيانا من الحكمة. وهكذا هم بعض من اهل تلك المحلة التي عرفت. فكأنّ الومضات لا تغيب عن السواد، وكأنّ الحكمة تمتزج بما تشاء وتنطق في من تشاء. فلا ندن أحدا البتة، ولنعرف كيف نتحوّج، حتى من "ريشو"، ما يناسبنا.

الاثنين، 6 أغسطس، 2012

صاحبي في شباك ساحرة بوهيمية

اعتقد بأنه اعتزل الحبّ زمانا. اعتقد ايضا بأنه لم يكن معدا لكلّ ذلك. الا انه التقاها. ولمّا ابصرها للمرة الاولى، احسّ بأنهما قد تواجدا معا في مكان ما وزمان ما. فاحتار في امره. وسأل اين ومتى التقيا؟؟ لم يوفق بالاجابة. أتكون الذاكرة قد خانته، ام انه قد بدأ يمرض؟؟ فقال: "تباً للعقل المحدود". ثمّ ايقن انهما التقيا في لحظة ما في المجرة، عند منعطف كوكب او عند لطوة درب في مسلك من مسالك هذا الكون؟؟ أكانا ومضتين أبحرتا معا في مجرة افكار واكوان ما قبل الولادة؟؟ كل ما يعرف هو انه قد ضاع في بحر جمالاتها. كما يتوه قارب عند تلاقي صفحتي الازرقين المتوازيين في المجهول. جميلة هي وساحرة كأميرة بوهيمية. رزق اميرة على رغم انّ عصر الاميرات قد ولّى. هو المتيّم بقصص اميرات بوهيميا واسكندينافيا والبلقان. ما تجرأ فسألها عن رقم جوّالها لأنه كان متأكدا بأنها ستعود فتبان في طريقه. كان مقتنعا بأنّ الكواكب والاقمار لعبت لعبتها ورسمت مساره. فمضى. وبالفعل اجتمعا مجددا. فالتقيا على شاطئ جبيل عشية ليلة صيفية. كان شعرها للعتمات، وعيناها للنجمات، وقدّها للامنيات، وثغرها للاغنيات. كانت جميلة كساحرة، وعميقة كبادية. أمّا عيناها فمن مجاهل الامازون حيث تضيع العناصر. حملها غنوة الى النجوم، واحتسى من سحرها جرعات خمر سماوي من افياء المجرة. وراح يتطلع بنجمة الصبح، سائلاً: "أيا نجمة اخبريني: من اجمل انت ام حبيبتي؟؟؟ قولي لي بصراحة، لأني اعرف الجواب". ولم تجب النجمة. فالنجوم تخجل عادة وتستتر وراء الاقمار. ثمّ احضرها الى المتموّج. فضج بها، لمّا رآها. وخرّت مياهه المالحة على قدميها. كيف لا وما هو سوى قطرات غرام مالحة أسقطتها عيون العشاق!! خشي منه فهو يمتلك إلهاً غضوباً اكثر منه. احضرها الى ازرق "مارك انطونيو وكليوباترا" وسواهما من عشّاق المتوسط المجنون. واحتسى من خمرة الايام الكأس تلو الاخرى. حتى انه قال لصديقه صبيحة يوم ما بعد اللقاء: "لقد ثملت ليلة امس. اتعلم يا رفيقي انّ لي حبيبة خرّت على قدميها المياه المالحة كدمع. فغسلت قدميها. لي حبيبة همس المائج في اذنيها ما لا اعلمه. لي حبيبة التقيتها حيث هبّ الليل البريّ من قعر البحار مدغدغاً أهداب أمواجها". لي حبيبة ضاعت في عتم الليل، لا بل استترت به. وانا حملتها على ذراعيّ بعيدا، بعيدا الى القمر كي أتوّجها هناك في حضرة نجمة الصبح حبيبة". ثمّ توارى للحظات في النظرات الى حيث تسبح العيون العاشقة. وعاد اليه كي يقول: "كتبت لحبيبي وشوشات وقصيدة. كتبتها لها عند سفح الريح حيث مهبط الغيم. سجّلت قصيدتي بحبر الايماء وعطر الهمسات. حبّرتها على الاجنحة المهاجرة. فلا تقع في يديّ العدو. وغادرت الطيور حاملة القصيدة بعيدا جدا. نقلتها الى دنيا شموس حيث لا عواصف. اودعتها الجنينة كي تتناقلها الطيور شدوا. نعم لقد هرّبت كلماتي خوفاً عليها من الرياح والعواصف. فتلك ملعونة تمحو القصائد عن جناح الطير. انها تقتل القصائد الغرامية. اتعلم اني سأصطحبها الليلة الى الجنينة على بساط روحي فإني اخشى الريح. سأقلها الى حديقة "اسمهان"، فتستمع الى قصيدتي شدواً من افواه طيور ما دنّسها عيب كلمات يوما". احتار الصديق بصديقه كثيرا، وعلم بأنه قد مرض ومرضه اضحى عصيّا. وهو لم يعرفه من اهل الغرام والعشق. لقد تغيّر ذلك الرجل كثيرا. فأضحى يسرح اكثر مع اغنامه في مراعي الخيال. اضحى مختلفا. ببساطة انضمّ الى مدرسة الحبّ التي اعتقد بأنه خرج منها ولن يعود اليها. وصار الصديق، يسأل: "اترى من عطّل عقل صاحبي؟ ومن تراها تكون هذه الغجرية التي اختطفته الى دنيا بعيدة؟؟ اهي وهم ام خيال؟؟ اهي انس ام جان؟ وهل هي جميلة بهذا القدر؟؟ أيكون صاحبي قد وقع في شرك حورية فينيقية من جماعة "احيرام، ذاك الذي اغرق بحره في سحر الطلاسم المصرية؟؟". كل ما كان يعرف هو أنّ صاحبه قد تغيّر كثيرا. قد اضحى اقل واقعية واكثر فرحا واملا وشبابا. فرح له، واكتشف بأنّ ثمّة من صلّى له في ايجيه وفي جبال لبنان كي يقع في السحر. وها هو قد وقع، لعلّه وقع كي يكمل سرّ الحياة ويكتمل.