الثلاثاء، 27 مارس، 2012

الزكّور

مازن ح. عبّود • الثلاثاء 27 آذار 2012 لقد كان الزكّور من بيت البونجور وهو كان يفخر بانتمائه الى بيت عروبي، كره "الغرب وتغريبه وفرنسا وسايكس بيكو". والكره كان له اسبابه المحلية، كره الانتداب لأنّ "الكواتلي" احبّوه وهو كان "روماً" من مستقيمي الرأي. وكنت اذا ما حيّيته او احد افراد عائلته بعبارة "Bonjour"، حصلت مشادة بينك وبينه، ونهرَك قائلا: "اخرس. وتأدّب يا صبي. أما عندك لغة؟؟ أما عندك وطن، كي تقولها بهذه اللغة - لغة الانتداب؟؟". فتختلط عندك الامور، وتحتار من تصرّفه، اذ انك ما قصدت اهانته او شتمه مثلا. ما كان الـ"Bonjour" كنية العائلة بالاساس، الّا أنّ بعض مجلس مستهزئي المحلّة اطلقوا عليهم هذا اللقب لإثارتهم، وقد لازمهم نكاية حتى يومنا. كما أطلقت على عائلات أخرى في تلك المحلة "المحفوظة من الله" القاب مختلفة. فاختفت الاسماء الاساسية لصالح الالقاب، الّا من سجلّات القيد. وصار يلزم الأمر مختصّين لدراسة تطابق الالقاب مع التسميات الواردة في السجلات ازمنة الانتخابات. مهمة أتقنها "الزكّور"، حتى أضحت شغلته ومصدر رزقه. و"الزكّور" كان من فلاسفة قومه وديكاً من ديوكهم، له آراؤه في السياسة والدين والعلم والادب، على رغم انه ما تخرّج الّا من مدرسة "الحياة"، فقد كان يقول إنّ معرفته كانت تأتي مباشرة من المصدر، أي "الله" عزّ وجلّ. و"زكّور" ابن "Bonjour" لم يكن يأتي بيت الله الّا في الجنازات والمناسبات. فهو كان لا يتناغم مع القارئة "فوتين" ابنة "قيافا"، كما كان يقول. وعائلة القارئة لم تكن في الاساس "قيافا"، بل انّ مجلس المستهزئين نفسه منح اللقب لتلك العائلة التي اشتهرت باتقان الطقوس، لكن من دون ان تبان على أفرادها ثمار الروح من محبة ووداعة وغيره، حتى قيل في القارئة نفسها، يوما: "تِسلم فوتين التلبيسي هالتقيّة القدّيسي للّي بتربح بالقرش ميّة وبتصلّي بالكنيسة". الّا انّ "زكّورا" وافى الكنيسة مرّة في زمن الصوم كي يسطلي من عاصفة، بعد ان صادف وجوده مشيا في محيطها. فكان ان امتعض من سماع انحياز "فوتين" والخوري لبيت "بو ابراهيم" وفروعهم من آل "اسحق" و"يعقوب". بحيث تمّت الاضاءة عليهم مرارا في صلاة النوم الكبرى. فاهتزّ، وراح يركل الحائط، لمّا وصّف المزمور نسل اولئك ايضا "بالصديق"، لاعناً ذلك النسل "الخبيث". وكان ان شعرت به المرأة القارئة، فتلعثمت في تلاوة "يا رب ارحم" اربعين مرة، كما كتب. فحصلت جرّاء ذلك في الكنيسة عكرة كبيرة، وكان ان احتدم الوضع ما بين عائلة "Bonjour" من جهة وبني "قيافا" و"بيت بو ابراهيم" و"أجبابهم" من النسل الصديق من الجهة المقابلة، نتيجة ذلك. فحصلت مجابهات ومشادات ما بين الفريقيين بالالسنة الغليظة، أردَت الكثير من البشر جثثا متحركة. وكان ان طالت الخوري "طنسى"، الذي قرّر ان يخاطبهم بنشوة الراعي من الباب الملوكي. فكان ان ردّد بداية عن ظهر قلب جملا متناثرة جمعها من كتب مختلفة في بحر نضالاته الطويلة مع القراءة. فسُرَّت الرعية بفصاحة كاهنها المستجدّة، قبل ان يصرخ بهم: "عظيم هو "الله، اله إبراهيم ويعقوب واسحق ونسلهم الصديق"، الذي ان حرمكم من نعمة العقل ما جاد عليكم بالشجاعة والرجولة، والّا لكانت هذه المحلة "المحروسة من الله" قد امتلأت دماء". ووقف راهب خرّ عند الباب صامتا يتأمّل كل ذلك، ويصلّي سائلا ربّه المغفرة، رافضا التعليق امام الناس عمّا جرى، قائلا ما كان يردّده بابا الكرازة المرقسية الراحل شنودة الثالث: "اصمت كي استمع الى ربّي متكلّما".  • كاتب وعضو معهد الصحافة العالمي (فيينّا(

الأربعاء، 21 مارس، 2012

مازن عبود:ملف اللحوم والاغذية الفاسدة انعكاس لازمة اخلاقية لدى بعض التجار والمسؤولين

اقتصاد - مازن عبود:ملف اللحوم والاغذية الفاسدة انعكاس لازمة اخلاقية لدى بعض التجار والمسؤولين Tue 20/03/2012 09:43 حفظ اطبع هذا الموضوع | اغلق هذه النافذة وطنية - 20/3/2012 اعتبر الناشط البيئي مازن عبود في بيان له اليوم "ان حجم اللحوم والاغذية الفاسدة التي تظهر الى العلن تباعا ليست الا انعكاسا مباشرا لاستفحال ازمة اخلاقية يعاني منها بعض التجار والمسؤولين في البلد ويقع ضحيتها الشعب". واشار الى "ان ما جرى يطرح عدة تساؤلات حول فلسفة جدوى اقامة دول وفعالية انشاء ادارات". موضحا "ان ما يجري يؤدي الى فقدان ثقة المواطن بالدولة، ويدفع كل رب عائلة الى اعلان جمهوريته المستقلة التي تتمتع بكل مقومات السيادة بغية حماية امنه على كل الصعد وضمان مقومات معيشته". ودعا عبود "الى الاستفادة مما يجري بغية اعادة تنظيم القطاع وتنظيفه لضمان امن المواطن الغذائي". © NNA 2012 All rights reserved

الاثنين، 19 مارس، 2012

في حواء و«666» والمرأة الخاطئة

في حواء و«666» والمرأة الخاطئة د مازن ح. عبّود* http://www.aljoumhouria.com/articles/view/ الاثنين 19 آذار 2012 ما كانت من تلك البلدة على رغم انها ولدت فيها ولم تغادرها يوما. وما زال صاحبي يذكر كم عشقت تلك المرأة موسم الصوم. فأجادَت أطعمته التي ابتعدت كل البعد عن «الزفر» الذي مثّل بالنسبة اليها الترف والسقوط في الخطيئة. ادركها لا تلامس الارض اذا ما مشت. وتتوارى اذا ما ادركت جمهرة او عَكرة. قيل انها كانت تخاطب السيد، وقيل ايضا انه كان يستمع اليها. ولكم لمحها تختبئ وراء عمود في الكنيسة تخرّ باكية وشاكية الى ربها. وكانت تضرب على صدرها سائلة إيّاه المغفرة، على رغم انها عرفت بطهارتها. فقيرة كانت ونظيفة ولائقة. أميّة كانت، غير انها فَكّت الكثير من الغاز العالم. بسيطة أدركَها، الا انها كانت تغرقه في عالم من الافكار اذا ما تكلمت. كانت تلقي كلمتها وتنحسر كموجة. كانت تدخل صحن الكنيسة كنسيم. وكان الصوم يبدأ بصلاة الغفران حيث كانت ترنم اناشيد القيامة، وينتهي مع سبت النور حيث كانت تلقي أوراق الغار رمزا لانتصار الفادي على الموت. ابلغته يوما بأنها رأت السيد. وقد أراها البسيطة تغرق في الوحول والناس في حيرة وقلق وغم. سمعت صراخا من بعيد، فعلمت انّ زمن «666» على الابواب. ثمّ عاينت الشرق كطير مصاب، يئن في دمائه. أدركت دولا تتهاوى وعروشا تسقط. عاينت وحش الجهل والتطرف يلتهم من حوله. ثمّ رأت العروس على مرمى من تنين يقترب. ثمّ عاينت بعض اعمدة الهيكل تتساقط، لكن من غير ان ينهار كليّاً. فارتاعَت وصَلّت كثيرا. ثمّ أوصَت صاحبي ان يبلغ اهلها من بعدها ان يتكبّشوا بإيمانهم وبقناعاتهم كي يخلصوا. أوصَتهم ان ربهم يريد لهم ان يكونوا شهودا له فيدينوا العنف والظلم والقمع حتى لو أتى كل ذلك على حسابهم. وقالت لا يريد يسوع لنا ان نتحوّل الى فرق دينية في ذلك الزمن، فنقع في شرك الخوف والتردد. انه لا يريد لنا ان نخاصم محيطنا الطبيعي. كان هذا بعض ما صرّحت به حواء التي كانت تنسحق خجلا اذا ما خاطبتها، وبالكاد تنساب الكلمات من شفتيها. كان هذا بعض ما قالته تلك المرأة التي عشقت ان تتلو على أحفادها قصة الراهبة الجميلة التي لمّا وقعت في حب الامير، وتركت خطيبها السماوي، سرعان ما عادت اليه خائبة ونادمة. فسطّرت له قصيدة: «انّ المرأة الخاطئة» التي استكمل كتابتها الامير سبب الوقعة لمّا حاول معاودتها في قلايتها. فكانت ان توارَت عنه. حواء رحلت زماناً في موسم فصح، الا انها ما زالت في يقين صاحبي الذي أضحى يبكي كلما استمع الى ترنيمة «المرأة الخاطئة» عند كل ثلثاء عظيم. فيتذكر مع سحر الانغام والكلمات، الراهبة والامير والمرأة الخاطئة واقوال حواء. كيف لا وقد بدأ بعض ممّا قالت يتحقق. • كاتب، عضو معهد الصحافة العالمي (فيينّا)

الخميس، 15 مارس، 2012

فرقة سيارة "جيجو"

فرقة سيارة "جيجو" بقلم مازن ح. عبّود ما كانت عربة "جيجو" معلما ميكانيكيا. كما انَ "جيجو" نفسه ما كان قائدا او زعيما او شخصية استثنائية . بل كان فتى كبر الصبيان بضع سنوات. وقد خرج لسوق العمل باكرا. اذ انه لم يكمل دراسته التكميلية. فكان ان ابتاع سيارة سرعان ما ترهلت فخرجت عن العمل بسبب ترهلها. فركنت عند السنديانة المحاذية للطريق المؤدي الى ذلك الحي المسمى بحيّ "الوادي". فأضحت تلك الماكينة مأوى للريح التي كانت ان رمت بمياهها تتلطى للحظات في داخلها، كي تستأنف مشوارها العاصف والطويل. واضحت كلاب الحي الشاردة وقططه تستكين في بعض مساحاتها. ولقد درجت العادة ان يأتي الى تلك الانقاض صبيان الحي ممن كانو يعملون على قلب حكم الكبار وتغيير عاداتهم. وكان بعض اولئك الصبيان يلجأ الى الشغب لتظهير نقمته. على غرار "مورو" الذي شغل خطف الدجاج الحيّز الاكبر من اهتماماته. فقد عرف عنه انه اسر عددا من دجاجات "نظيرة". وخنقها ثمّ رمى بها في وادي "النوس" العظيم. وما سلمت قطة العجوز ايضا من شره، اذ رمى بها من الاعالي. فلمّا بلغت الارض فقدت الذاكرة وما عادت تعرف اذا ما كان عليها النباح او المواء. وكل ذلك انما جرى انتقاما من تلك العجوز التي كانت تؤلب والده عليه، داعية اياه عند كل مناسبة الى انزال اشد العقوبات بالصبي. فكان ان اضحى الصبي معروفا لدى جميع مربي الدجاج بلقب "الصبي الواوي". واضحوا يهرعون لنطارة دجاجاتهم في كل مرة ادركوا طيف المزعجه او بلغهم خبر قدومه الى التخوم. وكان ل"مورو" رفاق على غرار "نيكول" الذي فاقه ارهابا وابداعا في الشغب، و"جوجو انيس" وغيرهم. ولكم عملت المجموعة على تعطيل الدروس في مدرسة المحلة في كل مرة اتت عاصفة، تحت ستار حماية الاولاد من العاصفة ومنع كسر ارجلهم جراء تراكم الثلوج. فقد عهدهم اهل تلك المحلة في تلك المناسبات يجولون في الاحياء، يدقون على التنك، مبلغين الرفاق والاهلين بصوت جهوري بانّ يتوجب الغاء الدروس حفاظا على السلامة العامة. والويل كل الويل، لمن تجرأ فكسر قرارهم، وقدم !!! لقد كانت المدرسة بالنسبة لهم سجنا كبيرا يحد من حريتهم، لكن مع بعض الاستثناءآت. فقد كانت "افدوكيا" معلمة العربي توكل اليهم تباعا احيانا مسؤولية تتبع طبختها، فتخصهم بنقاط جيدة في لغة الضاد اذا ما افلحوا في ذلك. الا انهم غالبا ما كانو يفلحون. كما كانوا مغرمين بانوثة وجمال معلمة الفرنسي، وخفة دم استاذ العلوم، لكن الغرام ما شمل موادهم. وكانوا في كل مرة ضجروا، يستنبطون وسائل تسلية تثير شكوكا وانزعاجا في تلك المدرسة وادارتها. وقدم الصوم ومعه "خميس الاسرار". وقد نصحهم الناظر بالاعتراف الى الكاهن والتوبة. فكانو ان قدموا الى الكنيسة للاعتراف للخوري "طنسى" عن خطاياهم. وابلغوا الكاهن الكهل بكل شيئ في المدرسة وباغتيالات الدجاج والكلاب والقطط الشاردة الى ان وصلوا الى واقعة سرقة عريشة"جرجورة". فكان ان انبرى "مورو"، قائلا: "نعم، لقد سرقنا عريشة"جرجورا" يا ابانا. ولمّا ادركنا احدهم اختبأنا تحت حافة الطريق حيث بوّل علينا "القنصل" العائد من قهوته. فردّ عليهم: "الله جازاكم. انّ "القنصل" رجل الله في هذه الحادثة". اذ انّ الخوري كان يكره جدا سرقة العنب. وكان ان استفسر عن زمان ومكان الواقعة. فصعق لمّا عرف بأنّ عريشته كانت الضحية. وماعاد يستطيع ان يتمالك نفسه، فصرخ بهم : " يا اولاد الافاعي، ويا قردة لم تلدهم امهاتهم. اذا كنتم قد اكلتم العريشة. فلما كسرتم "الطعم". وراح يركلهم برجليه اللتين تلعثمتا بالجبة بكل ما اعطي من قوة، صارخا : "من هيكل الرب العنكم، يا اولاد الافاعي. اهكذا تعتدون على رزق ابيكم الخوري، وتأتون اليه طالبين الاعتراف بكل عين (بلقة) !! ما هذا الجيل اللئيم، يا امنا مريم؟؟ اغربوا من امام وجهي كالشمع من قدام النار، يا آكلي العنب!! ". فكان ان جزعوا للغاية اذ ادركتهم لعنة خوري. وعادوا الى سيارة "جيجو" كي يتشاوروا في هذه المسألة المستجدة والخطرة. وكان ان بلغهم خبر سرقة "مار الياس"، فاقترح "نيكول" تشكيل فرقة للدفاع عن المقام. الا انّ "مورو" نصحهم بعدم التدخل وذلك لانّ القديس بكل جبروته واسلحته ومركبته النارية وقوته لم يفلح في رد المعتدين على مقامه، فكيف سيتمكنون هم من ذلك؟؟. قالها الصبي خوفا من الظلام في محيط الكنيسة. الا انهم عادوا فشكلوا دورية حماية تنطر المقام في وضح النهار لا للحماية انما لتحسين صورتهم ونزع اللعنة. لم تفلح اعمال النطارة بازالة لعنة الخوري. فكان ان اتخذ المجلس البلدي قرارا بازالة ركام السيارات. فازيلت سيارة "جيجو" التي استضافت حوارات فلسفية حول طبيعة "غرندايزر" ما بين الفتيان ومخططاتهم. وكان ان انفرط عقدهم. وكبروا وكبر كل شيئ معهم ما عدا قصصهم التي ما هرمت ابدا... عزيزي القارئ : " اذا ما رأيت يوما "جيجو" او "مورو" او "نيكول" او احد اولئك يلعب في مطارحك. فلا تزعجهم... لانهم يصنعون قصصا وحكايات. abboudma@gmail.com

طعمة: يحرضنا لننتصر على الاحباط ونكون رأس حربة نهضوية

ثقافة - مازن عبود وقع "ذكريات صبي المحلة" في عكار طعمة: يحرضنا لننتصر على الاحباط ونكون رأس حربة نهضوية Thu 15/03/2012 16:44 اطبع هذا الموضوع | اغلق هذه النافذة وطنية - 15/3/2012 وقع مازن عبود كتابه "ذكريات صبي المحلة"، بدعوة من رابطة كاريتاس لبنان - اقليم عكار، في حضور الأب الياس حنا ممثلا البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، المقدم ايلي اسمر ممثلا المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم، ميلاد انطون ممثلا الرئيس عصام فارس وعدد من رؤساء البلديات والمخاتير والفاعليات السياسية والاجتماعية. بداية، القى رئيس اقليم عكار الاب ميشال عبود كلمة قال فيها: "لقاؤنا اليوم، هو لقاء الكلمة بامتياز، نجتمع حول كتاب، اراد كاتبه مازن عبود ان يتسذكر في قلوب قرائه، حنايا عشناها، فنقلها من دوما إلى عكار، فيطعم بكلماته خبزا، ويقدمها دواء، ويقف بها إلى جانب كل محتاج. وقفت كاريتاس قربه، لتنشله ما استطاعت من لجة العوز الى حافة الشكر والامتنان. اراد بكتابه هذا ان يسكن بيوت عكار". طعمة والقى النائب نضال طعمة كلمة، اعتبر فيها ان "الكاتب يحرضنا كي ننتصر على الاحباط، وان في القصص التي ساقها، هوى يحرضك كي تكون رأس حربة نهضوية، في أسرتك، في طائفتك، في دينك"، داعيا الى "فك القيد عن شمولية الجهل، كما يدعو المؤلف". وقال: "ان لغة الكاتب تنساب رقراقة من "مسرى الطفولة رقراقة، لتخصب الخيال" . واعتبر انطلاقا من قصة "اولاد الشنتير" بأن "من يصر على كسرك لا يمكنه ان يكون شريكك في الفصح الى الوطن الجديد". سلوم وتحدث فؤاد سلوم فقال: ان "مازنا على غرار بول فاليري، لا يكتب إلا والكتاب المقدس أمام عينيه"، معتبرا ان الكاتب قد تكرس في هذا العمل "كاتبا تراثيا من رعيل كتاب لبنان الكبار. فهو مثل سعيد عقل في كتابه "لبنان إن حكى". واطلق على العمل تسمية "دوما إن حكت". ياسمين ثم تحدث الاعلامي جورج ياسمين عن قدسية الكلمة ورمزية معانيها، منوها بالدور الذي تقوم به "كاريتاس" في المناطق اللبنانية كافة. الشعار بعدها تحدث كامل الشعار، مفندا الكتاب ومضامينه. وتوقف عند الكثير من قصصه. واعتبر أن "العمل يحوي مزيجا من البساطة، البلاغة، الفلسفة، السخرية، الواقعية والحلم، وان القصص هي بغالبيتها مستمدة من الواقع، وقد تم تطويرها". عبود وفي الختام، نوه الكاتب عبود بجودة المتكلمين، شاكرا للاب عبود ولكاريتاس جهودهم، وللبطريرك الماروني رعايته. واعلن لقرائه ولادة زاويته "زوادة الزكور" في جريدة الجمهورية. ثم قدمت الدروع باسم المكتب الى المشاركين في الندوة. هـ ب © NNA 2012 All rights reserved

الأربعاء، 7 مارس، 2012

مارون الذي عرفت

مارون الذي عرفت بقلم مازن عبّود اخاطبك يا عزيزي من غرفتي في فندق باريسي. وانا اشعر ببرد العاصمة الفرنسية يضربني حتى العظام يا اخي وصديقي الراحل. لست ادري اذا ما كان للحزن مفاعيل اقسى من الطبيعة القاسية في مثل هذا الفصل هنا اصلا. مارون ما كنت ارغب يا عزيزي ان اكتب عنك بل اليك، يا سيّدا، اتخذ اسم سيد. وقد فاقت قامته كل القامات التي عرفت. شهوة اشتهيتها ان اكون معك، حول نعشك، في يوم وداعك بالجسد يا صاح. الا انّ آلاف الكيلومترات بين بيروت وباريس تعيقني!! فتبا لحركة الطيران. وتبا للمسافات التي تفصلني عنك ايها العريس في يوم عيدك الكبير. لكن اطمئن، انّ الرب قد ابلغني يا صاح، انه سيهتم بك حتى في وادي الموت. وقد ارسل لك ملائكته كي تحملك الى مراع خضر حيث نور وجهه. ابلغت بترحالك برسالة SMS على شاشة آلة جامدة. بلغتني الرسالة ولم اكن بعد، قد عتّبت باب غرفتي. فلعنت الموت والفراق والمسافات. ثم اكتشفت وقتها لم كنت محتارا ليلة امس، اتأرجح ما بين البقاء والسفر الى مدينة بالزاك. نعم، عرفت لم كانت نفسي حزينة جدا قبيل سفري!! لقد احسست انّ شيئا ما سيحصل. واني سأخسر. وانا لا احب الخسارة. كنت ضائعا وقلبي منقبض. فعدت ادراجي الى البيت افتش عن اشيائي مرارا وانا في طريقي الى المطار. الا اني صراحة ما عرفت انك ستكون الخسارة وليس الاشياء!!! امارونا، لما ترحل اليوم، عشية عيد شفيعك ؟؟ اماذا تريد ان تقول، او ان يقول الله من خلالك؟؟ ايقول انك قد اصبحت الذكرى والعيد ايضا ؟؟ آه لا اعلم لم يمضي الصحاب على غفلة هكذا، كحلم في ليلة صيف ؟؟ تبا لك يا موت وسحقا لك يا جحيم؟؟ تبا لك كم انت غبي يا موت، لانك ما علمت انّ لمثل مارون ملكوت السماوات!! كيف لا وفتيلا مدخنا لم يطفئ !! كما انه لم يتكلم يوما على احد بالسؤ!! ما حسد سلطانا على ماله او جاهه البتة!! كان محبا وديعا يضج في صمته. فتخطت قامته حجم جسده الصغير. مارون رحلت، ولن يوجعك رأسك الصغير بعد اليوم بتاتا!! مارونا اراك سيدا من طينة مارون الراهب. زائر وافانا كي يقول ان كل متزوج يمكن ان يكون راهبا ايضا، اذا ما اعرف كيف يجاهد فيحفظ جسده وبيته وعائلته من الفساد. بانت عليك ثمار الروح يا صاح. ولن انسى ماذا قلت لعديلك وصديقك "مارسلينو" في غداء الوداع، لمّا حاول اي يغيظك، ممازحا في امر:" انك تعلم يا ريّس، اني لا احب ان ادين احدا. ولا اتكلم على احد بالسؤ مهما فعل معي؟؟". عزيزي مارون سأفتقدك جدا. سأفتقد ضحكتك وبراءتك ووداعتك كثيرا، كلما اتيت الى البترون. وانا ما اتيت الى مدينة النبيذ اصلا، ولا اقمت فيها لي مكتبا، الا كي احتسي من نبيذ صداقاتي فيها، فأتقوى. اعرف انك اليوم سعيد تطل علينا من فوق وانت فخور بما بنيت. اراك تدخل الى ديار رب القوات ممتنا، فتقول "ها انّ وزنتك يا معلمي، قد اضحت وزنات ...". مارونا، اضحت الصلاة لغة التواصل الوحيدة في ما بيننا. واني اعدك ان اكلمك كلما استطعت الى ذلك سبيلا. وليعزي الروح الحق امرأتك واولادك واهلك، وليشددهم في مصابهم الجلل. اخيرا، اقول للموت استتر ولا تنتفخ لانك لن تخيفننا، مهما فعلت. فالقيامة على الابواب. "قام المسيح وما من ميت في القبر". اقول للموت قد صعقت. صعقت لانك ما استطعت ان تقبض على روح مارون. لقد قام يسوع، حقا قام... باريس

عشرة عصافير على الشجرة، ولا عصفور في اليد

اعتبر المستشار البيئي مازن عبّود في محاضرة القاها خلال المؤتمر الذي نظمته وزارة الصناعة بالتعاون مع مؤسسة فريدريش ايبرت اليوم بحضور مدير عام الصناعة وحشد من الصناعيين: "انّ لا خيار للصناعة اللبنانية الا التأقلم مع معايير كفاءة الطاقة والتطور والتحوّل الى الانتاج النظيف، اذا ما ارادت الاستمرار في ظل ما يشهده العالم من ارتفاع تدريجي لاسعار النفط العالمي، والا فزوالها التدريجي عن الخارطة...". عبّود اعتبر انّ الدول تتجه اكثر فأكثر الى الانتاج الاخضر بوصفه الانجع في خفض اكلاف الانتاج وزيادة الفعالية وتعزيز المبيعات في الاسواق. ودعا الى تغيير الذهنية اللبنانية ابتداء من الجمعيات الاهلية والمصالح الصناعية وصولا الى المسؤوليين. واشار الى انه يتوجب عكس مقولة: "عصفور باليد ولاعشرة على الشجرة". فتضحي: "عشرة عصافير على الشجرة، ولا عصفور في اليد". لانّ الربحية المستدامة ليست بالضرورة آنية ومباشرة.

الاثنين، 5 مارس، 2012

لاقرار مشاريع القوانين

اعتبر الناشط البيئي مازن عبّود في بيان له اليوم انّ اقرار مشاريع قوانين: انشاء نيابة عامة بيئية، المحميات الطبيعية، والإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة، وحماية نوعية الهواء من قبل مقام مجلس الوزراء، يعدّ نقلة نوعية لوزارة البيئة جهة اخذها الاهمية التي تستحق ما بين الوزارات في مقام مجلس الوزراء. عبّود اعتبر ان استكمال ارساء الارضية القانونية لعمل الوزارة بغية تفعيل ادوارها لضرورة. واخيرا، تمنى على مجلس النواب اقرار هذه المشاريع في القريب العاجل. وامل من الوزير ناظم الخوري استكمال الورشة القانونية التي بدأها في الوزارة لاتمام المراسيم التنفيذية لقانون البيئة. وسأله ضبط الالتفافات على القوانين المرعية وعلى عمل المجلس الوطني للمقالع والكسارت.

السبت، 3 مارس، 2012

هو الموقّع أعلاه.

.. حبيب يونس السبت 03 آذار 2012 هو الموقِّع أعلاه، على قرميد الذَّاكرة، بدهشة عينيّ طفل، وعلى مصطبة الوجدان، بأصابعَ من فراشاتٍ وعصافير، وعلى قبَّعات الشَّجر في جرد دوما، بقدمين حافيتين، وعلى حفافي الحقول، بشمس ٍمن عينيه لا تعرف المغيب والأحلام، هو الموقِّع أعلاه، بحبر النُّوستالجيا، على حيطان السُّوق القديمة، وأبواب محالِّها، وأكياس الطَّحين والبرغل فيها، في هذه القرية الَّتي وعيتُ على حكاياها يرويها أجدادي ووالداي والأقارب: «عملنا مشوار ع دوما تَ نتموَّن». هو الموقِّع أعلاه بنبض النَّاس ووجوههم وقاماتهم، وبتربُّع طربوشٍ على رأس من هنا، ولِيَّة شروال تتأرجح من هناك، وبطعم عجينة زلابياء من هنالك، وبشجرة ميلاد قُطعت من إنجيل، وزينةٍ لها أُعِدَّت من قلوب وفرح... يكتب على دفتر سيجارة حمويٍّ، ولائحة قيد انتخابيَّة، وشبيَّة صلاة، وسندان كندرجي، وغبار مقلع، وبرنيطة عثملِّي، بأسلوب واحد وقلب واحد وحنين واحد وذاكرة لا ثقب فيها، لا بل مرصَّعة هي بدرر الزَّمن الجميل، قبل أن تصبح قِبلةُ النَّاس بوتوكسًا على شفاه هذه، وسيليكونًا في صدر تلك، وقبل أن تتصحَّر جبالنا، لأنَّ ثمَّة من يريد أن يعمِّر أبراجًا ومبانيَ ليُسكنَ الناس وقد ضاق قلبه بمُحبِّيه، أو يبيعَنا فحمًا نتدفَّأ عليه شتاءً، وقلبه علينا من ارتفاع سعر المحروقات، أو ننفِّخ عليها، تلك الأركيلة وثقافتِها الدَّارجة معسَّلة، بعد أن نعمرَّها ونكركر، وقد بتنا، في معظمنا، أسيادًا في الغرغرة ولَتِّ الكلام وعجن التَّفاهات. هو الموقِّع أعلاه، صبيُّ المحلَّة، كأنَّه بطل قصَّة «الدَّايم دايم»، سلام عليك مارون عبود، سلام وقبلة عين كفاع، كأنَّه حكاية في «حكي قرايا وحكي سرايا»، ومن اسمه تحيَّة لسلام الرَّاسي وإبل السَّقي، كأنَّه رضا أنيس فريحة، سمع من أبيه كثيرَ حكايات، وعاد يستظهرها في غير مكان وزمان، لأنَّها هي ما تغيَّرت. مرحًى بفيء صنوبراتك أبا رضا. كأنَّه قصيدةٌ في ديوان «شيخ الغيم وعكَّازُه الرِّيح»، يعبر من ضفَّة الدَّمع إلى ضفَّة البراءة، نهرًا من دعاءات أمٍّ وعرق أب... إليك كلُّ الحبِّ جوزف حرب، كأنَّه عُربةٌ في صوت فيروز، وهي تغنِّي للطَّير «الطَّاير على طراف الدِّني»، وقد تشرَّفت بها دوما وشرَّفتها، حين استضافت عرش الرَّحبانيَّين ذات شريط سينمائيٍّ، وذات إبداع، كأنَّه كلٌّ منَّا، كأنَّنا هو جميعُه، وكأنَّ النَّموذج الذي اختاره لحكاية في ذكرياته الأنيقة روحًا وطباعة، أيَّ نموذج، حقيقةٌ من لحم ودم، قبضنا عليها بكلتا العينين وبكلا الروح والمعرفة، ذات يوم، كلٌّ في قريته، فرأيناها ولمسناها وحادثناها وسمعناها، حتَّى إذا خرجت من ذاكرة صبيِّ المحلة، بدت أحلى وأشهى وأعمق. هو الموقِّع أعلاه، على جبين الصِّدق، وعلى نبض الحنين، وعلى أجنحة النفس والروح، يتنازل لنا، برضاه، عن كلِّ ما في ذاكرته، فيقاسمنا إيَّاه، قربانة كلمة لا يتناولها إلا المؤمنون بها، وقد غُطَّت بخمر معتَّق في خوابي أديرة الحبر. مازن عبود، أيها الصَّبيُّ المملوءُ نعمةَ ذكريات، ترفأُ بها ثوب حضورنا التَّائه بين فعل الاقتناء والرغبة في الاستهلاك وخداع المظهر، الصَّارخ في برِّيَّة الماضي تستعيده على حصان الورق فارسًا مكلَّلًا بزيتون دوما الجليل الوقار، المخلوق، عشيَّة هذا الميلاد المجيد، في مذود المعرفة والعطاء والحبُّ... نحن هنا، في ضيافتك، وفي مجلس كتابك، مجوسُك والرُّعاة. أما النَّجمة التي دلَّتنا إلى مغارة ولادتك هذه، فليست سوى ياسمينةِ ابتسامتك وزنبقةِ قلبك وبنفسجةِ جبينك، وحبَّةِ تراب ما زالت عالقة على أخمص قدمِك من ذاك الزَّمن الجميل. يا مازن، يا صبيًّا... ضاقت به ساحات الحنين، لا تَرُحْ إليها وتلعبْ هناك، كفاك ترتكب طفولتك والمراهقة. تعال والعب على مدخل قلوبنا، وادخلها ساعة تشاء، وحين تتعب ويغلبك النعاس، خبَّأنا لك فيها وسادة من تفَّاح تنورين، وغطاءً من قرميد دوما، وفراشًا من نبض وطُمأنينة وسنابلِ فرح. فاستغرق في نومك، حان موسم قطاف الأحلام والدَّهشات. 

الجمعة، 2 مارس، 2012

انا وباريس واحلام ليال شتوية

بقلم مازن ح. عبّود لكم رددت العمة "اليس" على مسامعي: "لما تكبر عليك ان تزور باريس. فباريس تعلم. انها عاصمة القلم الذي يجب ان تحسن استعماله كي يرفعك عاليا. فتكون فخرا لنا. الا فاعلم يا بنيّ انّ باريس هي المدينة التي يحكمها قادة الرأي، تماما كما يحكم الرسامون روما والموسيقيون فينّا، ورجال الاعمال برلين والماركسيون موسكو". وماتت العمة "اليس" زمانا. ولمّا حان زماني، وافيتها شتاء كي التقيها على انفراد. كيف لا، وانا قد اضحيت من حملة الاقلام كما اشتهتني ان اكون!! اتيت باريسا، وفي بالي ان اكتشف لما قال فريدريك نيتشيه :"ليس للفنان بيت في اوروبا، الا باريس". جئت مدينة الانوار وفي بالي ان اتحقق لما قال "ارنيست همانغوي" يوما فيها على لسان احد ابطال رواياته: "اذا كنت محظوظا كي تعيش كشاب في باريس، فانّ طيفها سيلاحقك طوال ايام حياتك. فهي تبقى معك. انّ باريس عيد متنقل". اردت ان يلاحقني طيفها، فأطياف المدائن تخطفني الى قصص وعوالم، فتغنيني وتقويني وترفعني. وصلتها تلبية لدعوة خطة المتوسط في برنامج الامم المتحدة للمشاركة في اجتماع وزراء الاطراف المتعاقدة في معاهدة برشلونة. فكان ان مكثت فيها اياما واياما بعد انتهاء المؤتمر بضيافة صديقي "جورج قزي" الذي كتب له ان يكون ناجحا ومحظوظا، فيعيش فيها كما يجب كشاب ورجل اعمال. وقد اراني بعضا من قرانيها!! كانت موجة الصقيع قد جمّدت مياه برك نوافير ساحاتها. الا انها ما انفكت تكون جميلة كحورية تخرج لتوها من حمامها في "السين". ولمّا راتني، ازدرتني، وقالت في عينيها الخضراوين: " من عساه يكون هذا المغرور القادم من بلاد الاسفلت؟؟". فما اجبت. بل رحت انظرها تحتسي نبيذ "بوردو" في كوب المرمر. وغصت في عينيها اللتين عبقتا باسرار الاهرامات واساطير الاغريق وقصص عصر الانوار واحداث الثورة وبطولات "نابوليون" ومآسي الحربين العالميتين ونبالة "ديغول" وبلاغة "روسو" و"هوغو" و"بالزاك" و"زولا". وجميعهم تركوا على جسدها الغض ورودا وجواهر. وما كنت انا الا متسكعا جاء كي يتعرف كيف يكون الجمال!!! ودعتني الى اكتشاف مكامنها. فكانت زيارتي الاولى لكاتدرائية "النوتردام" ومحيطها التاريخي. حيث كان عبق قصص "فيكتور هوغو" حاضرا هناك. ابصرت "الاحدب" معلقا على البرج يفتش عن "اسميرالدا" التي ضاعت ما بين الجمهور. واحسست بالكاتب يجول في باريس التي خرجت كلها لوداعه في يوم رحيله الى "البانتيون". وافضت لي الكاتدرائية العتيقة ببعض اسرارها. فارتني كيف تتغيير الوان الحوائط دون ان تتبدل. وعلى بعد اميال ارتني كيف سويّ سجن "الباستيل" فأضحى ساحة. وكيف رحّل مع ظلاماته الى الابد. فسمعت من هناك اصداء اصوات الجياع والتعساء والمظلومين. فحملت سيف "جان جاك روسو" الذي خطّ به للبشرية احرفا من نور الكرامة الانسانية. فقادة الرأي في ارض "كلوفيس" مشهود لهم. ودخلت انفاق المترو حيث طالعتني فرقة روسية تلعب بكليتها كأنها في "البولشوي". فانفاق باريس تؤدي ايضا الى موسكو وغيرها، على ما يبدو. وانتصف النهار، فحللت ضيفا على صديقي "ادمون بارودي" في منزله، منزل "مازاران" في شارع "دورسيه". وكان ان تكلم عن بيروت في عزّ باريس. تكلم بمرارة وحنين عن مشروع "دورشغورمان" للبنان واقتصاده، و"اميل بستاني" الذي قضى بحادثة طوافة "مدبر"، والفرص الضائعة في بلد الارز جراء جهالات القادة ابتداء من ايام "الرئيس فواد شهاب". وحمل صديقي معه كل تلك الملفات الى مطعم "الفوكيتز" على الشانزيليزي. حيث افضى لي ببعض قصصه حول نيويورك و"ورلد اوف استوريا"، ونسيبه "سفير السعودية-جميل بارودي"، وملك الاردن الراحل "الحسين". وكان لبنان الذي حلم به مضيفي جميلا ومتألقا. اما قوس النصر فقد ارخى بظلاله على الجلسة، تماما كما طبع القرنة. ثمّ تنهدت، مرددا: "لو قدر لك يا لبنان، قادة من نوع آخر؟ آه لو قدر لك يا بلدي ان تكون وطنا حقيقيا؟". ولاحت في بالي اغنية "جيلبير بوكو"، "ناتالي والساحة الحمراء والشانزيليزه". فاختلط كل شيئ في ذاكرتي، وانا ناظر الى قوس نابوليون الذي غفا فيه جندي مجهول من الحرب العظمى. فعرّجت على الجندي والقبر. لقد كان القوس كبيرا، على قدر قامة الامبرطور وانتصاراته. معلم انطلقت منه الشوارع والساحات الجميلة. وباريس الجديدة هي نجمته، ومن تصميم "اوسمان". كما هي شرعته من القوانين المدنية. نتاج حروبه وانتصاراته وفتوحاته وضعها فيها كي تكون بابنيتها وساحاتها ومتاحفها الاجمل في اوروبا والعالم. فما عشق "نابوليون" "ماري انطوانيت" لوحدها كما قيل!! بل عشق "شرلمان" الجديد نفسه اكثر. فصنع لنفسه فردوسا ارضيا، كان هو الهه. والفردوس كان باريسا. ثمّ توجهت الى برج ايفيل. ووقفت حيث انتصب "هتلر" في نهاية حزيران من العام 1940، عشية سقوط فرنسا، منتشيا وقلقا، لمعاينة معلم الثورة الصناعية في مدينة الانوار. فرحت بدوري ارقب البرج بصمت، متتبعا تفاصيله. وقد وصّفه "الكسندر دوماس" يوما، "بالشيطاني وغير الضروري حتى انّ امريكا التجارية ترفضه". فشعرت انّ البرج بحد ذاته ما كان موضوع رفض "دوماس" انما امريكا، وعصر الصناعة الذي رمز له. واعتمرت باريس قبعة "ايفيل"، داخلة غمار الحربين العالميتين. فذاقت نشوة النصر وعبثية المرارة مع "جورج كليمنصو، والمارشال "بيتان" والجنرال "ديغول"...". ثمّ صرخت: "اين هو المارشال "بيتان"؟ ولما اضحى لعنة؟ اترى من جعله بطلا ومن ثمّ مسخه شيطانا، فارداه من وجه التاريخ؟ مسكين من يخسر مرة حتى لو انتصر لبلاده مرات!!". فأتاني صوت "الجنرال "ديغول" مناديا عبر اثير اذاعة فرنسا الحرة، بصوت حازم :"انّ فرنسا لا تستطيع ان تكون فرنسا من دون الكبر". كان "ديغول" على حق. كما انّ "بيتان" كان على حق ايضا. فادوارهما تكاملاتا. ف"بيتان" صان مقومات بلده من عبثية الحروب والتدمير. اما "ديغول" فانتزعه من مخالب المحتل. وللقاء من جئت للقياهم. مضيت الى "الانفاليد"، والى "البانتيون". في "الانفاليد"، كان نابوليون مستلقيا في تابوته الخشبي الكبير وقبة مذهبة تعلوه، كسماء. قبره كفرعون، وقد احيط بكل مظاهر التكريم. وضع "الامبرطور" هناك كاله القرن التاسع عشر. وجدرانيات المكان حكت قصة قيصر روما الجديد الذي من عائلة آلهة الاغريق. الا اني لم اسجد له. بل حنيت رأسي احتراما لسر الموت العظيم. وخاطبت عظامه التي سرعان ما اجابتني سائلة اياي عن والي "عكّا" وعن الامير "بشير"، مستفسرة عن اوضاع الموارنة والدروز والجبل. فضحكت جدا. الا انّ الضحك ما كان محبذا في دنيا الراقدين. ثمّ مضيت الى "البانتيون" الذي بعد كثيرا عن "الاليزيه". وقد انتصب على تلة "جنفياف" في الحي اللاتيني القديم، وقد كان كنيستها. فساكنت جدرانياتها تماثيله. فحكت قصتها وقصص قديسي فرنسا: الملك كلوفيس الذي نصّر بلاد الغال، والملك لويس. اما تماثيله فجسدت نضالات الثوار والقادة الحربيين. ازيل مذبحها واقيم نصبه. ففرنسا ارادت ان تقول بذلك انّ اعلان القداسة قد اضحى بيد الشعب الان. وها انّ المجتمع يعلن قديسيه. وزرت المغاور حيث وضع العظماء في غربة عن الشعارات الدينية. فالقيت عليهم التحية، ومضيت... عشقت في باريس المتاحف والقصور والساحات والشوارع. فتعطرت بسحر متاحف "اللوفر" و"اورسي" و"جورج بامبيدو" و"هوغو". الا اني توقفت في فرساي طويلا. فهو امتداد لساحتيّ "الباستيل" و"الكونكورد". ففيه بلغت الملكية عزها. اما في الساحاتين فقد انتهت بمقصلة. وتأملت عميقا في غرفة المرايا والحرب العظمى، والمعاهدة التي انهت حربا فأرست حربا جديدة. فأدركت انّ لا سلم في الغبن والاجحاف. ثمّ دخلت الى مخدع لويس الرابع عشر والملكات. حيث كانت الشمس غائبة الا في اللوحات. فشمس لويس الرابع عشر، غابت وتمخضت عن ثورة "ماري انطوانيت". وسرعان ما اتت ليلة الوداع، فتناولت العشاء في "الليب" في "السان جرمان" بدعوة من مضيفي الذي اصطحبني ليلا في شوارع المدينة. وودّعت باريس قرنة، قرنة منحنيا امام ثقل التاريخ وعظمته وعبثيته. حييت عظمة الانسان وعاينت محدوديته. الا اني اكتشفت انّ المدينة تغيرت كثيرا. ف"قوس نشّاب الدفاع " الذي شيّده "ميتران" اتى كي يقول انّ المدينة دخلت عصر العولمة. نعم، دخلت باريسك يا عمة "اليس" عصر الهامبرغر. وما عاد لقادة الرأي فيها تأثير كبير. فالعصر هو ل"مارك زوكربيرج" و"الفايس بوك" وغيره. انه عصر المجهول المعلوم القابع في اي زاوية من العالم يحرك بأرقام بطاقة اعتماد من على حاسوب الناس بغرائزهم. تركت باريس وقد اضحت معي. تلاحقني في دروبي. اضحت لي، وانا لها. لذا، فاني رحت افتش كيف اعود لها ولفترة اكبر. لما لا ووحول بيروت تغرقني وتخنقني.