الاثنين، 5 أبريل، 2010

صبي الولادة والموت والقيامة


04 نيسان 2010 - السنة 77 - العدد 24006
صبي الولادة والموت والقيامة

Original Version Sent to the Newspaper
لم يكن الصبي يدرك وقتها، لما كانت جدّته "رمزى" تسمي عيد "القيامة"، "عيد الاعياد وموسم المواسم". وهو قد رغب ان تعطي جدته مثلا "عيد الميلاد"، موسم الهدايا والاطعمة والبابا نويل والثلوج والزينة والافلام السينمائية والعروض المسرحية والغنائية، المقام الاول الا انها لم تفعل. اما "الفصح" او "عيد القيامة"، فما تعدى ان يكون الا نهاية مشوار خمسين يوما من الصوم والتقشف والخدمات الكنسية الطويلة برتبة "الهجمة".
وكبر الصبي بعض الشيئ، فأكتشف انّ تقويم الاعياد ما كان بمتناول جدته التي ادرك انها كانت تزعن لرأي الكاهن في مثل هذه الموضوعات. نعم، فجدّته كانت بسيطة الروح وبعيدة كل البعد عن الفلسفة.


ثمّ اعتقد بأنّ وضع عيد القيامة في صحن الصدارة ناتج من تأثير آل "قيامي" على الخوري.
فكان ان دخل عليه يوما، وهو جالس بكل بهائه على كرسي هيكل الكنيسة، فسأله، مستفسرا عن الموضوع. فأجاب الكاهن الكهل الولد بانّ تسمية عيد القيامة بعيد الاعياد وموسم المواسم تعود ليوحنا الذي كان له فم من ذهب في القسطنطينية. فأنشده الصبي لتلقيه خبرا عن حبر حظي بفم من الذهب الخالص تقدمة من الامبرطور. الا انّ ما تلقاه ما كان الحقيقة، لا بل رمزا في كنيسة حرصت على استعمال الرموز والطقوس في ممارساتها الدينية.
وكبر الصبي، ومع كل سنة يكبرها، كان ينشد اكثر فأكثر الى "القيامة" ويدرك لما وضعت في هذا المقام المحوري.


الطريق الى القيامة
احد ابن الشاطر
لقد كان الطريق الى القيامة يمتد مسافة خمسين يوما من الصوم والتقشف والصلوات. وكان عندما يرى صليبا من رماد يزين جبهة "اليدأ" جارته، يدرك ان زمن التريويدي في كنيسته، قد اضحى ايضا على الابواب. لقد كان للرماد على هامات من رماد مفاعيله عليه. فيتذكر قصة الابن الشاطر في الانجيل، ذاك الشاب الذي خرج عن طاعة والده ومن ثمّ عاد اليه تائبا. والتوبة كانت كما يقول "جيجو" الميكانيكي، كتصفير عداد ما والانطلاق بنظافة ودون اي وزر او تبعة. او علّ التوبة كانت ايضا كولادة شمس جديدة من حضن ديجور كانوني طويل كما كان يقول "ابو زهر" قريب جدته.
ثمّ انه كان يطرب جدا لترتيل بداية المزمور الخمسين : " يا رحيم ارحمني يا الله كعظيم
رحمتك..." التي تفضي الى القول : " اذا تصورت كثرة افعالي انا الخاطئ، فاني ارتعد من يوم الدينونة الرهيب". والدينونة، كما ابلغته جدته، تؤدي الى هلاك الخطأة في الجحيم. والجحيم كان على شاكلة آتون معصرة العنب حيث كان يعدّ الدبس. اما الملائكة فكانوا على شاكلة اولاد "عبد النور" صاحب المعصرة. وآتون المعصرة كان يغذى بالحطب اليابس، اما آتون الديّان (فلقد خاله) يغذى بالخطأة الهالكين. ومنظر الآتون وملائكته الدنيويين كان يخيفه ويذكره بالدينونة. لذا، فانه سعى الى مسايرة "عبد النور" علّه بذلك ينال بعض الضمانات للمستقبل.


المديح
وكانت خدمة المدائح تحلّ في كل نهار جمعة من كل اسبوع صوم. والخدمة هي لاكرام والدة الاله اي ام المسيح. وكان الصبي يضيع في عبق بخور وكلمات وانغام تلك الخدمة المنظومة لام الملك. ثم انه كانوا يرنوا لملاقات مرأة الايقونة ومقابلة تلك المرأة المستترة التي بان على وجهها العجب والتي تشير دوما الى ابنها الملك. احب سحر المدائح التي حوت فلسفة وشعرا وقصصا. لم يفهم كل مضامينها، الا انه على الاقل حاول ان يسمع ويفهم، وفضل تلك الخدمة على كل الخدم. ولمّا سئل في مدرسته عن صلاته المفضلة اشار الى خدمة المديح التي ما استطاع شرح كلماتها الى رفاقه في تلك المدرسة المسيحية المختلطة. واغرم الصبي اكثر فأكثر بالمرأة التي قيل انها جعلت فلاسفة اليونان كأفلطون وسقراط عديمي النطق كالسمك. ثمّ انه انغمس في قصص الفردوس وحواء وآدم والسقوط وافتكر كثيرا بحواء الجديدة . ففقه عندها لما سميت جدته من امه ب"ايفا" اي حواء.

ان غرامه بتلك السيدة جعله يفرّ، وفور انتهاء دوام الدراسة من كل يوم جمعة في كل صوم، الحقول كي يتأمل الازهار والرياحين، فيشبك لام الانسانية عقدا من المارغيريت يزيّل به صورتها. وكم كان يتلهف لسماع ترتيلة " انّ جبرائيل اذ اعتراه الذهول ..." لكن، ليس من فيه "حنا" المستطرب. ترتيلة تنشد عند نهاية كل رتبة مديح، استذكارا لفعل بشارة جبرائيل للعذراء مريم بحبلها بالمسيح. وارتبطت الترتيلة برهبة "جبرايل عيد" وامراته "سيلانة" من حارة الصنوبر الذين كانا يحضران الرتبة بكامل اناقتهما المكسيكية .


ومازال الصبي، في الرجل يستفيق، فيبكي دموعا مدرارة. والصبي عنده ارتبط بالملاك الذي كان يزور جسده الممتلئ شياطينا. والملاك كان يحرك مياه نفسه فيحرره كي يتوب، فيبكي كي يغتسل من عفنه المتراكم والمزمن. ولقد بكى مؤخرا في خدمة المديح في دير سيدة الرقاد في حماطورة. نعم، لقد شعر بسحر الانغام والرموز والطقوس يحرك امواج نفسه، ويسحب عنه اغطية الازمنة والامكنة كي يشعره بحقارته هو المتعالي !! نعم لقد شعر في خدمة المديح الكبير معنى الانخطاف، فأحسّ لتوه انه عائد من القسطنطينية حيث اديت للمرة الاولى تلك الرتبة للعذراء مريم. فلامس الشعب الواقف خلف البطريرك والاحبار، واحسّ بفعل الاتكال على تلك السيدة التي بددت هجمة الفرس عن المدينة في غياب الجيش والامبرطور.
في سائر خدمات الصوم

لم يكن الصوم الاربعيني الذي يفضي الى اسبوع الالام مدائح فقط لا بل صلوات نوم وقداديس سبق تقديسها. ولكل خدمة من تلك الخدم الكنسية طقوسها، الا انّ المشكلة كانت في غياب من يتقن ادارة وترتيل مثل هذه الخدم الامبرطورية المتنوعة. فضاق زرعه احينا من سؤ تأدية لحن او قرائة مقطع. ثمّ كان يمتعض احيانا من خوري محلته الذي كان يسترسل بالكلام عن موضوعات شتة دون ان يتمكن من افهام الرعية، وذلك لانّ الدهر كان قد فعل فعله بفمه، فقد فقد القدرة على تبيان مخارج حروف الكلمات. الا انه لمّا كبر قدر لذلك الشيخ جدا ايمانه وتقشفه وسيرته الطيبة. كان الصوم وصلواته عودة الى الجذور، عودة الى مزامير داوود ونبؤآت اشعيا وحزقيال وغيرهم.


في الاسبوع العظيم
والاسبوع العظيم كان يبدأ فعليا عشية الشعانين، حيث كان يستذكر يوسف المهاجر واخوته ومريم المصرية وصولا الى العشاء الاخير والصلب والقيامة. وكان من تمكن من العائلات ينصرف عن اعماله لتأدية واجب الصلاة المستمرة كي لا يقع في تجربة. اما النسوة فكنّ يكتسينّ الاسود في اقدس اسبوع من الروزنامة اليولانية وينقطعنّ عن طبخ الزفر بشكل صارم. فتذهبنّ الى الحقول لجمع البقول لزوم اطعام اولادهنّ في مثل هذا الاسبوع، ولكم اختلط على الفتيات منهنّ تمييز ما يؤكل مما لا يؤكل!!! ولولا مشورة الحكيمات ورحمة الختن لقضى الكثير جراء ذلك. وكان الصبي في مثل هذا الاسبوع، يذهب خارج المحلة حاملا عصاه فيروح يستذكر في طريق العودة اورشليم والتلاميذ واليهود.


في عيد الاعياد وموسم المواسم
وسبت النور كان يأتي بعد التسليم والالم والموت كي يبلسم الجراح باءنتظار القيامة. والنور كان لعنة للجحيم. نور ما انفكّ يفيض في مثل هذا اليوم في القدس حيث القبر والسبت يتناغمان مع القيامة في تلك الكنيسة التي بنتها هيلانة قديما والتي مازالت متموضعة في قلب اورشليم الارضية القديمة والبائدة.
ورسما لكل ذلك، كان اهله يضيئون الشموع في مثل هذا اليوم، كي يتأله كل ذي جسد، ممن صنع من ماء وهواء ورماد. فالنور واللهب والدفئ هي النار التي ترمز للاهوت. اما الشموع المشتعلة فهي لقاء المادي بالالهي. لقد احبّ الصبي ان يكتشف النور الذي لا يزبل ابدا، فراح يسعى ان يبلغ اليه يوما، حتى لو بعد الموت الذي اضحى بالنسبة اليه رقادا او قيلولة ما بعد الغداء!!!
كما كانت الابواب القديمة تدكّ في ايامه في مثل ذلك الموسم. كانت الابواب تدكّ رمزا لدك المسيح ابواب الجحيم النحاسية وتحريره الارواح المعتقلة منذ القديم. فالقيامة كانت بالنسبة الى اهله، تحررا وضؤا ولسيادة لقد كانت تكريسا لغلبة النور على الديجور. نعم فلقد عنت القيامة لؤلائك القوم الشيئ الكثير، ولولاها ما كانوا ما هم عليه. لقد كانوا مسيحيين لانهم قياميون، ولولا القيامة لكان ايمانهم باطلا.


جميع الحقوق محفوظة - © جريدة النهار 2010

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق