الثلاثاء، 22 مارس، 2011

مخيمات وصيحات وأناشيد وحياة كشفية تعانق الحرية

مخيمات وصيحات وأناشيد وحياة كشفية تعانق الحرية
حكاية صبي حلم بغزو النجوم عبر بادن باول


ما كان بادن باول وحركته الكشفية، بالنسبة الى الفتى الذي كان يحلم بغزو النجوم، الا مفتاح بوابة الكون الكبرى. والكون، كان في يقينه، حقلا غير مسبور يغصّ بالورود والزهور والاحلام والمبادئ التي كانت تنتظر قدومه هو شخصيا كي ينميها.


نعم كان ذاك الفتى متحمسا لاقتحام مملكة الكبار كي يغيّرها فتضحي افضل بقليل. وكان تأثر بقول السير بادن باول، في رسالته الاخيرة الى الحركة الكشفية: "يا فتيان، انظروا دائماً الى الوجه المشرق للحياة، واعلموا انّ الطريقة الامثل لامتلاك السعادة هي في اعطائها للآخرين. حاولوا ان تجعلوا العالم افضل بقليل من بعدكم، افضل مما ادركتموه. حتى انكم اذا ما بلغتم الممات، تشعرون بالرضى، لانكم ما اهدرتم العمر. وانكم بهذا المنوال تعيشون وتموتون بسعادة". لقد اراد صاحبي ان يعيش بسعادة، فحاول ان يمنحها لمن حوله، كما اراد ان يموت بسعادة ايضا فعمل للتغيير.


كان لقاؤه بالقائد ميشال، بواسطة رئيس نادي محلته وصديق والده رمزي، النازح من بيروت هربا من لفحة الحرب، نعمة في حياته. فكان ان اعجب الفتى الطموح بالمصرفي المخضرم الذي ما زال يحفظ للكشاف الذي كان مطرحا في قلبه. انشده الفتى بطريقة عرض الرجل لأفكاره وواقعيته، كما بقدرته على التخاطب مع الفتيان من امثاله. فكان ان اضحى الرجل مثالا للفتى. لمَ لا ومشروعات الرجل اعطت الفتى معنى لحياته، إذ اعطاه ذلك البيروتي المعنويات، وافهمه أنّ كل شيء في الدنيا ممكن، وساعده على فهم قدراته القيادية وعلى بلورتها كي تكون في خدمة من حوله. جعله يرى العالم بعدسات وردية، اي من خلال عدسة بادن باول ومدرسته. لم تكن الكشفية بالمطلق غريبة عن الفتى، اذ انه كان شارك في نشاطات حركة الشبيبة، الا انّ ذلك لم تكن الكشفية، ولا كان هو من يقود ويوجّه...


اما سبب اللقاء، فكان ترجمة لرغبة لدى صديق والده الذي شغل رئاسة النادي، في توفير نشاطات
للفتيان مفيدة في البلدة التي عجّت بالنازحين من محيط بيروت الشرقية الادارية وسواحلها الى تلك البقعة هربا من الحروب وتأثيراتها.


كانت تلك الحقبة، التي ابتدأت في العام 1987 وانتهت في العام 1991، بحق علّة دخول الفتى الى عالم الكشفية. محطة وصّفت بدايتها، بالذهبية في ناحيته الجردية، وبالسوداء في "المناطق المحررة" او المنطقة الشرقية. ذهبية لانّ ناحيته وبلدته اضحتا ملجأ لكل من اراد الاستقرار في زمن الحروب الصغيرة والـ "لااستقرار".



حلوة ومرة

ما زال الفتى يتذكر، بالكثير من الفخر، كيف جمع رفاقه مع انتصاف آذار، فأطلق تحركا هدف الى تحويل خربة ومكبّ نفايات في وسط سوق بلدته القديم حديقة وامارة كشفية. شعر بالفخر يومذاك، لانّ روز، صاحبة عمته ايفون، قالت فيه أنّه فتى موهوب وأنّ له مستقبلاً واعداً. هكذا اضحت الخربة وحديقتها قبلته وعالمه، كيف لا وقد استضافت مطارحه ومطارح رفاقه! امارة كانت مسورة بحوائط تفصله عن الواقع.


ولكم احبّ الفتى ان يلحظ العلم يعلو في كل صباح على ساريته، على انغام البوق والصيحات الكشفية. كما احبّ قدوم الليل زمن المخيمات، كي يعانق النجوم ويراقص النار تعلق بالارض والجبال، فاستمتع بالانشاد لهما أناشيد الحياة.


الا انّ عالم الفتى، اثار حسد الحسّاد، حتى قيل أنّ مؤسس الكشفية عهد اليه جمع المعلومات وافساد اخلاق الشبيبة، كما جمع الاموال الى ملكة بريطانيا اليزابيث الثانية. شائعة اطلقها احد فلادقة المحلة، المعروف بالـ "بروبغندا"، وسربها الى نجيبة، عدوة جولو، بهدف نشرها في الاوساط النسائية. نجيبة تولت نشر المادة بحماس بعدما سمعت ان بادن باول هو حليف قبائل "الزولو"، الذين ظنت أنهم اهل جولو جارتها في كفردقّة. فكان ان حوّرت اسم مؤسس الحركة الكشفية الجنرال بادن باول فجعلته الجنرال "بدو يبوّل". ومذذاك ارتبط اسم مؤسس الحركة الكشفية بالبول في محلتنا والجنرال.


عرف الفتى، فحزن كثيرا لذلك، وكان ان عاتبها، فنهرته (التانت) نجيبة داعية اياه للعودة الى صوابه واشهاره نكران الجنرال "بدو يبوّل" الذي تتناقض تعاليمه مع التعاليم الكنسية والثقافة المحلية. وتوّعدته بالحرب حتى النصر المستبين!


لكن الفتى ما انفكّ يقوم، ورفاقه، بمشروعات وانشطة شغلت البلدة. انشطة اعطت الفرح للناس، فانعكست عليه. وكانت مثاليته تتنامى حتى حدود النجوم، وراح يتقن فنّ الممكن حتى حدود التراب. احبّ الكشفية التي جعلته يعانق الحرية النازلة على رؤوس الجبال. حلم حتى حدود الاديم الازرق الذي يلف القرميد الاحمر المطعم عتقا في بلدته. وكان ان اعطته الكشفية اول قصة حب في حياته. قصة اجهضت قبل ان تثمر. اعطته الكشفية ان يغطس الى قعر المغاور، الى تحت الارض، حيث الاسرار والاساطير تنبع. كانت مسيرته قطعة من رجاء غسق المغيب المتموضع في احضان الجبال.


ثمّ هبّت العاصفة، فاتهم الفتى بانه عدو، لانه، وفق "نجيبة العجيبي"، من اتباع الجنرال "بدو يبوّل"، واعتبر انّ الجنرالات جميعهم في حلف طبيعي. فلوحق واوقفت حركته الكشفية. فكانت ان اغتيلت تجربته في حروب ما قبل الطائف. اغتيلت، لانه ما كان مسموحا للفرح بأن يساكن الموت، وللحلم بأن يعاقر الالغاء. واختفت اصداء نغمات قيثارته مع قرع الطبول. وقع الفتى ورفاقه معه، فتهاوت مثاليته. بكى كثيرا ولعن حروب اهله العبثية، الا انه عاد فقام من وهدته، وبدأ ببناء مشروعات اخرى.


تغير صاحبي كثيرا منذ ذلك الزمن، الا انّ الفتى الذي كان يوقد النار على السفوح ما زال يعيش في داخله. ما زال يعيش في كيان الشاب الذي امسى، الفتى – النسر الذي يحلّق وراء النسور الشاردة على قمم الجبال، ويصارع الريح، وينظر الى الشمس عينا بعين مدندنا لها اهازيج النحل. لقّنته الكشفية، بمرّها وحلوها، بعض اسرار الكون، فصنعت له "وطن النجوم"، وطناً سيكتب له النجاح ان حكمه الكشافة الفتيان والفتيات. … وما زال الفتى القاطن، في دهاليز اعماق الرجل، يستفيق عند كل مناسبة كي يحيي فيه القسم الكشفي والقصص والمغامرات، فلا يستسلم الرجل لليأس ابدا.
مازن عبود

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق