الاثنين، 18 فبراير، 2013

في عظة تنصيب البطريرك يوحنا واشياء اخرى



"هذا أوان التجدد يا سيدي.  حلولك في واجهة مدينة الله أنطاكية العظمى أمرٌ نفذ إليك من فوق لتطردَ اللصوص من الهيكل وتجعله مكانًا لائقًا بالرب.  ذكّر كل من أخطأ أن لا مكان للهشاشة والخيانة بعد اليوم. "الأشياء العتيقة قد مضت.  ها كلّ شيء صار جديدا".  إن ثوب المسيح غير المخيط سنعمل المستحيل للحفاظ عليه في شراسة كبيرة. لقد ذهبت أزمنة السوء وأطلّ فجر القيامة".  المطران جورج خضر في التنصيب
بالامس تسمّرنا جميعا امام الشاشات لنتتبع وقائع التنصيب.  فنلتقط كل كلمة.  تتبعت بدقة ما خرج من فيه البطريرك في يوم جلوسه.  وما قبل الامس كنت ممن واكبوا انتخابه ايضا.  فادركت كيف اتى امر انتخابه من فوق. 
ما ابعد الامس وما اقربه يا ابانا.  فالزمن الذي طوى سلفكم اتى بكم اليوم.  
لا ادعي معرفتكم الا انّ صورتكم( صورة المطران صاحب الذقن الغضة) الذي يجلس في المجمع قرب حبر طرابلس، فيتهامسان.  لا تغيب عن بالي.  وها انه قد خرج اليوم من قلايته خطيبا يتكلم.  فبلسم الله جراح صلبه.  واقامه وصيا على كرمته في انطاكيا.  فخرج كنبي يأمرُ بالتّفاني والمحبّة.  خرج يأمرُ بالصّليب الذي قال بانه يَصعدُ إليه مُختارًا، على مثال معلّمه. 
دعا كلا منّا "إلى المساهمة في ورشةِ الملكوتِ الّتي تبتدِئُ هنا، على هذه الأرضِ في الكنيسة".  قال ان الرب لا يُسَرُّ الرَّبُّ برؤيةِ كنيستِه لا تَهتمُّ بالفُقَراءِ اهتمامًا كافِيًا، فلا تجعلُ منهم إحدى غاياتِ مؤسّساتِها.  وهو قد ذاق الفقر والتشرد حبرا هنا وفي كل مكان.  ذكّرنا بيوحنا الذهبي الفم.  فردد عاليا، ما كان يقوله لنفسه:"أنتَ لا تملِكُ أيَّ شيءٍ ممّا هُو لَكَ...إنّه لكَ ولِقريبِك"، تماما كالشّمسِ والهواءِ والأرض".  ابلغنا انّ الناصري يتألم عندما يَرى الشباب، "يتشرّدون فكريًّا" و"يبتعدون عن البِيعة".  قال فيهم انهم "غِنى الكنيسة" و"سُفَراؤُها في هذا العالَمِ المُتَغيِّرِ المَعالِمِ بِسُرعةٍ فائقة".  فغبطته يريد لهم أنّ يعرفوا انّ "الكنيسةَ بحاجةٍ إلى اندفاعِهِم.  ارادهم أن يَعُواَ "المَكانةَ الخاصّةَ الّتي لَهُم في كنيسةِ المسيح".  فهم بحسب عظة التنصيب "أغنياءُ بِحَداثَتِهِم وَحماسَتِهِم وَاندِفاعِهِم".
انه البطريرك الذي يريد احياء جسد كنيسته المتداعي بالروح الات من الاديار.  فالرهبان "يحملوننا جميعًا في صَلَواتِهم". و"صَلاتَهُم تَحمي العالَمَ بِكُلِّ مَن فِيه، وَتُقَوِّي العملَ في وَرشةِ الكنيسة".
اما السُّلطةُ الكنسية بالنسبة اليه فطاعةً.  والطّاعةُ سلطةَ محبّة".  تكلم قليلا جدا في السياسة.  فبدا رسول المحبة التي هي "عَدُوّةُ الموتِ وَكُلِّ عُنف، مِن أيِّ صَوبٍ أتى". 
استغفر الحضور، واضعا اصبعه على جرح الكنيسة الناذف.  فقال: "لا بُدَّ لَنا إذاً مِن تَوبةٍ شخصيّةٍ وَجَماعيّة، وتَدابير، واتّكالٍ كُلِّيٍّ على الله، عَلَّهُ يَغفِرُ لنا...لا مُبرِّرَ لِوُجُودِ المؤسَّسةِ في الكنيسة...سوى كَونِها شاهدةً لِيَسُوعَ وناقلةً بِطُرُقِها الخاصّةِ لتعاليمِه".
اعاد الاعتبار الى ما قاله اسلافه بأننا كنيسةٌ و"لسنا مجرّدَ طائفةٍ بينَ سائرِ الطَّوائف".  "الكنيسةُ تَشْمُلُ الطّائفةَ وَلا تُنكِرُها... لكنْ، ليسَتِ الكنيسةُ طائفةً تقفُ اهتماماتُها عندَ حُدُودِها دُونَ سِواها".
بدا البطريرك يوحنا العاشر في عظة تنصيبه جريئا كالمعمدان.  لاهوتيا كالحبيب.  فصيحا كالذهبي الفم.  وثابتا كاغناطيوس.
محبا كان.  مسكونيا كان.  فخاطب الكنيسة في كل المدائن.  عارف بالاخر بدا.  ومدرك انّ الاخر هو شريكه في الوطن حتى الموت في سبيل التحرر. 
شدا البطريرك يوحنا كمعلمه الدمشقي القديم.  فلاقت كلماته استحسانا لدى قوم الخليفة.  بدا مسرورا وقد حضر الى دارته بطريرك الموارنة محملا بسحر قاديشا وعطر الارز وثلوج صنين.  لقد ذهبتم بالفعل الى بيت شعبكم يا سيدي.  وقلتم لهم كلام السيّد الرب.  واني اعتقد بأنهم قد سمعوا.  وبأننا قد سمعناكم جيدا..  سمعناكم لانكم قلتموها بشغف الاب وعطف المحب ودراية الفيلسوف العارف.  كلنا معكم يا سيد.  وترانا نردد مع المطران جورج ما قاله، وذكرته في بداية المقال.  كل الغيارى معكم لانّ الله معكم.  واني اعتقد بأنّه  قد تكلم بلسانكم البارحة.  سمعناه جميعا.  ففرحنا.  حرّكنا كما حرّك آباء المجمع المقدس سابقا يوم صيرتم حبرا لانطاكيا العظمى.  وكلّ من واكب تلك الاحداث شاهد على ذلك.


[1] باحث وناشط كنسي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق