السبت، 11 مايو، 2013

شاب ومدائن وازمنة


وقف الشاب مصليا في تلك الكنيسة حيث سجد رئيس احباره  خاشعا يعتصره الالم على ما اصاب القطيع الصغير.  راح يردد بضع كلمات طالبا الرحمة الالهية.  فحملت انغام رومانوس المرنم صاحبي الى مطارح بعيدة وجميلة.   وقد عرفته مولعا بالجمال حتى العشق.  كانت اصوات المرتلين تتموج محملة بالكلمات والقصص والرجاء.  كلمات دخلت خياله واستقرت في وعيه.  فشكلت هويته.  انّ الشاب وريث حضارة عظيمة بدلت العالم بالمحبة.  فما عاد الكون ما كان عليه.  عظمتها كانت روحا. والروح كانت تدخل مياه نفسه الراكدة احيانا فتحركها فتخرج منها اشياء واشياء.   غيّب عقله وانسحق.  فمضى برحلة الى دنيا القراءآت، الى المدائن الزائلة، الى نينوى وبابل.  ومن ثمّ الى اورشليم ومصر القديمة. 

فكان ان عاين ايوب كهلا يتسكع، وادرك مرارته على اولاده.  رأى ابليس عابرا ما تحت الارض.  وتوقف مليّا امام صبر ذاك النبي. استاء وتحسر لانّه ما امتلك تلك الفضيلة.  فهو يتذمر بالرغم من انه قد امتلك الكثر من العطايا والاشياء.  هبت ريح اخذته من دارة الشيخ الكثير الايام الى سفينة يونان المضطربة بوجوده.  ابتلعه البحر.  فدخل جوف الحوت حيث بات هناك مع النبي ليال ثلاث الى ان وصلا الى حدود نينوى.  نينوى، مدينة القصص.  سمع فيها اقوال الرب من فيه النبي.  فشاطر اهلها توبتهم.  لبس معهم المسح وجلس على الرماد.   هناك في نينوى تندم على خطاياه.  وعرف مصير المدن الخاطئة والمدن التائبة. نادته بابل فسمع صوت البوق الذي دعاه للسجود للوثن.  احتار في امر فتيان العبرانيين الثلاثة الذين ما سجدوا له.  امل ان يكون احدهم.  الا انه كان ضعيفا بعد ولا يقوى على مواجهة الحضارة البائدة وملوكها.  سمعهم يرنمون في وسط آتون نار الملك.  عرف مدى ضعفه.  وبدأ يستسلم لليأس.  دخلت الرمال والمياه المالحة عميقا الى لجج نفسه.  فوجد نفسه مع شعب موسى يعبر البحر الاحمر.  عرف كيف يقيم الرب خاصته وينجيهم.     

ثمّ راح يبكي كطفل على ترنيمة "انّ المرأة الخاطئة" التي نظمتها الراهبة "كاسياني" من القسطنطينية.  ولج الى  هناك.  شوارع القسطنطينية كانت جميلة.  الا انها كانت تؤدي الى اورشليم.  دخل المدينة المقدسة ووجد نفسه مطروحا مع المرأة الخاطئة على قدمي المخلص.  فهو  ايضا قد زنى.  وقد اخطأ امام الناس وامامه.   ثمّ سار مع الرب الى اورشليم.  سمع وعاين الناس تبايع يسوع ملكا في الشعانين وتطالب بصلبه عند بيلاطس.  دعي عشائه فتناول معه الخبز والخمر.  جلس على الطاولة هناك قرب يهوذا.  لم يفتح فاه فهو ايضا قد اسلمه.  وقف بعيدا ينظر يوحنا ومريم على اقدام الصليب.  تطلع الى ربه معلقا.  وسأله لما كل ذلك يا الاهي؟؟  فأجابه الاله: "لاجلك يا بني.  اصبح انسانا. اموت واقوم. كي ترتفع اليّ، فتصبح الاها".

وادخل عوالم الراقدين.  فعاين كيف انّ الارواح تنتظر.  فهناك لا "ايمان" بل يقين. كان الارتياح والخضرة عيش معه.  اما البعد عنه فجحيم وموت.  عاين " نجيب اللعين" يتمرمر.  وابصر جدته تتلألأ.  فرح لها كثيرا.  وبلغه بأنها هناك لانها استضافت ملائكة.  جدته الفقيرة وغير المتعلمة فاقت قيمتها قيمة الكثير من الفلاسفة.  تذكر ضيافتها للفقير والمسافر.  تذكر تواضعها وتفانيها من اجل الاخر.    

سأل عن الحبرين المخطوفين.  سأل عن المفقودين.  سأل عن القطيع.  فسمع صوتا يقول:" من يثببت الى النهاية يخلص.  صوموا وصلوا كي لا تقعوا في تجربة.  واعلموا بأني قد غلبت العالم".

كان هذا بعضا مما افضى لي ذلك الشاب.  وقد احببت ان اكتبه لكم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق