الأحد، 15 نوفمبر، 2009

هل استحالت "سلطة الاعلام الرابعة" الى وسيلة للشقاق في ايادي امراء السياسة والمال والحرب في لبنان؟؟؟






هل استحالت "سلطة الاعلام الرابعة" الى وسيلة للشقاق في ايادي امراء السياسة والمال والحرب في لبنان؟؟؟


تعرّف مجموعة الويكيبيديا الحرية بانها "حالة التحرر من القيود التي تكبل طاقات الانسان وانتاجه سواء كانت قيودا مادية أو قيودا معنوية ، فهي تشمل التخلص من العبودية لشخص أو جماعة، او التخلص من الضغوط المفروضة على شخص ما لتنفيذ غرض ما، أو التخلص من الإجبار و الفرض". كما انّ المجموعة المذكورة تعتبر الحرية بأنها :" إمكانية الفرد بدون أي جبر أو ضغط خارجي على إتخاذ قرار أو تحديد خيار من عدة إمكانيات موجودة. مفهوم الحرية يعيين بشكل عام شرط الحكم الذاتي في معالجة موضوع ما". الويكبيديا، الموسوعة الحرة

بقلم مازن ح. عبّود
في حيثيات الموضوع
قامت بعثة من معهد الصحافة العالمي بزيارة لبنان ما بين التاسع عشر والثالث والعشرين من تشرين الاول المنصرم، حيث اجتمعت بالعديد من رؤوساء التحرير والمسؤولين في وسائل الاعلام اللبناني، كما وزيرّي الاعلام والعدل والرئيس الاسبق للجمهورية امين الجميّل والرئيس الاسبق للحكومة ميشال عون والنائب غسان مخيبر-رئيس لجنة حقوق الانسان البرلمانية. ولقد اعدت البعثة المذكورة، والتي تألفت من كل من مدير المعهد- دايفيد دادج ومسؤول الحريات في المعهد- انطوني ميلز ومستشارة الحريات- نعومي هانت، تقريرا حمّلته تشخيصها لمشكلات الاعلام اللبناني حاليا.


في نص التقرير

واني سوف اترجكم لحضراتكم وحضراتكنّ بعض ما ورد في النص الاصلي الذي كتب بالانكليزية، بالتصرف وبايجاز:
"بداية اجمعت الشخصيات التي التقيناها انّ لبنان مازال يتمتع بمجتمع اعلامي نابض واكثر تنوعا وحرية من سائر المجتمعات في البلدان العربية الاخرى. غير انّ غالبية اولئك القادة (من قادة رأي وسياسيين) اعتبرت انّ الخارطة الاعلامية الحالية في البلد تعكس التفسخ السياسي الحاصل في المجتمع اللبناني. وقد اشار عدد غير قليل منهم انّ معظم المواد المنشورة في غالبية الوسائل الاعلامية تخضع لتدخلات ساسة اقوياء يمتلكونها اما ماليا او سياسيا.
انّ وجود وسائل اعلام حيادية يشكل ضرورة لرأب الصدع والتفسخ في بلد يتوزع اعلامه ما بين المعسكرات السياسية والطائفية. هذا ويعتبر تدخل رجال القرار السياسي بشكل مباشر، في التأثير في صناعة الخبر، تقييدا لاستقلالية المؤسسات الاعلامية وتشويها للحقائق، مما يسهم في زيادة الشرخ الحاصل ما بين المواطنين".
هذا ويعتبر مدير المعهد-دايفيد دادج في التقرير المذكور بانّه "وعلى الرغم من وجود مؤسسات اعلامية جيدة في لبنان، فانّ تسيّس الاعلام حتّم ويحتّم على الاعلاميين الاختيار ما بين اتجاهات مؤسساتهم السياسية او ارائهم السياسية الخاصة".
ثمّ يدعوا دادج بصراحة "رجال القرار والنفوذ السياسي ممن يسعون الى التحكم بوسائل الاعلام، الى تحمل مسؤولياتهم في هذا الصدد، وذلك لانّ تسيّس القطاع الاعلامي يزيد الفرقة والخصام ما بين اللبنانيين".
ويقول الرجل انّ " الطريقة الوحيدة لتخطي المشكلات الحالية في البلد والناتجة عن تشويه الحقائق وعدم الفهم الاخر، هي ببناء اعلام مستقل ومحايد ومتوازن وموضوعي...".
التقرير لم يغفل اللاعبين الدوليين والاقليميين، ويتوجه اليهم بالقول: " يتوجب على كل الفرقاء المحليين والاقليميين والدوليين احترام حيادية واستقلال وسائل الاعلام في لبنان وحقهنّ في نقل الوقائع بعيدا عن الضغوط والمضايقات...".
ويعتبر التقرير "انّ مصداقية وسائل الاعلام في بلد ما تصبح على المحك عندما يقرر رجالاته البارزين تحويلها الى وسائل لا تنطق الا بما يتلائم ورغباتهم، لذا فانّ على الساسة مقاومة غرائزهم لتطويع الاعلام".
كما يدعوا التقرير القيمين على وسائل الاعلام الى اتباع سياسات مالية شفافة جهة كشف اسماء مالكيها ومصادر تمويلها وذلك بغية ضمان استعادة مصداقيتها.
هذا ولم ينسى كاتب التقرير( انطوني ميل) ان يحمّل تقريره ايضا فصولا في ضرورة تصويب تعاطي بعض عناصر الاجهزة الامنية مع الاعلاميين، كما الاسراع في كشف من يقف وراء اغتيالات ومحاولات اغتيالات الاعلاميين في البلد. تقرير ال(IPI ( وضع الاصبع على الجرح لمّا ربط ما بين تعزيز استقلال السلطة القضائية وضمان استدامة حرية الصحافة في البلد، وذلك عبر بناء ثقافة المحاسبة والعقاب في مواجهة ال"لا عقاب" التي دفعت بالاعلاميين الى ممارسة الرقابة الذاتية لحماية ذواتهم...".


في البلد والحريات الاعلامية

اني شخصيا اعتقد انّ التقرير المذكور قد اصاب في توصيف وضع المجتمع الاعلامي اللبناني ، الذي كان في اساس تمايز البلد وازدهاره. ومشكلة الاعلام اليوم لم تعد ضغوط النظام الامني ووصايته بل اشياء اخرى اكبر واخطر بكثير!!!
لم يبحث تقرير "انطوني ميلز " في اسباب ما وصل الاعلام عندنا. وهذا ما سأفعله في هذا الشق. اعتقد انّ اسباب تدهور مصداقية وحيادية الاعلام اللبناني حاليا تعود الى العام 1999، على اثر انتهاء حروبنا الصغيرة. مرحلة، على الرغم من انها قد اسكتت المدافع والبست المسلحين اثوابا مدنية، منحت امراء الحرب مغانم السلطة، وذلك تحت ادارة واشراف وتوزيع من انتدبته الدول الكبرى لحكم لبنان على اثر حرب الخليج الاولى.
فكان ان حصل وقتها تزاوج، باركته القوى الاقليمية، ما بين الامن والمال. فتولّد جراء ذلك فساد قلّما شهده لبنان بهذه المستوايات. سكتت المدافع وكمّت فوهات البنادق، الا انّ حروبا الغاء جديدة شهرت آنها صوب المجتمع المدني الاعزل، فأدت الى استئصال مقوماته. فكان ان سخّف وخرق وهمّش هذا ما تبقى من هذا المجتمع لحساب السياسيين المتمولين والامنيين النافذين الذي كانوا يسرحون في الخندق نفسه في حلف ازلي. وكان الجسم الاعلامي والاتحاد العمالي العام، من اوائل واهمّ ضحايا تلك الحروب الصامتة. وقد تمكن الحكّام الجدد نتيجة ذلك من تدمير مقومات تطوير البلد وذلك عبر تدمير مقومات الرقابة والتصويب والمحاسبة. فكان ان تدمر لبنان معنويا الى حد كبير بعد ان دمرته الحرب ماديا.
وتزامنت تلك الفترة مع تطور الاعلام المرئي والمسموع، و من ثمّ ظهر الاعلام الالكتروني. تطور ما ترافق مع عمل جدي لتطوير القوانين التي ترعى اصول المهنة. فكانت ان اضحت تلك القطاعات المستحدثة مسبية ومكشوفة قانونيا، فالتجأت الى ساسة فرضوا شروطهم على معظمها، وبذلك كبّلت نفسها وفقدت حريتها بشكل ارادي. ثمّ راح العاملون فيها يفتشون عن حماية زعيم او امير في ظل غياب دولة المؤسسات. كما ان كثرتها، وقد فاق عددها قدرة السوق الاعلاني على التحمل، دفعها الى اعطاء اجرائها رواتب رمزية، كما البحث الدائم عن مصادر للتمويل. شكّل المال السياسي النبع الذي مدّ غالبيتها بحاجاته. كما انّ انكشاف العاملين في تلك المؤسسات ماليا وسياسيا واجتماعيا ادى الى التحاقهم بأقطاب المال السياسي والساسة النافذين. فكان ان اضحى معظم الاعلام عرّابا للفساد، وراح جزء غير يسير منه يفقد مصداقيته وموضوعيته وحياديته النسبية. فتكبل الاعلام اللبناني الى حد قيل فيه ما قيل ووصل البلد الى ما وصل اليه من تشرذم.


النهاية

اشعر انّ المستهدف من كل تلك التطورات هو امكانية التغيير في البلد. والمطلوب على ما يبدوا دفع الناس الى الاستسلام لما يرسمه القوي من زعماء الطوائف، الموكّلين من قبل الخارج ادارة شؤونهم، دون اي تذمر او شكوى. واننا بالفعل قد دخلنا ومنذ اقرار اتفاق الطائف في اجواء مسرحية زياد الرحباني "بخصوص الكرامة والشعب العنيد".
لست ادري متى سيبدأ العمل على اعداد قوانين اعلامية عصرية تعيد تنظيم القطاع فتعطي "ما لقيصر لقيصر وما للله للله"، ام انّ المطلوب ابقاء القطاع في خضم مسلسل "حمام صح النوم" ل"غوار الطوشي"؟؟؟
انّ فصل الاعلام عن الزعامات والمال السياسي قد اضحى ضرورة قصوى في لبنان بغية منع نشوب حروب جديدة مستقبلية في بلد الارز. لذا، فوسائل الاعلام مدعوة الى اتباع سياسات مالية شفافة لضمان كسب ثقة المواطن.
انّ البلد اضحى اليوم بحاجة كبيرة الى من يجمع ما بين اجزائه المتنافرة بفعل الشحن السياسي والطائفي، والا فالحروب والموت والويلات !!! وانّ على الاعلام ان يكون في خدمة السلام والعدالة والتنمية والحقيقة.
اخيرا، انّ اي وزير اعلام عتيد في الجمهورية مطالب في وضع يده على جرح لبنان النازف للعمل (مع حكومته) على مداواته، كي لا يقال يوما بأنّ النازف مات تحت اعين اطباء غير مبالين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق