الاثنين، 25 أبريل، 2011

اقباط مصر مسارا ومصير

اقباط مصر مسارا ومصير

بقلم مازن ح. عبّود

"نحن مسلمون وطناً ونصارى ديناً، اللهم اجعلنا نحن المسلمين لك، وللوطن انصارا.. اللهم اجعلنا نحن نصارى لك، وللوطن مسلمين".
مكرم عبيد

كانت مصر مختلفة، لمّا كان حزب الوفد في عزّه. كانت مصر مختلفة ورائدة، لمّا تمكن الزعيم سعد باشا زغلول، والمفكر القبطي مكرم بك عبيد وغيرهم، من تأسيس حزب الوفد الذي كان لولب الحياة السياسية المصرية في تلك الايام، ومحطة انظار الشعوب الاقل نموا التي طمحت وقتها لفك قيود اسرها. اشرق ذلك العصر في التاريخ المصري المعاصر لمّا اسس حزب "الوفد" في العام 1918، وافل نجمه مع وفات الزعيم سعد باشا الزغلول في 23 آب من العام 1927.


في تلك الفترة من الزمن لاقت مقولة مكرم عبيد (الواردة اعلاه) قبولا، واحسّ الاقباط يومها بأنهم مواطنون طبيعيون في ارض الكنانة. لما لا والشعب المصري قبل الفتح الاسلامي كان يسمى بكليته الشعب القبطي!!! وذلك لانّ الاقباط في ذاكرة التاريخ هم المصرييون الاصلييون. وانهم ما كانو يوما ضيوفا على احد.

فمصر تبقى في ادبنا الكنسي ارض القديس "انطونيوس الكبير"، "كوكب الصحراء" و"اب الرهبان"، كما انها ايضا ارض اثناسيوس الكبير- بطريرك الاسكندرية الذي دحض بدع آريوس في الكنيسة. ومصر هي ايضا، في ذاكرة المسيحيين الجماعية، موقعا من مواقع الكتاب المقدس، بشقّيه القديم والجديد. فهي الارض التي شهدت لتطور وعي البشرية جهة ظهور مبدأ التوحيد في الدين (الاله الواحد)، في فترات ما قبل التاريخ. فكان ان اضطهد كهنة واتباع الاله الواحد وقتها، وتمّ اقصاؤهم عنها، فشكّلوا ما يعرف اليوم بالديانة اليهودية. اجل، انّ اتباع الاله الاوحد في مصر هم، بحسب بعض المؤرخيين وعلماء الآثار، اساس قوم موسى او شعب الله المختار الذي هو في اساس الاديان السماوية الثلاثة.

هذا ومازال الاقباط يشتركون في صنع تاريخ بلدهم، وبمعدلات مختلفة، حتى يومنا هذا. الا انّ ادوارهم راحت تتراجع تدريجيا.
تراجع قد يكون ناتجا عن تبدل ما في محيطهم البشري!!!
اني اعتقد ان التراجع الدراماتيكي في احول اؤلئك القوم قد بدأ يظهر للعيان، على اثر استلام مصطفى باشا نحّاس رئاسة حزب الوفد، بعد وفاة سعد زغلول في العام 1927. فكان ان قام مصطفى باشا نحّاس بازاحة سكريتير الحزب العام- المفكر القبطي مكرم عبيد وقتها عن موقعه لاسباب كانت ابعد قليلا، عمّا اعلن. شكلت تلك الخطوة ضربة قوية للدور القبطي الذي رمز اليه فكر "مكرم عبيد" التحرري. ومن ثمّ راح حزب الوفد يتراجع، واخذت مشاركة الاقباط في الحياة العامة المصرية تتدهور ايضا، حتى وصلت الى درجات دنيا مع ثورة يوليو وتدابير التأميم. فكان ان هجرت النخب ورؤوس الاموال مصر، كما رحّلت الديمقراطية عنها بتولي الضباط الاحرار مقاليد السلطة ومن ثمّ باعلان حالة الطوارئ.

بدأ الاقباط يهجرون مصر، لمّا وجدوا انّ حظوظ ارساء دولة قانون تحفظ حقوقهم كمواطنين لا كرعايا، اضحت معدومة. فكان ان شعروا بعدم الاطمئنان لمستقبلهم، وبخاصة لمّا ايقنوا انّ الحقّ هو للاقوى في غياب دولة القانون عادة، وانّ هذا الاقوى هو الاكثر عددا. اما من كتب عليه البقاء لاسباب اقتصادية، فقد اكتشف انّ الشهادة ستكون قدره اذا ما اراد الحفاظ على قناعاته وخصوصيته الحضارية.

مما لا شك فيه انّ ظهور الدولة العبرية قد مسخ مصر الى الابد، وجعل وضع الاقليات فيها في مهب الريح. فالاعتبارات الامنية عطّلت الاحزاب، وغيبت الحياة الديمقراطية، وادخلت مصر في حالة طوارئ دائمة. فكان ان نشأت انظمة عسكرية توليتارية امسكت مقاليد السلطة. وكان ان امسى احترام حقوق الاقليات موضوع ثانوي.

وكان ان استعر التطرف جراء الخيبات المتعاقبة وغياب التنمية. كما استفحل الفقر الذي هو ثمرة لسؤ الادارة ولانتشار الفساد في ظل غياب المحاسبة. فكان ان تولّدت تلك الحالات عن ثورة يناير التي انتشرت بفضل شبكات التواصل الاجتماعية عبر الحاسوب. ثورة حظيت بدعم مبطن من اركان المؤسسة العسكرية الرافضين لرغبة الرئيس مبارك الدفينة في توريث ولده مقاليد الحكم، وتغيير قواعد اللعبة.
الا انّ الخوف من المستقبل ومن المزاج التطرفي المتزايد في مصر جعل البابا شنودة يتضامن مع الرئيس حسني مبارك، وذلك خلافا لرغبة القاعدة القبطية. هذا وبالفعل فانّ الاحداث الحالية تظهر انّ التغيير في مصر ليس في مصلحة هذه الاقلية، حيث انّ اعمال العنف تتزايد ضد الاقباط تباعا. فالشرق الاوسط، على ما يبدو، قادم على المزيد من موجات العنف والتطرف. موجات ستفضي في المدى غير القريب الى ارساء دول حقيقية مع أحزاب حقيقية. لكن الى حين حصول ذلك، اخشى ان تختفي الاقليات رويدا رويدا، وتضحي مكوناتها وقودا لآتون التغيير المرتقب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق