الثلاثاء، 2 أكتوبر، 2012

إمرأتان وفيلم

كان ينخطف الى الخارج، الى ما بعد الشارع الذي يفصل المدرسة عن الكنيسة، بكثير. كان يسرح ويسافر الى حيث تبزغ الجبال وتدخن غيوما في السماء. الا انه شعر بانجذاب الى تلك المعلمة الجميلة والخفيفة الدم التي لقنته العربية واشياء اخرى في الحياة. فصَفّها كان مختلفا عن كل الصفوف، إذ إنها كانت تضج بالاخبار والاثارة. فكتب لها اولى قصائده لمّا قررت ان تغادر مدرسة البلدة الى بيروت، واحسّ بإحباط ما لرحيلها والعام الدراسي ما كان قد انتهى بعد. لقد كانت ايفون مزيجا من كل شيء، واشياؤها كانت مفرحة. ما زال يتذكر كيف صرخت مرة، لمّا انتهكت حرمة دفتر علاماتها من قبل تلميذ مشاغب أضاف على غفلة لعلامته واحدا على اليمين بدل اليسار. فكان ان تخطى المعدلات الممنوحة لقياس الشطارة بأكثر من عشر مرات. فصارت علامته 7120 بدل 1720، فراحت تصرخ: ما هذا الذكاء الفائق؟؟ هل يعقل ان تتجاوز المعدلات بأكثر من عشر مرات؟ اننا بالفعل محظوظون بك. لقد اوقع الله بك يا صبي. ارجع الى علامتك الى 720". كما سألت آخر البقاء خارجا وانتظار حلول ميقات حصتها بحسب التوقيت القديم الذي تمسّك به، لمّا سئل عن اسباب تأخّره عن الصف على أثر تبدّل الساعة من التوقيت الصيفي الى الشتوي. وكانت ان طردت آخر لمّا اضرم النيران في طبقته رغبة منه في التخلص من محارمه المتسخة. عرف معلمته "ايفون" حاضرة وناضرة في صفها تشجع هذا وتنهي ذاك. كانت مزيجا من كل شيء، من الجدية واللهو والحب والجمال. ولكم تمَسرَحت في اروقة بلدتها التي عرفت المسرح منذ القرن التاسع عشر، والسينما في النصف الاول من القرن العشرين. اضاءت الشموع الحمراء لمّا بلغها ان نهاية الازمنة اضحت على الابواب، وراحت تحثّ اعضاء جمعيتها "جمعية القربان المقدس" للصلاة من اجل خلاص البشرية. فازت في الانتخابات البلدية عام 1998، فصارت من اوائل النساء اللواتي تقدمن الى العمل البلدي. الى ان أطلّت ممثلة قديرة في فيلم "هلأ لوين" للمخرجة والممثلة القديرة "ندين لبكي". مسيرة "المعلمة ايفون" بدأت في سوق دوما واروقتها، الى ان بلغت مهرجان "كان". وهذا ما كان قد حصل لو لم تكتشف هذه الموهبة بتيليسكوب "ندين لبكي". الخورية "ايفون" كانت وما زالت هي هي، بعفويتها وصدقها ومحبتها واندفاعها وشفافيتها وإنسانيتها وافكارها. الا انّ ضوء السينما سلط عليها في "هلأ لوين". قدرة "ندين لبكي" تجلت في الاصغاء الى نبض الناس وشجونهم وهمومهم وحراكهم وثقافتهم، فعرفت المخرجة انّ الفن ترجمة مكثفة للواقع على الخشبة. فكان ان ادخلت الى العمل شخصيات واقعية ومكثفة الطباع كـ "ايفون". فاصطبغ الفيلم نكهة ولونا وطعما خاصا على ايقاع موسيقى خالد مزنر الفريدة والجميلة والبرية، وظلاله الخفيفة التي رافقت طموحات زوجته فصانتها وكبّرتها. جرّاء كل ذلك، حصد العمل اعجاب الناس الذين يعشقون ما هو منها ولها. انّ احساس المخرجة المرهف شكّل مفتاحها الى فهم الخصوصية الجماعية والفردية، وهذا ما اعطى عملها لونا ونكهة وطعما. سيناريو فيلمها قد تبدل وفق النبض والضرورة، كي يكتسي الاصالة والطبيعية والصدق. فكان ان حملته اشياء من دوما ومشمش، اكتشفتها على ارض الواقع. فأضحى العمل عالميا يستهدف كل ساكن في كل بقعة من الكوكب. عرفت "ندين" ببساطة كيف تزاوج ما بين الجامد والمتحرك والكلمات. فأضح الكل الى حد بعيد جسما واحدا، لمشهد واحد، وبرسالة واحدة وصلت الى المشاهد ببساطة كلية. المخرجة "ندين لبكي" وبطلتها "ايفون" شكلا انموذجا نسائيا لبنانيا تخطى الحدود حتى النجومية، علماً أنّ الفيلم قد اختلط بالامكنة، فصار مثلا جزءا من ماضي دوما وحاضرها. وتحوّل الى حكاية على لسان الاطفال، تماما كما حدث لمّا صنع سفر برلك في غالبيته هناك. اخيراً، لست "هلأ لوين؟". الا اني اريد له ان يسير وراء امثال "ندين لبكي" و"ايفون معلوف"، بعد ان سئمنا السير مع الساسة الى الوراء. ارى مدرسة العربية القديمة والممثلة الحالية تحمل مكبّر الصوت مجددا وتدور على اللبنانيين داعية اياهم الى النهوض من كبوَتهم. اراها تحمله تماما كما في حرب تموز، وتجول على احياء البلدة داعية الناس الى الاعتصام والتظاهر استنكارا لضربات اسرائيل. اسمع صوت "ايفون": "يا عالم يا هو. قوموا. انتفضوا. يا اموات قوموا. ويا نيام انهضوا. معكم الست ايفون. وافوني الى الساحة دفاعا عن لبنان بيتكم وعن اهلكم".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق