الخميس، 3 أبريل، 2014

جلول المرتل من كفرنسيان


"ملعون ابن معلون من يمس شجرة التين.  وابن زانية يكون من يسرقها.  ولقيط كل من يتجرأ على شراء ثمارها من سارقيها"  كان هذا غيض من فيض مم كان يكتبه "جلول" على شجرة التين خاصته في حديقة دكانه في الحارة التحتا في "كفرنسيان".  فالهجوم كان افضل وسيلة للدفاع عن التراب الوطني، كما كان يقول.  وكان كل من مرّ في محيط تلك الشجرة يتلعثم ويتوقف متأملا كل ذلك لدقائق حتى سميت تلك الشجرة شجرة السباب في "كفرنسيان".  وكانت العمة "فوتين"، عقيلته المصون، تنظر الى الناس من الاعالي، من شرفتها.  وتقول، في سر صمتها: "كل شخص متهم في هذه الناحية حتى تثبت براءته.  فشعب "كفرنسيان" ملعون، تسري الرذالة في دمه حتى الابراء المستحيل.  اسألوني انا القديمة والعارفة، فابلغكم!!!".  الا انها كانت ترحب بهم في العلن، ضاحكة، وتقول بصوت عال: "بو نجور تو لي جور يا احباء التانت، كيفكم؟؟  اي صباح الخير كل الايام يا احبائي، كيف احوالكم؟؟ ".   فحين يصعّد الرجال تقابلهم النسوة بالليونة بخاصة اذا ما كان الرجال من الشخصيات العامة المعروفة والحبوبة.  وهذا ما كان "جلول" عليه.  فقد كان مرتلا مرموقا في كنيسة "كفرنسيان".  الا انه كان حين يدخل الكنيسة ينسى ما خارجها، ويروح ينعّم حلاسه ويبدل نظراته.  فلكل مقام مقال.  وما داخل مملكة الله ليس كخارجها البتة.

بدا "جلول" في هذه الايام فخورا بابنه الاكبر الذي اطلق على مولوده تسمية "دجوني" تيمنا به.  الا انّ احدا لم يفهم بداية كيف اضحى اسم "دجوني"، "جلولا".   والله على النيات يحاكم، ونية بكر "جلول" تسمية بكره على اسم ابيه.   ولو انه ظاهريا فقط لم يتمكن من ذلك بسبب تدخل نسائي.  وقد علق في بال الناس في تلك المحلة نظرية افتاها هو، ومفادها :"انّ اسم "دجوني" هو نفسه اسم "جلول" لكن بالافرنجي".  فكان ان بارك له كبار القوم ونوهوا بمحبة الولد لوالده واكرامه له، كما ببعد نظر ابن "جلول".   فالجميع في تلك البقعة كان يتحضر للهجرة دون ان يعلن ذلك.  وتغيير التسميات تقع في اطار التحضير للمستقبل والهروب، وذلك بالرغم من كل الكلمات الطنانة والرنانة التي كان يطلقها قوم تلك القرية بين الفينة والاخرى حول التعلق بالارض ومحبتها وما شابه فقد كانت ضربا من ضروب الفولكلور. 

نعم، هكذا كانت تجري الامور في تلك المحلة المحروسة من الله.  فالاعتقاد يحل محل الحقيقة.  يزيحها الى الابد.  ويطويها في دياجير النسيان.   

حرص العم "جلول" ان يكون له تلامذة كثر، فينقل اليهم معارفه.  وقد كانوا يدخلون دكانه بوقار، فيستمعون الى اخباره مع النساء، وسباقه واخيه لسلب والدتهما مدخراتها في الولايات المتحدة الامريكية.   ووالدتهما كانت قد فرت الى "بروكلين" ابان الحرب الكونية الكبرى هاربة من الجوع.  وعملت جاهدة لاعالة ولديها.  فكان ان سلباها لمّ كبرا كل مدخراتها.  وتركاها، كهلة في بلاد غريبة، تواجه مصيرها وحيدة. 

حزن "برهوم" الصغير، الذي كان يوافي الى ذلك الدكان ايضا، اذ عرف انّ العم "جلول" كان يرى بعين واحدة.  وادرك انّ عين ذلك المرتل كانت مصوّبة الى الخارج.  وقد كانت تخدم الشهوة، وتبعد ذلك المرتل عن داخله المرير، الذي كان جهنمه.  فجهنم وملكوت السماوات، كما كان يقول الخوري "الياس الجزيل بره"، يولدان ها هنا ونحملهما الى هناك.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق