الثلاثاء، 25 مارس، 2014

في طفولة "برهوم" في "كفرنسيان"

تطلع "برهوم" الصغير من حوله وضحك.  فالدنيا في الف خير.   جدته ترعاه كما ترعى دجاجتها وكرمها الذي غصّ بكل انواع الاشجار المثمرة من رمان وخوخ وايجاص وكرز وتفاح وما شابه.   وفي كرم جدته كان النحل يحوم، كما كانت الملائكة تحوم هناك.  حديقتها كانت كقصصها جميلة كحلم.   وقد كان يفرح حين تكلفه ان يرصد تحركات جده ويبلغها عن العمة "روز" التي كان تتقصد ان تقله في سيارتها من المنزل الى دكانه في سوق "كفرنسيان".  احبّ "برهوم" ان يعيش في منزل جدّيه حيث كان يلتقي الخال "الياس" الذي يقله على دراجة نارية الى العين.  ويبني له خيمة من "لزّان" صيفا على سطح المنزل حيث يرصد الكواكب.  وقد عشق جلساته المطعمة باخبار "نوح" و"موسى" و"ابراهيم" و"يعقوب"  وغيرهم من الانبياء.   وقد كان يصطحبه الى "كرم الحاج" حيث الاسرار والناس الراقدين في الحرب الكونية.
كانت الجدة مسرورة بحفيدها.  وكانت تسأله ان ينصت الى كل الناس كي ينمو.  فبالكلمة يكبر الفتيان ايضا.  والكلمة ينزلها الرب حيث ما يشاء وكيف ما يشاء وعلى من يشاء حتى لو كان "سكيرا" او ما شابه، كما كانت الجدة تقول.   الا انها كانت تطلب اليه ان يصبح دكتورا على شاكلة نسيبه د. غسّان الذي ما انفكّ يستعين بها لتفسير احلامه.   وقد ادركه يوافي اليها منصتا الى اقوالها وتفسيراتها للاحلام.  وجدته كانت تخلع منديلها وتلوّح اذا ما رصدت طائرة فوق كرم "الحاج".  فاستراليا هي الطابق العلوي للمسكونة، كما كانت تقول.  وهناك يقبع ابنها كما ابتها.  ولكم سمعها تقول " صلي لخالك وخالتك المقيميّن فوق في اوستراليا".   ما يزيد ذلك الحيّ حلاوة هو وجود "سبع" ابن عمه صاحب الاسم الذي يلغي مفاعيل السحر على النساء.  فالسباع لا يغلبها احد من الجن.  الا انه كان مع السبع لا يلاحقا الحيوانات بل شاحنة النفايات.  حيث انهما كانا مغرمين بانبعاثات المازوت.  الا انّ مفاعيل المتعة كانت تنتهي مع صدوح صوت جدة السبع "منوش" التي كانت انّ نادت تهتز الارض وتردد الجبال صدى صوتها.  فيعود السبع من حيث اتى كنعجة.  ويلاحق هو وحيدا شاحنة الزبالة التماسا لادخنتها.  وقد ضبطه شرطي البلدية "الياس عيسى" في الجرم المشهود.  فنهره اخ جده "خليل" واصعده معه الى السيارة الرباعية الدفع المخصصة لانتقال اركان السلطة المحلية في "كفرنسيان" واولادهم واولاد اولادهم والمقربين.   وقد سمعه يقول كلمات التقط بعضها من اذاعة "هنا لندن، صوت الاذاعة البريطانية" دون ان يعرف مغزاها :"غريبون هم اولاد هذا العصر. انهم عن حق اولاد الغازات الدفيئة والاحتباس الحراري".  فيرد عليه الشرطي، قائلا: " اسمع يا خليل بك.  انّ الاولاد من فصيلة القردة".  وقد كان الشرطي يضم الى عائلة القردة كل شيئ خارج عن المألوف.   فترتسم الدنيا للصغير ادغالا تسرح وتمرح فيها القردة والكلاب على انواعها.  "فالقرد "سليم" اللحام مثلا قد ذبح قردة (اي عنزة)، القرود (اي الكلاب) لا تأكل منها.  ولقد اعذر من انذر يا قرودا".  وفق ما ابلغ جده خليل.   وسرعان ما مرت الايام.  ووافى "برهوم" يوما من مدرسته كي يجد جده "خليل" ميتا تحتف من حوله الندابات.  فارتعد. ودارت الايام ووجد الشرطي "بو عيسى" ميتا قرب السنديانة العظيمة حيث كان يوافي كي يستجم.  ولحقت جدته بهم اذ آثرت ان ترقد في اثنين عيد الفصح بعد ان امتنعت عن تناول الطعام قبيل نهاية الاسبوع العظيم.  اما الخال "الياس" فقد غادر على دراجته النارية الى حيث غادر يوما النبي "ايليا".  وجده كان آخر الراحلين.  ومعهم جميعا انطوت الطفولة والاحلام الزهرية.  وبدأ "برهوم" يكتشف واقع حال الحياة المرة غالبا في "كفرنسيان".    


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق