السبت، 3 مايو، 2014

قديسو كفرنسيان

تعرّف "برهوم" على العم "الياس".  وقد كان كهلا لغزا يعيش في علية.  ينطلق منها واليها يوميا.  ادركه يتمتم اشياء من قصص ومزامير سكنت حارته القديمة التي ما انفكت تنطر بوابة بعلبك المهجورة لسوق "كفرنسيان" الغافي.  قيل انّ العم "الياس" كان ينتظر شيئا.  وقيل انّ انبياء العهد القديم كانوا يجتمعون عنده.   فيصنع واياهم الاخبار والقصص.   
 احبّ برهوم ان يلتقيه فيستمع الى قصصه وهلوساته.   فداوود الملك مثلا بحسب العم "الياس" وافى الى قلاية يوحنا المعمدان في عربة ايليا النبي النارية كي يهديه نجمته التي مازالت معلقة على بوابة دير مار يوحنا الخارجية.
كان العم "الياس" يعتبر بأنّ الناس تقدس الارض.  وقد امر صبيان "كفرنسيان" بتقديس الارض التي يسيرون عليها، ففي "كفرنسيان" شياطين كثيرة.  واغرب ما تعلمه منه انّ في تلك النواحي قديسين منسيون.  وقد قال له: "تحديك ان تكتشف القديسين وتتزود منهم بالبركات قبل ان يرحلون.  فقداسة اولئك البسطاء لا يعلنها اساقفة او بطاركة او بابوات.  يبقون مجهولين.  يبقون قيد النسيان الى حين قدوم الديّان.  فكم من الذين اعلنت قداستهم ليسو بقديسين؟؟ وكم من المنسيين هم مغبوطون لدى ربهم??  اعلم انّ الناس لا تعترف بخصال احد ولا تكرم عادة الا الموتى. اترى تعشق "كفرنسيان" ابرارها موتى وتخشاهم احياء؟؟".
لاحظ  "جبور" عضو المجلس الاختياري انّ "برهوم" من حارة "الواوية" يتردد على الكهل المسحور.  فأبلغ والد الصبي وذلك كي لا ينجر الولد الى عوالم غير معلومة.  فنهر  الوالد الولد، طالبا اليه ان يلعب مع اولاد جيله.  الا انّ ذلك لم يغيّر في الموضوع شيئا.  ففضولية "برهوم" طغت على الطاعة عنده.  وما كان معلوما اضحى مستورا.  واجمل ما سمع من الكهل حول القديسين المنسيين، كان قصة "حلى" التي عاشت في منزل اضحى مهجورا، ومازال يقبع على امتار من بيت جده.   
قال له: " كان في "كفر نسيان" ارملة جميلة اسمها "حلى".  خسرت زوجها باكرا حتى قبل ان يولد ابنها.  فأضحت مقطوعة من شجرة.  عملت ليل نهار كي تعيل ابنها. 
وكان ان داهمها الظلام عصر يوم كانوني.   فضلّت دربها بينما كانت تجمع الحطب والزيتون المتبقي في البراري.  علقت في العتمة لساعات.  حتى شعرت بانّ الموت يتربص بها.  وما كانت مستعدة له.  قيل انّ ملاك الموت وافاها سائلا نفسها.  فنهرته كي يرحل، ويمهلها حتى يكبر ابنها.  فيصبح قادرا على تدبر امره.  فكان ان رحل.   وحصد نفس جارتها.    وارسل الله لها ملاكا من شهب انار دربها حتى عتبة الدار.  ومازالت تعرف الدرب التي سلكتها بدرب النور الى غاية هذا التاريخ.
 كانت "حلا" فقيرة فما اكترث بها الخوري.  كانت غير متعلمة.  لذا، فانّ اقولها لم تكن تؤخذ كثيرا على محمل الجد في الصالونات.  الا انّ من عرفها اضحى يطلب شفاعتها وينال ما يشتهيه.  وقد كانت توافيهم كي تضيئ عتمات لياليهم الحالكة".
تلا العم "الياس" قصته ورحل عشية ذلك اليوم.  ولم يكن يعلم انّ "جميلا" ابن الخوري ما كان يتقن القيادة في الضباب.  فكان ان لطمه وارداه. مات الكهل الغريب سريعا.  فقد استدعته ملائكته قبل ان يحدث الطوفان او ان يمطر ربه السماء على الناس في "كفرنسيان" كبريتا ونارا.
هذا ومازال "برهوم" يفتش عن القديسين الاحياء كي يتبرك منهم، اولئك المنسيون الذين لن يعلن قداستهم بطريركا او بابا بل يبانون على البشرية يوم قدوم الديّان.  يبانون مع البوق حين يستفيق الموتى من قبورهم.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق