الأربعاء، 21 مايو، 2014

برهوم و"جوجو اميرة" في المطر


راح "برهوم" يركض تحت الشتاء ويبكي ويصدح.  اختلط دمعه بزخات المطر المتساقط.   ارتسمت صورته في برك مياه دروب "كفرنسيان" المتشعبة حتى الضياع.  بدا وجهه في الماء مختلفا.   فراح يركل صورته المتموجة على سطح المياه.  وما عرف بانه كان يركل المياه التي كانت تعود اليه كبصاق الشياطين.  كان "برهوم" يبكي من شدة الالم كمصلوب.  فجراحه كانت سحيقة كوهاد، سكنها البوم واولاد آوى فامتزج صراخهم بالرعد.  سمعته الغيمات فاضطربت.  وابصره البرق فاحتار.  احست به الارض.  فهمّت ان تدعوه كي يعود اليها.  وهو قد خرج منها بالامس طفلا.  حساس هو ومرهف ومجنون وخلوق وحالم حتى الثمالة!!  عاطفي هو.   وعواطفه كانت تميته وتأخذه الى بحر من الافكار.  فالكثير من العواطف تقتل.  وقد توقعت له "امرأة يعقوب الارمني" جارتهم، ان يتعذب ويشقى في دنياه من فرط احاسيسه.  فقد كانت الافكار والعواطف تستوطنه.  وتقبع فيه فلا تعود تغادر. الا بعد ان تسلخ اجزاء من نفسه. 
من انت يا "كفرنسيان" كي تفعل فعلك بالصبي الحالم؟؟  من انت كي تميتيه هكذا؟؟  وقد كان صبيا يستوطن سنديانة حارة الوادي التي كانت بالنسبة اليه ولرفاقه المجرة.   كان يغني هناك، معتقدا انه الملك.  فالعالم بالنسبة اليه كان بضع اقارب واشياء واماكن صغيرة حفظها عن ظهر قلب.  
لمحته عمته "فهيمة" يركض ويصرخ كمجنون تحت المطر.  فصرخت لاولادها قائلة: "اركضوا الحقوا به.  جنّ "برهوم" ابن خالكم.  جنّ "برهوم".  تبا ل"كفرنسيان" فقد حوّلت الصبي من مغني اوبيرا، الى نادب بلدي تحت المطر".  هاتفت امه وابلغتها بما شاهدته.  احتارت الام في ذلك.   وكلفت اخيه الذهاب لاصطحابه.  ومن ثمّ راحت تقول في نفسها:
"ايكون قد وقع الصبي تحت لعنة "نظيرة" التي دعت عليه بكل انواع "التيفوئيد" و"الكوليرا"؟؟  كلا.  فكل امراضها ولعناتها لا يتخطى سقف اكلافها المليون ليرة لبنانية.  ومن ثمّ فانّ الله لا يستجيب لها.
او ايكون ناظر المدرسة قد اكتشف امره، فعاقبه؟؟ فهو قد ارسل اليه "زوزو" كي يلهيه.  ويفرّ مع رفيقه "زخيا" عبر ثقب في سياج ملعب الدرسة الى ملاعب الطبيعة التي احبها اكثر من رتابة الصفوف التي كانت سجنا سجّانها معلمة او استاذا مملا؟؟  كلا فالمعلم "يوسف" لا يفعل به هذه الفعلة.
ام تكون حشريته لاكتشاف ما في داخل المقابر وانتهاك حرمة الموت قد جعلته يقع تحت لعنة الخوري بعد ان انفضح امره مع رفاقه في كل "كفرنسيان"؟؟
ام انّ توجيه الاضواء على قبة كنيسة السيدة المحازية لبيت العمتين "منيرة" و"عفيفة" اللتان ارتعدتا وسقطتا ارضا من هول الرؤية، اذ اعتقدتا ان السيدة العذراء ظهرت على برج الكنيسة؟؟ 
كلا، لم تكن كل تلك الامور سبب بكائه.  كما لم يكن سبب بكائه في المطر غضب والده جراء تنظيمه مظاهرة احتجاجية مع نشر يافطات في محيط المنزل على خلفية مخالفة الاب القواعد التي لقنها لاولاده". 
ما ايقنت الام ان ولدها اضحى ناشطا في جمعية "حياة كفرنسيان".  وقد تقدم الى انتخابات المندوبين الحامية في صفه.  فقد بدأ يكتشف الحياة ومعها يحتسي المرارة.   ويدرك محدوديته.  والاولاد لا يكبرون من دون وجع.   لا يكبر الناس الا حين تصطدم طموحاتهم بحوائط، وعواطفهم باللامبالاة، وحبهم بال"لا حب"، وجهودهم بالاجحاد.   لا يكبرون الا عندما يكتشفون ضعفهم.  فيروحون يبكون على صور غير واقعية ارتسمت عن انفسهم في خيالهم.  فمن رحم الضعف والوجع والاحباط يخرج الانسان ملكا غالبا الانكسار.  وقد قيل انّ الطفولة لا تكسرها الا لطمات "الانا" على جنبات النفس". 
قيل انّ "جوجو اميرة"، بسيط الحي، ابصره ضائعا في المطر يومها.  فأسرع اليه حاملا مظلة.  وتطلع به.  فرآه يبكي.  فسأله: "ما بالك تبكي يا "بيرو" مع ام "رعيدي" ؟؟  ايكون توتر البرق قد ضربك؟  قل لي من اعتدى عليك يا ابن "ايفون"؟؟  لا يجوز البكاء في المطر.  لا تبتل.   ولا تخف من شيئ.   فلديك صديق بامرته المدعي العام و"الكركون" وكل الضيعة.  مشكلتك انك قررت ان تكبر.  تكبر ولماذا؟؟  الا فادخل الى الثلاجة واحفظ نفسك!!  فهذا يوجع الرأس.  والحياة لا تستأهل.  الا فانظر انّ تربة "مار سركيس" قريبة من هنا.  الا فلاقيني غدا كي نلعب مجددا "غريندايزر" في سنديانة "ايفلين".  ونلهو ونعدو ونغني قرب البيت.  هل صرت تكتب اسمك؟  يكفي، اترك المدرسة.  لا يلزمك العلم لاكثر من ذلك".
ومازال طعم المطر الممزوج ملوحة تحت اضراسه، كما كلمات "جوجو اميرة".  وقد تعوّد عليه.   وتعوّد العدو والبكاء في المطر. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق