الاثنين، 4 يوليو، 2011

في كتاب "ذكريات صبي المحلة" لمازن عبّود



في كتاب "ذكريات صبي المحلة" لمازن عبّود

بقلم المطران جورج خضر

مجموعةُ قصص امكننا القول انها منصهرةً قصةُ الطراوة في دوما التي رأيت من انها قطعة من السماء رماها الله على الأرض. لا يبتعد مرة مازن عبود عن قراءته لضيعته هذه أيةً كانت الحكاية. ليست رقعة القرية هي المهمة عنده ولكن مشاعر الناس الممدودة الى اللاحدود، الى لَعب الطفولة. والطفولة عنده تنبع من الأطفال في القسم الأول من الكتاب ومن البالغين في القسم الثاني ولعل البالغ في عمره لا يترك عنده البدايات.

وما ييسر عمل مازن انه يأتي بخاصة بالناس الذين يبدو لي انه يعرفهم واحدًا واحدًا وكأنه يلاعبهم اذا استنطقهم في زواريب الضيعة أو في حاراتهم ولعل القرية ليست في بيوتها ولكن في روح الصغار والكبار فيها. ويزجنا الكتاب زجا عظيما في هؤلاء باستعماله، هنا وثمة، اللغة العامية في قسمي الكتاب كأنه يرى انها تعبر عن حركات هذه النفوس التي هي كانها فتية اذ العمر الحسن ليس بالسن ولكن بمَسِّك الفرح. بعض المجتمع في دوما يبقى على بكارته اذا اعتمد بهذا الفرح والكاتب لا يجهل ان بعضا من مواطنيه ليسوا قديسين ولكنه يرجو لهم ان يكونوا كذلك ما يجعلهم ضمة واحدة في عيني الله.

إلى ذلك الكتاب يجدد الشباب فيك بالصور التي يحتوي وهي من صميم حياة البشر في هذه الضيعة المهيمنة على بلاد البترون. والصور ما كانت مجرد تزيين ولكنها تنطق كالنص، حيةً كالنص.

بعض منه يجيء من الكنيسة الأرثوذكسية مندمجا بالسرد. هي مادة فكر وإحساس كان دائما يعذبني ان الأدباء المولودين على المسيحية يتحاشونها لأن شعورهم كان يوحي لهم انها تستخدم في البيع وليس في هذه الحياة التي نسميها الأدب. عالمُ الصغير فيه دينٌ والهيات منسوجةً بصورة فريدة. كسر مازن عبود هذه القاعدة الحيية التي تقول إن الكلمات المقدسة تُذكَر فقط في العبادات. من قال ان الكتابة ليست موضعا من مواضع سيادة الله؟

أنى لمازن عبود هذه السلاسة المذهلة؟ هذه ليست تشبها بالبراءة. فالطفل ليس بريئا. انه فهيم وما الفهيم ببرئ ولكنه فيض حياة تحددنا. لذلك جاء مازن عبود في سلك إحيائنا، هذا الذي يصير فيه الأدب خلقا في القارئ.

الأدب الحقيقي هو الذي يجعلك لا تفرق بين صوغه والحميمية التي ينقلها اليك. يحكي الكاتب ويحسب نفسه يرصف كلمات فاذا بها تتحول فيك إلى ينابيع تنبع إلى اللامدى واللازمان. وهذا ليس بخضة الكتابة الزائفة ولكنه السكون الذي يأتيك من السبت المبارك الذي كان فيه الناصري راقدا في القبر يتهيأ فيه تفجُر القيامة. ما لم تكن كلماتك تمشي في دروب وبوابات العالم الآخر كما يقول صاحبنا في احد فصوله فأنت لم تلد شيئًا.

كل شيء عند المؤلف أسفار ووجوه. نحن دائما مسافرون إلى لانهائية الله. من هذه الزاوية يبلغ صاحبنا اللاهوت العالي. اسمعه يقول في هذا الفصل »أجمل وأحلى الوجوه هي اشعاعات للعلي. ويتحول الناس إلى أيقونات حية« أيقونات تختصر بحيثياتها جهاد الانسان الطويل وتعكس بأبعادها السلام.

هذا يجعل مازنا متحسرا على بعض الذين رحلوا وضامّا الموت إلى فكره.

في أواخر المصنف يعرج على السياسة، على بعض من الأحداث التي عاشها وفي قراءة لي متأنية لم أرَ انه تموضع في أية زاوية من زواياها. غير انه طبعا احب الذين قُتلوا. من الطبيعي ان يكون صاحبنا مع الحياة لكونه مع الطفولة.

الا انه مع ذلك أطل على حياة البلد الداخلية ولا سيما على البيئة، وهي شاغلة قلبِه ومضطر لبنان ان يصبح وطن القلوب اذا شاء البقاء.
في كتاب قصصي يبقى الكاتب قاصا ولا ننتظر منه منظورة سياسية ولكن كل الكتاب ممدودة فيه عاطفة وطنية مقبولة بلغة كل الأجيال التي اختبرها الكاتب.

واللغة كاملة عند المولد كما هي كاملة عند البالغ ويطعّم صاحبنا اللغتين بالصور التي تبدو تعبيرا فيه حلاوة ولطف.
واذا شئت ان توحد بين القصص والصور لقلت ان المدى المصور والمحكي عنه هو دُوما ويعرضها مازن عبود على تحسسنا جميعا.

في هذا المد السردي يضع روائي هذه القرية في إطار ديني طقوسي مبثوثة فيه بيزنطية العظيمة. الواقفون على العبادات عندنا يعرفون ان بيزنطية استمدت نفسها من عندنا ونعرف انها تأقلمت بنا ولا لبس أطفال الكتاب وبالغوه الطربوش التركي. اخذناه من مقهوريتنا ومع ذلك بقينا انفسنا نازلين من فوق.

ان يأتي أولادنا وشيوخنا من الانجيل ويظلوا من البلد ادخلنا فيه مازن بسرد قصصي في ظاهره ولكنه روحاني في مرماه. له ان يتحدث عن عيد الميلاد ورأس السنة والفصح ولكن كل شيء من الكنيسة التي نشأ فيها فصحي حتى الثمالة وقُدر له ان يقول هذا شعبيا بصورة طلية وطراوة نَفْس ليذكرنا ان القيامة خاطفتنا واننا منها نعود إلى الحياة اليومية فتبقى مكنونة فيها ويقولها كل منا بنفسِه أو أسلوبه فاذا بالصغار والكبار واحد ولو تباينت قاماتهم او لهجاتهم.

إلى الحقيقة الإلهية التي يكشفها لنا الكاتب تظل أساطير الضيعة محببة لكل أجيالها ولا ينبغي لنا ان نكره الأسطورة لأنها تعبير عميق آت من بعد تاريخي، من خيال لا يضرب الإيمان بالضرورة. لها منزلة في الفكر وللايمان منزلته في الفكر.

اذا أردت في الأخير ان اسكب مازن عبود في كلمتين لقلت انه راهب دوما. يجيء من المسيح اليها ويعود منها إلى المسيح. من بعد مكنونيتها فيه تظهر لنا بنور لها عجيب. واذا نظرت اليها آتيا من البترون أو عمشيت ترى عجائبيتها وتفهم كيف ان واحدًا من أبنائها احس بأمومتها له، تلك الأمومة التي يعطيها كل قارئ.

وبلا غلو اقول اني تقبلت »ذكريات صبي المحلة« تقبلا داخليا عميقا، أثرا مسيحيا عربيا في صوغ لبناني ولا افصح. مازن عبود يحمل وعودا كبيرة لحريتنا في لصوقنا بجبال لبنان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق