الاثنين، 28 مايو، 2012

ما ضاع شادي

الاثنين 28 أيار 2012 مازن ح. عبّود أمسك «شهيد» مسبحته المترهّلة، وراح يقلب حبّاتها كما يقلب الحاصد غلّته، وهو يغنّي بصوت متهدّج: «من زمان أنا وزغيري، كان في صبي إسمو شادي...». ولمّا وصل «ميخايل» صاحبه لزيارته، علا صراخه وسمعت الاهازيج. وأمر الكهل اهل البيت بـ»طبخ القهوة»، احتفاء. وعلى غفلة منهم، امسك صينية تحوي كل ما تشتهي وتطلب من الادوية. وقدّمها الى صاحبه «مخايل» بخفَر وسريّة وتأن، طالبا اليه اخذ حبّات من بعضها بسرية تامة. ثمّ راح يشرح له مفاعيلها على صحّته ووضعه الجسدي. وكان يقول لصاحبه: «خذ تناول منها يا ابن آدم قبل ان تدركك كنّتي او ابني او الاولاد. فعيونهم ضيّقة يا اخي... ألا فكُلْ، كُلْ منها بسرعة... ولا تنس قبل كل شيء ان تدعو لصاحبك «شهيد» بالخير وطول العمر والهناء. وانك لن تندم ابدا، بإذن الله. إنّ هذا الدواء ترياق بالفعل». وشهيد قد عُرف في المحلّة «بشهيد حاتم طيّ» لشدّة كرمه. وهذا ما جعله يقاسم رفاق عمره خيراته، وحتى ترياقه الناجع. الا انّ ما خَفي على كهلنا، كما على الخارجية الاميركية والكثير من قادة الدول المتقدمة، أنّ في الحياة مرضى وليس مرض. فما يصحّ لهذا المريض لا يصحّ لذاك. وحضرت «تلة السراي» وقصة «شادي» في حديث الرجلين. حيث انّ «شهيداً» ابلغ «ميخايل» انّ «شادي» ما ضاع، كما ردّدت فيروز في اغنيتها. لا بل عاد مظفرا الى البلد بمسعى من اهل «تلّة السراي» وساكنيها. موضوع «شادي» شكّل لغزا للكهلَين. فـ»شادي» هو مزيج من الخيال والواقع، لأنّ حيثيّات ظروف اعتقاله وتحريره اعادت تشغيل الخلايا النائمة منذ زمن في رأس الكهلين، وشكّلت منعطفا قصصيا هاما، فاق في اهميّته ما تقدّمت به افلام الإثارة لـ»الفرد هيتشكوك». و»شهيد» قد قرأ اشياء ايجابية في بعض ما جرى في البلد من حوادث مؤخّرا. وذلك لأنّ إحراق الدواليب مثلا، هو ضروري للتخلّص من كميّاتها المرمية هنا وهناك في البراري وجنبات الطرق. وقد نوّه بسياسة رئيس الحكومة الشيقة التي تضيّع الناس وتحيّرهم. كما بدا فخورا بالصبّي (حفيده) الذي عرف كيف يستفيد من المصائب. وحسبه انه اذا ما كان للسلم طرق، فإنّ للحروب والاضطرابات طرائق اخرى. فالصبي الالمعي عرف كيف يجمع الدواليب المستهلكة ويبيعها للمهتمّين في حرق الدواليب وقطع الشوارع، فاستجاب للطلب في السوق. وقد اعتبره «انيس» في دكّانة «الحاج» من خواص «الشطّار المركنتليّين». لم لا والاقتصاد، وفق «كينز»، يرتكز على نظرية الثمن التي يحدّدها عاملا العرض والطلب!! والأدهى في هذه النظرية هو وجود الرجل الخفيّ الذي يحرك كل شيء، تماما كما في لبنان الحبيب. وحياتنا خاضعة الى هذه النظرية الاقتصادية مع إضافات «دوغلاس نورث» و»رونالد كوس» الحميدة حول تأثيرات الفساد الذي يستشري عندنا. ما فهم الكَهلان كلمة واحدة من نظريات «انيس»، الّا انّ الاهم في كل ذلك، كان أنّ «شادي» لم يَضع، بل عاد الى اهله إثر اعمال شغب ادّت الى افادة الجميع. ولماذا السياسة إن لم تحرك الاقتصاد؟؟ فهي تصبح باطل الاباطيل. الا انّ الشاويش الذي فقد هيبته لم يكن ممتنّاً ممّا جرى. اما معلمّي مدرسة محلة الكهلين فقد تخوّفوا من انفلات الوضع وتراجع هيبة النظام المدرسي. الّا انّ ما جرى قد جرى. وما يكتب له ان يجري سيجري، اذ لم تتدخّل يد خفية. فالظاهر انّ الساحة قد افرغت زماناً من غالبية الابطال، وبدأ تبديل الديكور و»الكومبارسات» القديمة حاليا. ثمّ انّ شخصيات اكثر راديكالية واثارة وجدلا وديناميكية بدأت تهمّ للدخول اليها، والادهى انّ بعضهم يتسابق على إطعام وحش سيلتهمه حتما.  العدد 368 | 28 أيار 2012 لبنان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق