الاثنين، 7 مايو، 2012

فوتين وعظام زوجها وساسين والاسكندر


"فوتين" امرأة عاشت حياة قوامها العفة على رغم ترملها باكرا جدا. ترملت بعدما رزقت بنين وبنات من زوجها المرحوم "نجيب" من الحي "الفوقاني" الموازي لجسر "وادي النوس العظيم". ترملت وما كانت قد تخطت مسافة العشرين عاما من العمر. وقد بلغني من جاراتها اللدودات، انها بكت يوم فراق زوجها كثيرا. وانتحبت على ليالي الانس معه وعلى قدراته. حتى اسكتتها خالتها يومها طالبة اليها تحسين مضامين خطابها في الراحل وعشرته. بكته على الرغم من انه قد تعذّب كثيرا وعذبها. وما اورثها الا ازمات مالية و"صيصانه" اي اولاده. ويحكى ايضا انّ المستشفى رفضت تسليمها جثته اليها الا بعد دفع كل مستحقات الاستشفاء. فتركت ومضت عائدة الى محلتها. الى حين تمّ التوسط لديها للقدوم واستلام المائت ودفنه بغية الحد من الخسائر. مرارة الايام مرمرت صاحبتنا. فأمست انفعالية وعنيفة. وتمرمر لسانها الذي كان يلبي على جناح السرعة، رغبات الهجوم والدفاع الكلامية لديها. فكان ان اضحت على تماس دائم مع غالبية سكان الحي. وقد كانت في كل مرة ترشق احدهم بنبال لسانها تسحب لائحة طويلة وتشطب منها اسما، مدندنة: "يلا بالناقص واحد. لشو الكترة...". هذا كان قبل ان يوافيها الخوري ايليا حاملا اليها ايقونة جلبها من زيارة حج الى اليونان. والايقونة كانت رسما للقديس "ساسين" يتأمل في عظام "الاسكندر الكبير"، مستوضحا منه اين يذهب المجد والسلطة والجمال والقدرة، وسائلا اذا ما كان احد يستطيع الهروب من الموت. نال الرسم اهتمام "فوتين" واثار فضولها. فرغبت بمعاينة عظام زوجها "نجيب". فسألت "يوحنا شيخ القبور" الذي تجاوب معها. واصطحبها الى تحت الى مدافن "مارسركيس". حيث عاينت جماجم اناس من عشيرتها، احبت بعضهم، وكرهت بعضهم الاخر. فكان تشتم اذا ما ابلغت عن جمجمة عدو. وتتحسر ناحبة اذا ما لامست صديق. وتتطلع في افواه جماجم النساء لترى كيف تختفي الالسن عنها. الى ان ادركت جمجمة كبيرة. ابلغت بانها لزوجها "نجيب". فأمسكتها طويلا. وتطلعت بها جيدا. ثمّ راحت تتأمل في كل تفصيل فيها، مرددة كلمات سرية، احبّ "يوحنا شيخ القبور" ان يسمعها. لما لا واللقاء ما بين الزوجين المنفصلين بفعل الموت زمانا، حدث بمعيته هو شيخ القبور!! فدمعت عيناه من حرارة ما رأى للحظة. كان ذلك قبل ان تنبري "فوتين" وتصيح، رامية جمجمة زوجها على الارض: "رأسك كبير، كل عمرك رأسك كبير. لم يقدر احد على كسره حتى الموت!!!". وعادت الى منزلها مبلغة بعض من جاورتهم، عما عاينته هناك وعن احوال اهلهم. فكان ان اطلق عليها لقب "ساسينة" تيمنا بالقديس "ساسين". وطلبت من ولدها تصوير رحلتها الى مدافن "مار سركيس" بعد وفاتها كي تكون عبرة لاجيال تلك البلدة واهلها الطيبين. ورصدت للمشروع مبلغا من المال جمعته من عرقها وحياكة ابرتها. هذا كان في رحلة "فوتين" الى المدافن. وانت اما حان دورك كي تزور المدافن فتدرك بأنك راحل حتما، فتتغيّر قبل ان تطوى اقمستك؟؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق