الخميس، 14 نوفمبر، 2013

شحّودة والمرحلة

اهتاج "شحّودة" اذ سمع بانّ الروس راجعون.   سحب بندقية "الدك" من خزائنه وراح يرمي الرصاص في الهواء احتفاء.   تمنى لو انّ جده المرحوم "حبقوق" كان حيا يرزق.  وراح يردد "عشت وشفت يا "شحودة" يا ابن يعقوب ابن حبقوق، عودة المسكوب".
نظم حفل تعليق للصور القيصرية تماشيا مع الموسم.  وسحب الصور التي كان قد اودعها ابوه القبو زمانا.  عرض الدفاتر القديمة التي سجل فيها ما يشتهي نقلا عن الاجداد بمفعول رجعي.   ودعا الجميع الى الحفل المهيب بمن فيهم الرفيق "هلّو" والمختار وكل اركان "المجمع الرومي المدني" وزعمائه.  ذلك المجمع الذي تولى هو شخصيا مسؤلية حذف "ت" منه.  فصار  "المجتمع"  معه "مجمعا".  والمجمع  يتسع للجميع وقصصهم.  واضاف كلمة "الرومي" لزوم استحضار اشباح الماضي. 
وفي تصريح له قبيل بدء الاحتفال، اعتبر "شحودة" انّ  نزع التاء من المجتمع هدفت الى اعادة التوازن المبتور في الكنيسة ما بين الاكليروس والشعب.  الغائب الاكبر عن  الحفل كان كاهن المحلة الخوري "خارالامبوس".  الذي كان مستاء منه للغاية.  وخلافه تأسس مع "شحودة" على خلفية اصرار ومطالبة الاخير الكنيسة باصدار قرار يهدف الى اختصار كل اسماء الكهنة، لزوم التماشي مع مقتضيات العصر.  فيضحي مثلا اسم خوري "كفرلالا" المجاورة "بوخاميوس"، "بوخا". اقتراح اثار حفيظة الخوري "خارالامبوس" الذي اعتبر انّ الاقتراح ملغوم، وموضوع اختصار اسمه اهانة مقنعة.  لم يأبه "شحودي" لغياب الخوري.  وقد حضر الرفيق "هلّو" الذي قيل فيه انه اهتدى في آخر الايام.  ذاك الذي يقوم بمهام البطريرك بثياب علمانية، وبتفويض من المجمع الرومي وذلك بوضع الايادي.  
كما قاطع احتفال نقل الصور من القبو كل سبط ال"لاويين" في تلك المحلة.  واولئك لم يعطوا امثلة جيدة في عيش ما كانوا يلهجون به. 
تكلم "شحودة" في الجموع بطلاقة.  انتفخت عضلاته بكلماته.  كبرت.  اما الرفيق "هلّو" فكان يرسل اليه من كرسيه باقات المحبة والاعجاب والتقدير. 
ودخلت الصور منزل المحتفي.  واشبعتها "اماندا" ارزا و"قويلات".  حتى قيل انّ الرز الذي القي في حفلة "ترقيص الصور" كان يكفي لحشو خروف. 
تمددت اذنا "شحودي" جراء العز.  وانتفخت عيناه.  وانحل رباط لسانه.  وقد اضحى احد اركان "المجمع المدني الاورثوذكسي".  لم يبخل عليه الله بشيْ.  اعطاه الطلة والفهم والقدرة البدنية بداية، والان زوده بالدعم السياسي وقوة اللسان.  فكان ان اقترن بكريمة "سوسو".  ذاك الذي لمّا سئل عنه،  قال: " تقدم للزواج من ابنتي مهندسون واطباء ومحامون وكتّاب.  لكن متكلمون على شاكلته، كلا لم يتقدم".  اضحى "شحودة" زعيم الغد.  والغد لناظره قريب.  وغدا يوم آخر. 
في يوم مشمس، ركب "شحودة" شاحنته الصغيرة، ومضى بعيدا.  ولمّا عاد احضر العليق بأفضل الاسعار.  قاد ماكينته.  ضغط برجله على البنزين.   وامسك المقود.  وما عاد يهتم لكل ما يراه او يسمعه.  حتى انه ما عاد يعير السيارات التي كانت تؤشر له كي يتوقف، اهتماما.  "ولم التوقف اذا ما كان الخزان يضج بالوقود، ورخصة القيادة صالحة وشرعية، والقيصر الجديد حليفنا؟؟".
 ظلّ يمشي والسيارات من حوله تنعق من كل صوب الى ان بلغ محيط المنزل.  هناك اصطدم بسيارة غريبة.  نزل كي يقارع المعتدى عليه.  سأله عن ارضه وعن ابيه وامه وطائفته ومنطقته وعائلته وسياسته؟؟  سأله، لم قدم الى هذه الناحية طالما ان لا قريب له عندهم او عمل كي يقوم به؟؟  فلو لم يأت لم حصل ما حصل!!
  تعجب الرجل واحتار.  فما تعوّد ان يلتقي باناس من هذه الطينة في تلك الناحية، تقارعك لانها التقتك على طريق قريتها.  فتصدمك، ثمّ تناكفك.  فأيقن السائح انّ تلك المحلة قد تغيّرت.  وانّ من مفاعيل الربيع العربي زيادة معنويات البعض وحلول الحرية حتى التفلت.
ثمّ نظر "شحودة" الى حمولة شاحنته.  فوجد انها اختفت.  احتار، وظنّ انّ "داعش" قد اغارت عليه.  الا انه ما اقترب من سوريا ولا من مناطقها الشمالية.  ما ايقن انّ الحمولة طارت منه لخلل ما في عملية التحميل.  وللحظة تذكر صخب السيارات من حوله.  وايقن انّ اولئك سعوا الى لفت اهتمامه الى تناقص الحمل.   ندم.  وايقن هول المعنويات التي ان تعاظمت تستهلك الماديات.  تقلص حجم اذنيّ "شحودة" الى المعدلات الدنيا.  وراح يراجع حساباته.  فلو كان الرجل الذي صدم سيارته مسلحا لكان نشب بينهما عراك ادى حتما الى حتفه.  ولكان "شحودة" قد اضحى قصة محزنة مفرحة تتناقلها السن اناس تلك المحلة التي تقتات اخبارا وروايات.  لم يعلم انّ القوة هي قوة العقل المتكئ على القلب، وليس قوة "بارودة الدك" على الكتف.  ايقن انّ الدعم ان وظف ضدّ الشريك يمسي انتحارا.  فالتحدي الكبير في اللحظات التاريخية هو ان نعيش سويا كي لا نموت جميعا. ادرك ان قدره هو الحوار مع "اللاويين" وكل الجيران، كي يسلم وتسلم الناحية.
 
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق