الاثنين، 30 ديسمبر، 2013

برهوم وغنوة ريم


بقلم مازن ح. عبّود

 

راح "برهوم" يرصد الموقد.  حكش عيدانه المتقدة.  فحملته ظلا الى عالم النار والعتمات.  احسّ بالغربة والبرد.  شعر بالخوف الشديد.  رأى العولمة وحشا يسلخ من الناس قلوبها.   فتكبر رؤوسها.  فتصير البشر رؤوسا كبيرة تتحرك على اقدام صغيرة.  قيل له انّ الوسائل تطورت كما الرجعية والقبلية والشقاق.  فحصل انكسار.  تنامى الذكاء وصار في خدمة الغريزة.  والغريزة طمع وتفلت من الضوابط.  قيل له انّ الوحش نما جراء التفاوت ما بين الذكاء والاحساس، وجراء تطور الوسائل دون تطور المفاهيم.   صار الناس يمتلكون كل شيئ ما عدا الانسانية.   حصّلوا العلم وفقدوا القلب.  امتلكوا الذكاء والهواتف الذكية وفقدوا البساطة والقناعة والتواضع.  غزاهم العلم والخوف والقلق.  استقر فيهم الطمع، فانتج فراغا ووحدة وعزلة وموتا. 

اضحى "برهوم" وحيدا بالرغم من انّ دراته تعجّ بالرفاق والانسباء.  والناس بمجملهم تحولوا الى آلات.  اضحى رفاقه بغالبيتهم وحدات.  اعمى الذكاء بصيرة الناس ففقدوا الاحساس.   

قرّبت التكنولوجيا المسافات.  فألغت غربة الهجرة.  الا انّ الغربة اقامت في الدار.  وعشعشت برودة وبعدا وكبرياء.  اضحى البشر يفكرون كثيرا.   ويشعرون قليلا جدا.  اصبحت حاجة البشر الى الانسانية وليس الى آلات.  وقد تحولوا بغالبيتهم الى آلات.  تولدت الآلات غزارة في الانتاج الا انها تركت البشر في عوز شديد.  صار اللطف اثمن واندر من الذكاء. 

ثمّ سمع "شارلي" يصدح: " آسف لاني لا اريد ان اصبح امبرطورا، فهذا لا يعنيني.  لا اريد ان احتل او احكم احدا.  اود ان اساعد الجميع  اذا ما استطعت".   كان ما ابصره وبلغه مقاطعا من خطاب الفنان تشارلي شابلن الشهير الذي تناساه البشر لاكثر من سبعين سنة.  وها هي كلماته تعود اليوم، كانها صممت لهذه الحقبة.  كأنها صممت من اجله هو، كي تعالج قروح نفسه.  وهو كان يحلم قبلا ان يكون امبرطورا دون ان يتمكن من ذلك.  فسقط في الاحباط.  شهوة السلطة والعظمة اسلمته للوحش فصار حاقدا على البشرية.  استسلم لفترة للفراغ والاحباط والطمع والغريزة، حتى جاء من انتشله.   

وبلغته انغام "ريم" الصغيرة التي كانت تمسك بعلم البلاد، وتلاعبه، شادية:"لفلف، لفلف يا علم بلادي".  لقد ارادت الطفلة ان تقول "رفرف".  الا انّ لسانها ما طاوعها لنقل ما في بالها.  فكانت ان مررت رسالة اخرى، اكثر تطابقا مع الواقع.  وقد سمعتها "هيفا"، فأجابتها: "والله ما في رأس خال من الحكمة.  اصبت يا طفلة يعقوب ابنة جبور.  كل عمري اقول بأنّ الولد يولد وذكاؤه معه.  فالعام المنصرم كان زمن لفلفة وليس رفرفة.  مات من مات وخطف من خطف واكل ولفلف من لفلف".  سرّت ريم بما التقطت.   وصدح صوتها بالاغاني والاناشيد.  ضحك "برهوم" كثيرا.  قبّل الصغيرة التي سألته ان يغني معها.  ولمّ لم يعرف اغنية "Tombe La Pluie" تفاجأت.  وسالته: "كيف كبرت وتعلمت يا "برهوم" وانت لا تعرف كيف تغني Tombe La Pluie؟؟".

وتتابعت احداث ذاك النهار.  وما بلغه عبر وسائل التواصل كان ازمات وخطف واغتيالات.  شعر برغبة بالاستقالة من العالم الوهمي والعودة الى الحقيقة.  الا انّ ذلك كان صعبا.  فقد ادمن على لحس المبرد.  غير انه ما عاد يرغب ان يصبح امبرطورا لانّ هذا ليس من شأنه.  ولا يريد ان يحتل او يحكم احدا!!!  اراد ان يتعلم كيف يغني اغنية "ريم" المفضلة!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق