الثلاثاء، 10 ديسمبر، 2013

مع "رمزى" الى فوق



اخرجت من درجها قطعا صغيرة  قيل انها من بخور مريم من غطاس العام الفائت.   وراحت تبخر بيتها.  والبركات هي لمثل هذه الايام الصعبة.  وسمعت تقول: " يا شيطان كش برا.  خرّبت الدنيا يا ساقط.  نقلع فل من هون".  اعتقد "بو سليم" جارها ونسيبها ان احدهم يحاول الاعتداء عليها.  فأعدّ بندقية "الدك" خاصته.  واتى لمساندتها.  فمناصرة الارملة ضرورة، وبخاصة اذا ما كانت جارة وقريبة.  فصرخت به: "ما هذا يا "بو سليم".  انّ عدوي غير منظور.  ولا تفلح معه البنادق".  فأجابها :" لا تقولي لي انه من "داعس"".  فأجابته بان لا.   وطلبت اليه ان يرجع الى بيته.  وان يصلي كي يحفظه الله المنزل من الشرير".  مشى، وراح يدندن، متحسرا: "ايه العمر له حق.  خرفت يا حرام.  تفوه عالشيطان.  ديعان الستات". 
  

وبعد كنس مع صلوات.   راحت تنضح بمياه الخوري "يوئيل" المقدسة، التي احتفظت بها لسنين، الابواب والشبابيك والاعمدة وكل ما تدركه.  فمن الخوري القديس تخرج مياه مقدسة.  
ليلة البارحة شاهدت عرّافة على شاشة تتكلم.  فصرخت: "يا لطفطف، يا لطيف، الله يستر!!!".   وهي ما كانت تصدقها اصلا.   فشعرت انّ الزمن الحالي تحكمه الشياطين.  قالت انها رأت الشياطين قادمة من منزل "جيجو" الذي استحكمت فيه الارواح الشريرة، منذ طفولته.  وقد سمع في تلك الانحاء يردد لها مرارا تعويذات على رائحة بخور غريب.  فتبلّغه الشياطين اسرار الناس.  وقد كشف مرة علاقة "جميلة" المستترة ب"ابن السمنة".  وابلغ لبيبة ملامح من تجرأ فسرق منها الحلي.  كما احرق سيارة "الفلايموس" لابي "اوس" المغرم بالاسماء البيزنطية حتى في السيارات التي احب منها هذا النوع الذي يتلائم وواقع تسمية الكهنة القديسين من ابناء طائفته.   لم تسلم حارته من نيران شياطينه الزرقاء التي استقرت فيها.  فكانت ان تداعت وترهلت.  طلة الشاب المسكون، الذي كان يعرف ما جرى ويجري، كانت مفزعة.  وعيناه كانتا من زجاج.  كان نبيا كذّابا، يضحك ويبكي لا حزنا ولا فرحا كما تقول الاغينة.  ببساطة كان حضوره غير مريح البتة. 
 
تقول بطلتنا "رمزى" انّ ما يحدث في كل مكان كان بسبب الشياطين التي غصّت بها دارته، التي قررت انّ تتمدد.  فتغزو منازل الجيران.  وتحكم المكان.  شياطين اعلنت الحرب على كل منزل ما كان لها.   
وسقطت منازل كثيرة.  وتفرق الناس فرقا.  وكهنتهم اضحوا معسكرات.  هوت رموز كبيرة.  وتعثر اناس كثر.  ما ادمى بطلتنا كان سقوط الرموز.  فسقوطهم يكون مدويا.  وقد قيل لها انّ السقوط هو الموت.  ولبست حزنا عليهم معطفها الاسود ذاك المعطف الجزيل الثمن الذي ابتاعته من دكان "كلوديا" في جبيل، والذي حفظته لمثل هذه المناسبات الاستثنائية.
 
ما توقعت الكهلة ان تبلغ هذه الايام التي طلبت من الخالق ان يقصرها او ان يقصر حياتها ببساطة. 

سمعت بدمار "معلولا" وبخطف راهباتها.  فانتابها الحزن والقلق.  حللت الموضوع.  وابلغت نساء الحي انّ المسؤول عن المصيبة كان عمّ القديسة" تقلا" اللئيم والماكر الذي عاد فانتقم من مقامها ولو بعد حين.  فهي لم تكن مطلعة كثيرا في امور الدين. وكانت الامور تختلط عليها.

 سمعها "نجوبي" ابن الجيران تهمس البارحة:""معلولا" بلدة "تقلا" التي يتكلم اهلها الارامية كيف تزول؟؟   تزول.  وكهنتنا يتناحرون.  ينشرون واعوانهم الغسيل غير اللائق على السطوح.  لا، لا.  يا عيب الشوم".  كما سمعتها الحوائط التي لها آذان.
 
صلت كثيرا.  تلت مسبحتها مرارا مع صلاة "يسوع" وصلاة "مريم".   فهي امرأة بسيطة لم تدرك من العلوم الا ما وصلها بالتواتر عن اهلها.  رغبت ان تميّز وتدرك. 
 
خافت كثيرا.  ونظرت الى الحائط حيث استقرت ايقوناتها الورقية.  تطلعت مليا في القديسة "تقلا"، ونادتها: "ماذا تنتظرين يا قديسة كي تدافعين عن مقامك وراهباتك؟؟ اتنتظرين من ختيارة مثلي فعل هذه الفعلة؟؟ ببساطة اني لا استطيع.  يجب ان اتكلم مع جارنا ابي "سليم" وفتيانه بالموضوع، فما رأيك يا قديسة الله بذلك؟؟".

ثمّ صرخت من عمق نفسها:" لماذا يا رب كل هذا؟؟ والى متى؟؟  كيف تزولين يا معلولا؟؟ وتزول معك كل الارامية والقصص والمغاور والندوب المشرقية؟؟ أمن تراه يوقد في اديمك البارد قنديلا بعد اليوم؟؟ ويعمّر في سمائك جسرا من تمتمات تربط الساقطين بالسموات؟؟". 

راحت البسيطة تقول كلمات يعجز عقلها الصغير عن استنباطها.  فقد اطلقت لقلبها العنان.  وقد حملها عاليا.  فرأت من فوق كيف ينظر الله الى المسكونة بعطف وعتب.  رأت كيف يدمر الاعصار كل من لم يكن مبنيا على صخرة.  شاهدت مشاريع قداسة تسقط وسلما يهتز.  واناسا تقع الى حيث لا تدري.  
 
الا انها لم تخف لانها كانت في حضرة الله.  ظنت انّ ماء الخوري "يوئيل" فعل فعله، كما بخور مريم وكل التمنيات.  رأت تقلا وكاترينا وبربارة. وجالت مع يوحنا الحبيب في مدينته.  ابلغها اشياء واسرار.  عادت ولم ترد ان تبلغ احدا برحلتها، ولا حتى "سليمة" كاتمة اسرارها الطرشاء.  فحتى الطرشاء تتكلم اذا ما بليت بالاخبار.  فما حصل بينها وبين ربها يبقى بينها وبينه سرا.  الا انّ "نجوبي" جارها الصغير سمع تمتماتها وابلغني بما عاين وسمع.  وانا كتبته لكم كي يبصر من يقرأ ويصغي من يسمع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق