الأربعاء، 4 ديسمبر، 2013

قصة قناع



 

وكان الليل يوافي باكرا جدا في تلك الحقبة من السنة.  فيجعل من الناس اطيافا تراقص البوبات المهجورة والموصودة في دوّارة الازقة الضيقة في بلدة كفرنسيان.  وكانت البوابات تخفي المنازل واسرارها وسراديبها التي سرعان ما كانت تنبلج.   وكان البدر يتسلل اذا ما سمحت الغيمات فيلقي على اناس الليل بعضا من انواره. 

الا انّ تلك الليلة كانت "البربارة" حيث يسلق القمح وتصنع "الاطايف" ويتخفى الناس.   فيخرجون من بيوتهم الى الشوارع ملثمين.  فيزورون بأقنعتهم من عرفوهم على امل ان لا يعرفونهم في تلك الليلة. 

كانت تلك الليلة امسية الاقنعة.  و"جوجو" كان لها.  اكتسى وجه عظيم من عظماء هذا العالم ومضى.  امله كان ان يتجهل في بلدة معلومها مجهول.  بدّله القناع، ففعل ما شاء وقال ما رغب به بحرية.  شعر بانه مجهول والمجهول يتحرر من سطوة  الاعراف والتقاليد والالتزامات والحضارات.   

الا انّ ّ كلبه "ريكس" لم ينفكّ يعرفه بالرغم من كل التمويه.  وقد قدمه الى اهل "كفرنسيان" جميعهم بنباحه.  وهم كانوا قد تعرفوا عليه اصلا بلا "ريكس". اذ انّ القناع لا يخفي الغرور؟؟  لا بل يزيده غلوا !!!

صعق الشبيب الذكي والجميل.  اذ انّ القناع ما اخذه الى حيث اشتهى، في مجاهل الاقنعة.  فلم يصادف الفرح،  بل اناسا  تمسرح بعضها على بعض. 

وعند مفترق الطريق، صوب كوع حارة البلانة،  صادف طيف جده الراحل من اشهر.  فناداه العائد قائلا:" "جوجو"،  يا حفيدي اشتقت اليك. كبرت يا فلذة كبد جدك.  اراك هنا، ماذا تفعل؟؟  ولماذ تخبئ وجهك ؟؟  والى اين تهرب؟؟  الا فابحث هناك في الزاوية عن مشتهاك!!!".  صعق الشبيب لمعاينته جده الحنون والمائت يكلمه.  وتطلع في الزاوية.  فوجد مستوعب قمامة.  فاءستاء كثيرا.   لانّ الشبح، وليس جده، ينوي ازلاله.   ظنّ بداية انّ رجلا قد اتخذ من وجه جده قناعا في تلك الليلة.  فسأله ان يكف عنه ويسحب القناع.  الا انّ الرجل الذي خلع اقمصته طمر معها كل الاقنعة.

ثمّ صرخ فيه الطيف مجددا:  "يا جرجي يا جدي، اتعرف ما ينقصك؟؟  ينقصك معرفة الغاية من وجودك في دنيا البشر، حيث عرّجت قبلك".  فلم يجب الشبيب.  فتنهد القادم من فوق، وتابع: " عليك ان تدرك التواضع في قمامة نفسك.  ذاك الذي يعطيك المحبة التي تعطي الفرح.  لست بهيا.  انت جميل فقط، يا حبيبي.   فالشباب من طينتك يسقطون في الكبرياء حتى الموت.  ليست قامتك بحجم طولك اليوم يا بنيّ.  ومشكلتك هي في عدم توازنهما.  جرجي، بالتواضع تحيا وبالكبرياء تموت...". 

واختفى طيف الجد المحبب.  وبكى الصبي.  سقط عن وجهه القناع وسقطت عن جسده كل الالبسة المستعارة.  وراح يمشي في الازقة نفسها التي سلكها دون ان يتعرف عليه احدا.  فقد تغيير.  فقيل صبيحة اليوم التالي انّ "جوجو" العتيق قد ابتلعته الارض.  والذي ظهر لم يكن هو، بدليل انّ "ريكس" لم يتعرف عليه.  فرائحته قد تبدلت.  خرج  انسان جديد من رحم المغاور. 

انسان يخرج كلمات من احشائه. تخرق القلوب.   فتتغيّر البشر.  فكلماته كانت تتجسد افعالا.  اضحى يتطلع اكثر الى الارض التي تلتهم الاقنعة وتسقط الاحجام وتنبت التواضع.  وهدفه امسى كسب تراب التواضع.   فتتظهر له اسرار الكون.   ويلتهب عندها بالمحبة.   فيصبح الها.  كان التراب موطن الترابيين.  الذي ينفخ الله فيه ومضات فيخرجهم مشاريع اناس تروح تتحرك على البسيطة طلبا لصهر انسانيتها.  وهذا ما ابلغه اياه اب ولده في الروح.   

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق