الجمعة، 20 ديسمبر، 2013

اولغا ولورا واليكسا في زمن الميلاد

 
 
راحت "اولغا" تنظر كيف يخرج الحطب من المدفئة اطيافا نارية تتراقص على وقع الريح التي تحمله رمادا، ودخان ينتصب حتى السماء.  ثمّ راحت تتأمل في الشجرة التي هي مصدر الحطب.  وقد تسلقتها وهي طفلة.  واكلت ثمارها وهي فتاة.  وجلست تحت افيائها كهلة.  وها هي تذوب اليوم نوار ونارا كي تدفئها.  احست باءمتنان شديد تجاهها، وهي قد اسكنت في ربوعها الطيور التي هي فرح الربيع. فعلت الشجرة كلّ ذلك دون كلمة عتاب واحدة.  لا بل سمعت اناشيدهها لحظة احتكاكها بالنار.  جميلة الطبيعة.
قبعت "اولغا" اليوم في منزلها بانتظار "اليكسا" الروسية التي صارت ايضا "يورغو" اليوناني.  اختلفوا على جنسها وهي هي.   والاصعب من العواصف كان انتظارها.  المهم انّ العاصفة اقعدت جارتها "لور" في منزلها.  وحرمت الجارة متعة التحري والاستقصاء عن اخبار العباد في قرية "كفرنسيان".  ومن ثمّ سكبها اطباقا تتغير وفق مقتضيات البيوت التي تزورها.  والجارة قدمت نفسها لمحيطها كوسيطة لدى "سيدة الشاغورة" التي كانت تقول بأنها "تلبي كل طلباتها".   ومن اقوالها: "انّ الحياة حتى في القداسة اخذ ورد. فانا اجود على مقام السيدة العذراء بمالي، والكلية الطهر تحصّل لي من الله ما اشتهيه.  محسوبتكم "لور"  ربها بكل شي، في الغرام والانتقام والروحانيات".  وكانت تمارس الابتزاز على الناس بتسويق دالتها على "العذراء مريم" التي تقول انها كانت ترفع لها عند كل صباح لائحة مطالب.  وكانت "لور" تكذب والناس تعرف ذلك.  وكانوا يحبون كذبها.  فقد اضحى بشر تلك البقعة مدمنين على الاخبار والقصص خوفا من الفراغ الذي كان سيد الموقف.
الا انّ قدوم العاصفة "اليكسا" شكل مناسبة للقاء "اولغا" بنفسها.  فتتأمل عميقا في زمن "عمانوئيل".   اخذتها اطياف النار التي كانت تلامس الارض دون ان تطأها الى عوالم سحرية.  خالت انّ شجرة الميلاد في زاوية منزلها تمتد الى السماء.  رأت ملائكة تنزل وتطلع عليها كأنها سلم.   الا انها ما احست بالطمأنينة فقد شعرت انّ هيرودس مازال يبحث عن المجوس.  يبحث عنه.  يبحث عن الطفل كي يقتله.  فتختفي الشمس الى الابد.  ما شعرت بكل ذلك القلق قبلا.  فهي لم تدرك عالما بمثل هذا التخبط. 
ما اقلقها كانت رسالة حفيدتها الى "بابا نويل" التي كانت قالت انها تحبه حتى اكثر من الطفل الالهي.  فالطفلة لقنت ان تحب الهدايا والاساطير.  احست "اولغا" انّ آلهة الغابات قد استفاقت.  استفاقت المادية.  واستفاقت الفردية في اقمصة حرية وشمّرت عن انياب العبودية كي تلتهم الانسان في البشري.  كرهت الكهلة "بابا نويل" على قدر محبتها للناصري.  واسفت من تعميم ثقافة الاخذ على حساب ثقافة العطاء.  سمعت تقول: "من قال انّ العيد للاستهلاك؟؟ ومن قال انّ العيد هو غربة للفقير عن ربه وعن اناسه؟؟  تفقد الحياة جودتها اذا ما فقدت معناها.  ومن يعيش لنفسه، يفقد سرّ وغاية ووجوده.  فتضحي حياته بلا معنى.  تقوده الملذات واللهو الى ساحات التعاسة والفراغ.  وسرعان ما تمضي اللذة ويوافي الالم والموت.  يبحث عن السعادة ولا يعرف انّ السعادة هي البحث عن الهدف وعن معنى للوجود". 
راحت "الكسا" تنشر برودتها بصمت.  وبرودتها كانت ايضا غربة معلولا عن اناسها وغربة اولاد ام "غسّان" عن بلادهم، وغربة العيد عن معانيه، وغربة الناس عن قيمهم.  راحت "اولغا" تنظر الى النار، وتحلم بعالم اقل بردا ونيرانا واكثر دفئا.  حلمت بميلاد اكثر رجاء.  الا انّ النار في موقدها كانت تلتهم كل شيئ حتى الاحلام. 
وسرعان ما نشرت "لورا" غسيلها من الثياب الداخلية على السطح.  فعرفت "اولغا" انّ "اليكسا" ولّت.  وبرودتها مازالت في قلبها عتمة لا يزيلها الا رجاء الطفل القادم اليها من بعيد.     

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق