الخميس، 13 فبراير، 2014

بائع اليناصيب



كانت عجقة بيع وشراء في كفرنسيان.   نزلت شرطة كفرنسيان لتنظيم السير.  لم يكن عديد الجهاز كبيرا.  فقد تألف من شرطيين اكل الدهر وشرب على بذلتيهما اللتين ما عادتا تعكسا حالة الهيبة. 
راح "حلوم" يصدح في المارة بثقة: "تعالوا خذوا مليارين.  من يريد مليارين؟؟  ملياري ليرة لبنانية فقط لا غير!! مبلغ مرقوم، فلوس كثيرة!!".  وكانت الناس في كفرنسيان توافي اليه.  وكل يأخذ مليارين ويمضي.  فقد كان الغنى حلم الناس في تلك المحلة القابعة في مجاهل الزمان.  الكل في تلك المحلة كانت تراوده احلام البطولة والغنى والشهرة والنفوذ.  داسوا على الاحباط بالوهم.  وعبروا الى المشتهى بسلالم الامل.  اطلقوا العنان لمخيلاتهم.  فأمتزج الواقع باللاواقع.  فزالت الحدود ما بين العالمين.  فسيارة " بو لولو" مثلا كانت لا تشبه اي سيارة اخرى. اعتقد بانها شغلت بال الناس لانها تطير.  والسيارة لم تكن تطير بل تسير.  قال انه لا يبيعها مهما كانت الاثمان.  والصحيح بانه لا يبيعها لانعدام الطلب عليها.
كانت كفرنسيان في يقين كبار السن جمهورية منعزلة لها بوابات محدودة على العوالم.  وتتصل بالسماوات عبر قمم الجبال وبما تحت الارض عبر المدافن وبالغيب عبر سحرتها الذين كان يتقنون فنون التخاطب مع الرصد والارواح ويجلبون لها اللعنات. 
ادمن شبيبتها على الموسيقى الغريبة والهواتف الذكية والنوم المـتأخر وحشيش الكيف.  سكن الضياع  قرانيهم.  فراحوا يتوهمون كثيرا ويعملون قليلا.  بارت اراضيهم.  وفرغت مدارسهم.   فراحت "كفرنسيان" تصغر.  اعلن كلا منه دولته.  واستقلت دويلاتهم وتباعدت.  وما عادت تتصل ببعضها البعض.  ظهر فكر غريب افتى للرذائل.  فأضحت الرذائل لا تختلف عن الفضائل. هوت جسور التواصل بفعل الفردية.  فازدادت وتيرة المشكلات.  كان الناس في "كفرنسيان" يعيشون ويسكرون ويتناسلون ويلهون ويرقصون ويسهرون كما في العصر الحجري.  الا انهم كانوا تعساء. فقد كانوا معزولون.  كان وضعهم مقززا.  
يقال انّ الوحش استقر عندهم.  استفاق لمّ ايقظه "بو عكر"، وسلب كنزه المرصود عند صخرة.  فكان ان تعكّر صفو حياتهم.  تغذى من الخوف، واستقر في الفراغ.  وتسلّح بالتكنولوجيا الفتّاكة. 
تزايدت الهوة ما بين التقدم التكنولوجي والتقدم الروحي.  ومن الهوة خرجت كل انواع الشياطين الاخرى التي استقرت في الناس، وراحت تضرب كل شيئ من حولها.
صار اناس "كفرنسيان" يمشون ولا يتطلعون الى وجوه بعضهم البعض.  عادوا الى مغاور اجدادهم.   وكانوا اذا ما تبادلوا الكلمات ينظرون ارضا مغبة ان تلتقي وجوههم.  كانت هذه جهنم.   خرجت من تحت ارض "كفرنسيان" مشكلات منسية.  
صار الوهم السلعة الرئيسية التي تباع وتشترى في سوق تلك المحلة.  غلب الاستهلاك على كل شيئ حتى على الاخبار.  فانحسرت الحقيقة لحساب الوهم.
 وسمع "برهوم" مجددا صوت "حلوم" الذي كان ينادي على المليارين.  لم يقترب منه البتة.   بل آثر البقاء بعيدا والتأمل في ما يجري في " "كفرنسيان" التي كانت ايضا سائر العالم والمشرق. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق