الخميس، 23 يوليو، 2009

الخوري والعرق وجليلة العرائس







النهار-جريدة الاحد في 19 تموز 2009-ص.14






بقلم مازن ح. عبود
"تعالي معي من لبنان يا عروس من لبنان... من خدود الاسود من جبال النمور"
نشيد الانشاد اص 4
وفق معايير نشيد الانشاد وضعت "خليلة" لولدها "نباح" دفتر شروط الاقتران بعروس اذا ما ارادوا الزواج وفق مشيئة الله. فهي امرأة تسعى الى الحفاظ على نوعية اولاد العائلة، لما لا وهي قد قدمت من جبال النمور التي انضم الى حزبها لاحقا زوجها واولاده.
هذا وكانت "خليلة" العرائس تقول دوما بأنها لمّا تزوجت بالمرحوم زوجها، سرق القمر من مخدعه. واشارت على ولدها "نباح" قائلة:" اياك ان تتزوج امرأة من غير طينة امك والا فاءعتزل الغرام والنساء". وبالفعل اعتزل ولدها "نباح" النساء والغرام، اذ انه ما وجد لغاية هذا التاريخ امرأة كأمه بالجمال والفهم والطلة والحضور. لم تكن "خليلة" جميلة واقعيا الا انها ارادت ان تكون ذلك، ففرضت نفسها بقوة على ساحة المنزل، وارست معايير للجمال خاصة تتلائم ومزاياها في هذا الاطار. كما انّ المرأة لم تكن فهيمة الا انها كانت تدعي ذلك وتضرب بالرمل لمعرفة المستقبل، وقد ارعبت محيطها بتلك المواصفات الاستثنائية والمخيفة. اما من ناحية الحضور فحدث ولا حرج عن قدراتها الكلامية والدعائية بحيث كانت تثير القلائل حين تشاء فتهزّ المضاجع والبيوت حتى اضحت "ام نباح" مضرب مثل في كل المحلة ونواحيها.
زيجة
اما قصة زواجها بالمرحوم ابن عمها فتلاها علي "العم نقولا غبريل" في صغري، فعلقت في رأسي لهذا اليوم.
وقد ابلغني عمي نقولا ما يلي:" لقد حزنت كثيرا يا " ابا المزن" لما انكسف صديقي "نعوم" اثر عدم التجاوب مع طلبه للاقتران باحدى عذارى محلتنا بداعي عدم ظرافته. وبالفعل لم يكن الرجل بالظريف كثيرا الا انه كان من اصدقاء الطفولة. فما كان من روح الفروسية الا ان استفاقت فيّ، فاءمتطيت صهوة جحشي الاغرش "كركور" الذي كان فتيا وقتها. وامرته ان يقودني الى "زاروب المبلصين" حيث عين النسور. وصلت تلك القرية مع طلوع الفجر، فجلبت معي من هناك ثلاثة فتيات بكارة من احلى البنات تحت طلب الزواج. وقد عمدت الى توزيعهنّ على اصحابي الذين كانوا في عوز للعرائس، نكاية بتلك التي نكست ب"نعوم" ورغبة بتلبية حاجات الطلب المتزايد على العرائس الذي كان قد فاق العرض. مازلت اذكر يا "ابا المزن" كيف وصلت تلك القرية صباح ذلك اليوم من نوار والقيت الصوت :" يا اولاد آدم، ثمة حاجة ماسة الى بناة عائلات، لزوم الزواج في دوما". وكانت خليلة العرائس من نصيب "نعوم"، ابن عمي الذي اشتهر بقدرته الجسدية، ولما لا ف"الاقربون اولى بالمعروف!!!" ولمّا لبيت حاجات نعوم الجنسية، وزّعت سائر الفتيات على "كاسترو" و "شكور" صاحبيّ".
فأجبته : "قل لي يا "عم نقولا" كيف تمكن جحشك الاغر من حمل كل تلك النساء؟"
فردّ علي: " مازلت طفلا وانك حتما لاتفهم بالغرام والحمير... الا فأعلم بأنّ الحمير تستمتع بحمل العذراى فلا تشعر بثقلهنّ ابدا، ثم انّ لما تلعثم "الاغرش" على "الدرجة" على طريق "مار يعقوب" حملتهنّ جميعا مع "كركور" ايضا. الا فاعلم يا صبي بأنّ "من استخف بالرجال فبرأس اللفت يقتل..." كما يقول المثل. ثمّ انصحك يا ولد بعدم مقاطعة عمك نقولا و"المجاكرة" على عادة النساء. اعد تنظيم منطقك كي يتلائم مع تفكيري. انّ منطقكم وقواعدكم انتم جماعة "القلم والورقة" هو مرحلي ويتغير مع الاكتشافات العلمية، اما منطقنا فمبني على التراث المرتكز على الحقيقة المطلقة. انصحك يا "ابا المزن" ان لا تكون من معشر جيل "النيلون" بل من جماعة "القلوب الكبيرة" على شاكلتنا. ثمّ استكمل تلاوة القصة قائلا: " وعمّت الافراح محلتنا في تلك الفترة، وكان كل زيجات عمك نقولا ناجحة والحمد لله. الا انّ الفضل بذلك يعود ايضا الى الخوري جرجس الذي لا يمكن نسيانه مطلقا.
خوري ومشروب
والخوري "جرجس" كان بسيطا وورعا على طريقته، كما كان محدثا في كنيسته ، وعنيدا في ما يعتقده حق. لقد اشتهر خورينا المحبوب باءستعمال العرق كبديل عن النبيذ في القداديس ومراسم الزواج، كما بخفة دمه وافكاره وضروبه الاستثنائية.
فخوري محلتنا وتوابعها، طالما اعتبر مشروبنا الوطني اشرف المشروبات الكحولية، الذي ينتمي ايضا الى عائلة الخمر، بلونه الابيض وطعمه العسلي، ويتلائم كثيرا مع واقع الاعراس والاحتفالات الدينية. ومن ثمّ فانه اكتشف بالفطرة انّ مشروبنا الوطني شكل فاتحة حياة هنيئة للزيجات. الا اني لا اخفي عليك يا "ابا المزن"، انّ خطوات الخوري التقدمية اثارت حساسية مطرانه الذي طلبه الى بيروت، انما حسدا، مستوضحا اسباب خروجه عن القواعد. فكان ان عزى البونا جرجس استبدال النبيذ بالعرق، الى مفاضلة السيد المسيح طعم العرق على النبيذ طالما ان كل تلك المشروبات هي نتاج الكرمة. وابلغ الخوري مطرانه ما يلي: " لقد وافاني السيد في الحلم، وحلّ ضيفا على مائدة الخورية الغنية بالعرق والتبولي. فكان ان قدّم محسوبك العبد الحقير(الخوري جرجس) له يا سيدنا العرق الذي آثره على نبيذ قانا الجليل. فأمرني، وله الحق بوصفه رأس الكنيسة-كما تعلم يا سيدنا، ان استبدل النبيذ العتيق بمشروب لبنان الوطني في القداديس وسائر الاحتفالات الليتورجية المقدسة، وذلك من دون العودة الى الاحبار او البطريرك او المجمع".
ضحك المطران، وحزن في الوقت عينه من اقوال مندوبه الخوري "جرجس". وقد حذره من التمادي في تطوير الممارسات الدينية الخاطئة تحت طائلة الحرمان الكنسي الكبير. الا انّ هذه هي حالة الدنيا فالاساقفة هم تقليديون ولا يحتملون التطور، يا صبي. عاد الخوري الى عرينه غاضبا، فجلب بقايا اللحوم من "ادمون" اللحام بغية دعوة الهررة، مع بعض "الخردق والبارود" لصنع متفجرات. فدعا هررة الحي الى وليمة "الزفر" التي تعود ان يقيمها عند الحاجة، ومن ثم راح يرمي عليهنّ متفجراته، وذلك انتقاما من الزمن واهله الظالمين.
الا انه وبعد كل هذا يتوجب الكلام بموضوعية عن قدس خورينا. فلقد عرفته وطنيا ولبنانيا ووفيا مع اصدقائه الساسة حتى العظم، حتى انه ما كان يحب استقبال من اختلف مع سياسته في كنيسته، كيف لا وهو كان على ثقة بأنّ الله اعطاه الحقيقة المطلقة، بدليل انّ الروح وضع في فيه ما وجب ابلاغه الى زعيمه الروحي يوم طلبه الى بيروت".
ولما سألت العم نقولا حول تدهور علاقة الحبر بمندوبه، قال لي:" لقد اضحى الخوري جرجس خائفا من المطران، لما عاد من المطرانية. الا اننا ما تركناه وحيدا، فقد اجتمع من حوله "خواص اوادم الرعية" لنصرته ونصرة وجهات نظره التقدمية، ما عدا "خليلة" التي تضامنت مع الاسقف نكاية ب"ابي الطفافش" الذي كان يسابقها في اثارة الفتن، معتبرة بأنّ فلسفة الخوري الليتورجية لم تكن بالضرورة نتيجة شعور وطني او رؤيا دينية بل ادمانا على الشراب الابيض الذي نما عليه ذاك الكائن الاسود، الخفيف الظل والسريع البديهة. ولعلّه للمرة الاولى في حياتها، كانت خليلة على حق وفق بعض المحافظين عندنا. وموقف المرأة ذلك، جعل الخوري جرجس يندم على تزويجها بعريسها، فقال لنفسه: " لقد كان الاجدر بك يا خوري "جرجس" ان تقرأ في ذلك العرس انجيل الجنازة عوضا عن انجيل "قانا الجليل" او ان تلغم "ورقة اطلاق حال زوجها" كي لا تحظى باذن الزواج. ثمّ انه ما كان يفترض بك اعطائهما بركتك الرسولية للزواج. الاجدر بك ان تتعلم يا "بونا" من اخطائك فلا تمنح خبز المائدة الى الكلاب" ".
خوري ومطران
وابلغت لاحقا ان قصة الخوري والمطران تفاعلت، حتى انّ "ابا الطفافش"، القابع في منزل يطل على العالم دون ان ينتمي اليه جغرافيا، دعا المحبين الى مجلس تأييد للخوري جرجس.
دعم الخوري كان نابعا من كره صاحبنا للمطران نتيجة عدم تجانس موقف الرجليين في الامور الكنسية والدنيوية. هذا وتعتقد "خليلة" انّ "ابا الطفافش" كان وراء فلسفة استبدال النبيذ بالعرق في كنائس المحلة، اذ انه كان يصّنع العرق البلدي للسوق. وخلال خلوة التأييد القى "ابو الطفافش" خطابا كان في منتهى التقدمية حتى انّ الناس تعجبت من سلوكه، وهو المعروف بتحفظه وتقليديته.
وخطاب الزعيم الاغر تضمن تحريضا على الحبر ودعوة للناس بمقاطعة القداديس التي قد يحضرها امير الكنيسة. كيف لا ونصرة ابن المحلة "الخوري جرجس" ضرورية. ووصلت الامور بالرجل الى اعتبار اصرار المطران على النبيذ ضرب من ضروب التآمر على الشعب والوطن عبر عدم تحليل استعمال مشروبه الوطني في خدمات الكنائس. واعلن "ابو الطفافش" للحضور بأنه سيمتنع عن دعوة الحبر الى مآدبه التي لم تكن بالكثيرة، متهما اياه بالخيانة العظمى، والعمل لمحاور اقليمية تتجر بالنبيذ والعباد. وكان البونا "جرجس" المجروح من حبره، قد انتفخ بفعل ثناء ودعم "ابي الطفافش"، فاستصدر في مجمع المؤيدين عقيدته الجديدة التي ارتكزت على أنّ النعمة تبلغ الكاهن مباشرة من ربه، وذلك من دون وساطة احد. ولعن الخوري "جرجس" كل من لم يؤيده وفي مقدمهم "خليلة" النساء لجحودها له، فلعنته هي بدورها. الا انّ لعنة جليلة كانت اشد من لعنة الكاهن، فحجّمته".
هذا وقد ابلغت بأنّ المطران لم يتخذ اي خطوة تجاه مندوبه الخوري "جرجس"، الا منعه من استعمال العرق لانه يتنافى مع العقيدة وتعاليم الاباء كما منعه من المجاهرة بنظرياته الخاطئة. والتزم الخوري على مضض بأوامر الحبر وذلك نظرا لقوة الامر الواقع ليس الا. ولم يقم الحبر بأي خطوة واقعية تجاه مندوبه، خوفا من ان يزداد سؤا، وعملا بقول الكتاب المقدس: "قصبة مرضوضة لم يكسر، وفتيلا مدخنا لم يطفئ". الا انه لم يغب عن بال الحبر الشيخ ايضا أنّ ثمة من يتاجر ب"جباب" الاكليروس لتمرير مصالحه، فشكا كل ذلك الى ربه طالبا النصح، كيف الذي لا والله هو وحده على معرفة بالنيات.
اخيرا، يا عزيزي القارئ، تعتبر الحياة بستانا يحوي كل انواع البشر والكهنة. الا انّ انماط معيشتنا وممارساتنا تتغير كي تتلائم مع واقع تبدلات الحياة ومتطلباتها. لذا، فاءنّ عقد الزيجات وواقعها قد تغيّر كليا. وقد اضحت اكثر تعقيدا واقل ديمومة نتيجة غياب القناعة والايمان وازدياد المغريات. اعتقد ان عصرنا هو زمن انتفاخ "الانا" حتى انّ غالبية الناس راحت تتحول الى شياطين، وغالبية رجال الدين الى ناس عاديين. فالعالم يقترب من الوحشية والمادية ويفتقر اكثر فأكثر الى المثل والروحانية.
تلوت عليك يا عزيزي القارئ اقصوصة من واقع الحياة!!! اقصوصة غير علمية، اقتبستها من احداث مختلفة كي تتلائم ومذاقك كما اهدافي. وما كتبته لك، اردته ان يكون تلوينا او بصيصا يثلج صيفك "التموزي" بشيئ من الواقعية الهزلية والمثالية والارشاد غير المباشر. فارجوك لا تحمّل قصتي امورا اكثر من قدرتها وتدخلها في اطار البحث العلمي والتدقيق
...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق