الأحد، 20 سبتمبر، 2009

عيد الصليب حرائق ونيران على التلال وقرع اجراس







الأحد 20 أيلول 2009 - السنة 77 - العدد 23821



جريدة النهار 2009
وافى ايلول، "الشهر المفصل جهة بيان الحق عن الباطل"، والذي بحسب "بو زهر" (جارنا): "طرفه بالشتاء مبلول". شهر شكّل لأهل محلة الصبي الذي كان وقتها، موسم جردة الحساب.
هذا وقد وقع عيد مار سمعان العمودي في اليوم الاول منه، فتزامن عيد القديس المشرقي الكبير مع بداية السنة الكنسية في الروزنامة الشرقية التي مازال يتبعها همسا الكثير من قومه، جهة مواءمتها اكثر الظروف المناخية لمنطقتنا. كما انّ ايلول، بحسب جدته ايضا "عتبة الشتاء" وموسم نشر اوراق الكرمة عشية عيد الصليب لتوقع احوال اشهر السنة المقبلة مناخيا. فن لم يتقنه الا عدد قليل من ابناء تلك المحلة، فعرفوا قراءة فعل الايام على الورق وترجمتها في حسابات الازمنة.
الصبي وأيلول
اما ايلول فلقد مثّل للصبي الحلم والتغيير. وكان يتلهف ان يصعد عبر السلم الخشبي الى سطح منزل جديّه، حيث يسترخي هناك لساعات متأملا الطيور والنسور والغيم الراكض في اديم تلك السماء الصافية. لقد شكل كل ذلك بالنسبة اليه مشهدية رائعة فاقت قدرة استيعابه للامور. ولطالما خاطب ذلك الصغير سنونوات ايلول ونسورها من حوله، قائلا: "الى اين تذهبين يا مباركة؟ ولماذا تغادرين الان؟ لم لا تشهدين لربك عندنا؟ قولي لي لماذا تفارقين محلتنا في ايلول؟ اخوفا من الشتاء والعواصف، لتصعدي الى السماوات حيث من خلقك؟ علّك تصعدين الى هناك تماما كما صعد يسوع بمجد عظيم، ام كما صعدت نفوس بعض الاحباء كجدتي الاخرى مثلا!". وكانت السنونوات لا تجيب الصغير بل تسكب من حوله دمعا وتطير فوقه كي تلامس طيفه. ربما شاءت ان تقول له وداعا! لقد كان صمتها ابلغ من اي كلام سمعه، وحركتها اشدّ ايماء وتأثيرا في مكنوناته من اي قطعة مسرحية. وهو عندما كان يكلمها، كان يغفل حركة النسور التي قيل له انها تحمل الارواح الى القمم التي شكل "الشير" احداها. وكانت السنونو تستعرض فيالقها عادة بعد كل عيد صليب مودعة الصيف ومعلنة وقت الحساب. لقد احبّ صاحبي صفاء الاديم من صغره، وكان ينخطف الى اللا مكان واللا زمان. الا انه كان يعود الى حيث هو على نغمات صوت "بو عوض" مغنيا الميجنا، على ايقاع ضرب الاخشاب استعداداً للشتاء. كما كان هدير صوت "اماند" التي اكتسبت لقب "ام كلثوم" ينشّطه، وكانت تغني "يا ظالمني" واغاني العرس من التراث الشعبي.الا انّ اغاني "اماندا" لم تكن دائماً صافية، اذ تتخللها احيانا سلسلة من سباب تتلوه علانية على اولاد بناتها الذين كانوا يواكبونها في ايقاد النار لصنع معجون البندورة. اما جده واخو جده فكانا منهمكين بحصاد عسل النحل الذي كان يقيم في اجرار مصنوعة من الفخار، تكسر في مثل هذا الموسم بعد ان يتم تبخيرها بدخان مخدر. ولكم دهش بأقنعتهما وثيابهما التي كانت تصنع خصيصا للمناسبة. وكان اذا ما ادرك السنونو في عمق السماء عرف ان موسم الدراسة قد وافى، فيروح يستعد لشراء كتبه استعدادا لفصل الفلاح. الا انّ نهاية السمر لم تكن تقفل عادة الا بعد عشرات الايام من مجيء عيد الصليب.
"بنو عكر" والنهب غير المستدام
ولكم انتظر انتصاف ايلول كي يحلّ عيد الصليب، فتضرم النيران على التلال وتقرع الاجراس. عادة لم يقلع عنها اهل محلته، منذ ان وجدت الملكة هيلانة عود الصليب في اورشليم القدس. فأمرت ام الامبراطور يومها كل رعاياها ايقاد النيران تباعا لايصال الخبر الى الامبراطور القابع في عاصمته-روما الجديدة(القسطنطينية). وكانت النيران ودخانها في تلك الازمنة الوسيلة الاسرع والافضل لنقل الخبر السار.هذا وكان اضرام النيران من مهام الاولاد الكبار، او "امراء" الصبيان. وقد كانوا يتبارون على صنع "الحريقة" الاكبر. ومن اجل ذلك كانوا يكدّون في جمع ما توفر لهم من مواد خشبية قابلة للاشتعال، خلال اشهر الصيف. ومهام جمع الحطب كانت تترافق مع مهام اخرى كحفظها من الاشتعال عبر ترطيبها يوميا بالمياه لوقايتها من حرارة الشمس الحرّاقة في ذلك الفصل، وحراستها من عصابات الصبيان السيئين الذين كانوا يغزون "غلة" غيرهم، او يحرقونها ببساطة في حال تعذّر سرقتها مثلا. وكانت مهمة حراسة الاخشاب من مهام الصغار الذين زودوا بالصفارات لابلاغ "امراء" الصبيان عند حدوث اي اعتداء.ولقد كان "بنو عكر" الاعداء الاكثر شراسة في هذا المضمار، كما الاكثر قدرة وايذاء. فلقد حسبهم الصبي انهم من بقايا "آل سيفا" الذين كانوا من أعداء الامير فخر الدين المعني الكبير والامارة اللبنانية، لذا فانه لم يتوان مرة عن مهاجمتهم كلاميا جهارا او سرا. ويعتقد بأنّ اعمال "بني عكر" كانت تتم بتشجيع واشراف مباشر من والدهم الذي علّمهم فنون مواجهة الحياة لكسب العيش. هذا ولقد مثّل الكهل الضخم لعائلته الكبيرة رمزا من رموز الظلمة والظلامة، اذ انه انتمى الى عائلة منافسة.الا انّ "بني عكر" فاتهم ان يتعلموا من الوالد المؤسّس طرائق النهب المستدام بغية الحفاظ على المصادر. ولكم شغلت تلك الواقعة بال الوالد القديم والمتمرس. ويحكى انه انهال مرة ضربا موجعا على ابنائه، لدى مراجعة "نسيب" له بموضوع سرقة اولاده وتكسيرهم أشجار الكرز خاصته. وكان ان عاقب "عكر" ابناءه بقساوة يومها، وبحضور الشاكي، قائلا لهم: "يا اولاد الجهل والبغاء والسوء، اني قد استدعيتكم اليوم لمعاقبتكم. نعم اني العنكم بحضور عمكم "نسيب" المعتدى على شجيراته من قبلكم، يا شياطين. لكن لا يظنن احد منكم يا ملاعين اني اعاقبه لسرقة شجرات الكرز بل لكسر اغصانها حصرا. يا اولاد الافاعي، الا فادركوا انكم اذا ما كسرتم اغصان الشجر، لن يعود في امكانكم مستقبلا سرقة الثمار مجددا. الا فادخلوا يا مرائين الى "قبو الواوية" حيث الظلمة والعويل والصراخ، علكم بذلك تتأدبوا وتدركوا معاني "النهب المستدام للمصادر"!". وعلى ما يبدو فان ابناء "عكر"، الذين ما تعلموا من خبرة والدهم، قد حكموا بغالبيتهم البلد، فافقروه. ومازلت مع مجيء كل ايلول اتذكر تلك الواقعة واضحك باكيا على بلدي مستذكرا احداث طفولتي.
ذكريات أيلولية
الا انّ ذكريات ايلول التي هيّمن عليها "بنو عكر"، لم تكن كلها بهذه البلاغة والدلالة الحياتية. اذ انّ بعضها كان رومانسيا اجمالا، ومع الرحيل بوجه الخصوص. فما زال الصبي يذكر كيف رحلت عائلة عمه فجر يوم من ايلول الى اوستراليا، وقد اودعه ابن عمه عدته المؤلفة من منجل حديد صغير وبضع الحاجيات، كما كلبه وهرّه "نميص". وقد اوصاه ذاك المسافر الصغير متابعة مسيرة "الشيطنة" في المدرسة والمحلة وكل مكان، اذ انه لم يكن جائزا ان يكون الصبية غير ذلك. كم بكى الصبي في ذلك اليوم، ولكم جرى وراء سيارة والده التي حمّلت اقاربه الى مطار بيروت الدولي في العاصمة حيث الموت والعنف والحروب.ثمّ انّ اول لقاء له مع الموت كان في ايلول ايضا. اذ غيّب ذلك الشهر، وبعد سنوات من رحيل اولاد عمه، شاعرا، سمع عنه من جدته انه كان عظيما جدا. فعرف حينها ان الشعراء يموتون ايضا كجميع المخلوقات. وقد حزن كثيرا لفقدان صاحب له كبره سنا وقيمة. والشاعر "توفيق" كان زوج ابنة عم جده، وقد رحل صبيحة يوم بعدما تزوّد من مياه نبع "عكفل"، وقد همّ يومها بوداع الصيف والعودة الى بيروت. فكان ان شرب واستلقى على تلك العين مودعا دنيانا، بسلام. كما مثّل له ايلول اموراً اخرى. فلقد تعطر بذكريات قداس تعودت فرقته الكشفية على احيائه عند سفح جبل "الشير" المطل على بلدته المترامية في سهل حرسته الجبال الاربعة. والقداس كان يرفع كل سنة عند كل عيد صليب، فيقام على نية المغتربين الذين غادروا ارضهم الى عوالم اخرى بحثا عن ارزاقهم. وكان يقام القداس هناك لانّ ذاك الشير كان يضرب على البحر الذي حمل مراكب من رحلوا ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر الى مرسيليا، فالاميركيتين حيث تكبدوا الغربة والعذاب والفقر والقهر، وذلك كي يكللوا غيابهم ببناء حارات قرميد ارادوها شواهد على نجاحاتهم في دنيا الاغتراب.احبّ ذلك الموقع الذي حظي برمزية خاصة عند جده ورفاقه من المغتربين على شاكلة "جرجي الخواجا" من حارة العين، الذي ادار سريره حيث كان، لجهة "الشير" (كما في طفولته). كما حوت صخور ذلك المكان اسماء بنات كان يتبارى اصدقاء جده على تسجيلها هناك، مبلغين النسور عن مكنونات انفسهم وعشقهم وآمالهم واحلامهم المتواضعة، حتى انّ احدهم قد اوصى ان يؤتى برماده من العالم الاخر ويرمى به من هناك كي تحمله الريح الى حيث تشاء فيعشش في قرميد بلدته الى المنتهى.
***
ايلول، شهر يوقظ فينا الحنين... ايلول، ايا شهر يربك ويرفع ويعلّم ان العمر غفلة والخريف سيضحي يوما على الابواب. ايلول، لمَ تأتي؟ ارجو منك دعني في سكرتي، لانّ من مثلي يحزن اذا ما استفاق وادرك حقيقته!! ليتني كنت نسرا من نسورك او نجمة من نجومك! وها انت تعود...تعود وحيدا من دون "بهيجة" التي احببت طلتها، و"سلوى" التي عشقت قهوتها و"سارة" التي طالما سررت بحكمتها. لقد ملأت قلبي حنينا وحبا وخوفاً وخيالات... مازن عبود

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق