الأحد، 18 أكتوبر، 2009

رحلة في كولورادو الاميركية وعاصمتها دانفر






رحلة في كولورادو الاميركية وعاصمتها دانفر
أرض الصخور المدموغة بالتراب البركاني والمعادن وعبق الارض الهندية
الأحد 18 تشرين الأول 2009 - السنة 77 - العدد 23848 جريدة النهار

من انتِ يا جميلة حمراء في وسط البراري؟ لمحتك البارحة تسيرين وحدك في براري الغرب الاميركي، تائهة بين شموسه وثلوج قممه ورمال صحاريه. من انت يا هندية عذراء، خُطِفت من اهلها، وجامعت اسبانياً من اسياد المكسيك الجدد، ففرنسياً، الى ان ساكنت انكلوساكسونياً اضحى ابا لابنائها؟ يا فخر رعاة البقر، أيتها الهجينة الهوية بين تقليد ومحافظة وتحديث وتكنولوجيا نظيفة، فأصبحت محطة من محطات موجة التغيير الثالثة في تاريخ العلوم، وكان ان احتضنت علوم الطاقة المتجددة .
أنتِ نديمتي الآن.
وابلغوني، انا المتوسطي اللبناني، أنك صفراء وحمراء المنشأ، وأنكِ ولدت من رحم مناجم الذهب وقسوة اسيادها على عبيدهم.
دانفر يا نديمتي من بين المدائن في ليلة تختلط شمسها بقمرها. سكبت لكِ ما توافر لي من خمرة بيروت والمتوسط، كأساً كبيرة. وكي تحلو الجلسة، اسمعتكِ انغاما شرقية من على شرفة فندقي. أسمعتكِ "اطلال" ام كلثوم و"لسه فاكر"، و"شغل بيت" لشربل روحانا، وغيرها مما توافر لي من الحان.
وأنا من التقيت دانفر، بعدما ادركتها في عشية يوم خريفي مشمس، فبلغت برها، وانسكبت عليّ من اروقة مينائها الجوي موسيقى هندية. ثمّ خلعت عنها سترها فتكشفت لي صور اهلها الاصليين معلقة على الجدران.
ثمّ أبلغوني انّه لأم دانفر، كولورادو، نُظِمت ولّحنت اغنية "اميركا الجميلة". ولمَ لا؟ فلعيون كولورادو وابنتها دانفر يفعل المرء كل شيء... ينظم شعراً واغاني ونثراً. كولورادو أرض الذهب ومدائن مناجمه المنسية ما بين قمم سان جوان وثلوجها ومحمياتها، الى البراري الى رمال الصحاري. انها ارض الصخور المدموغة احمرارا بخلطة التراب البركاني والمعادن وعبق الارض الهندية

يوان الالماني

الذي عزز اشتياقي الى التعرف على "كولورادو"، هو نديم الرحلة يوان، الطيار الالماني المتقاعد في شركة "اللوفتنزا" التي اقلتنا احدى طائراتها من فرانكفورت الى دانفر. يوان رجل كهل اصيب بمرارة خسارة بلاده الحرب العالمية الثانية. فخسر جراء ذلك منزله الابوي ومنطقته التي اضحت بعد الحرب جزءا من بولونيا، كتعويض لها عمّا اصابها من ويلات هتلر. وانضمّ الفتى المحبط من نتائج الحرب الى فريق "اللوفتنزا"، واستقر منذ ذلك الحين في نيويورك. اما سبب اختيار يوان الطيران المدني مهنة، وشركة الطيران الالمانية تحديداً، فيكمن في أن والده كان جنرالا في سلاح الجو الالماني إبان الحرب العالمية الثانية.
جعل يوان، ذلك الطيّار الالماني الكهل، مسافات الاطلسي البعيدة تقصر الى دانفر. ابلغني أنه عاين الفوهرر مرارا ايام كان صبيا صغيرا، حينما كان من الصعب على الالمان ان ينجو أحدهم من مس التعلق بالزعيم النازي. كان يوان متزوجا لكن من دون اولاد، وذلك مخافة ان تعود الحرب فيعاني اولاده ما عاناه هو شخصيا.
وشاخ يوان ولم تعد الحرب. حزين هذا العالم الذي لا تنفك تتوالد فيه الحروب ملقية بأثقالها على الناس، فيضحون اسرى التاريخ والماضي الذي لا ينفك يلاحقهم ويتحكم بمصائرهم الى حدود المواجهة او الهروب.
خسارة المنزل والارض حملت يوان على الانتقال الى بلاد العم سام، الى ينابيع كولورادو، حيث يقيم اليوم، حاملا معه اسراره وماضيه وخصوصيته الفريدة. رحل عن المانيا وغالبية من يقيمون في تلك الارض كانوا على شاكلته، مصفحين بالاسرار ومحتفظين برسم بلادهم كما عرفوها واحبوها في فتوتهم، فكأنهم بذلك كانوا يحاولون الهرب من الزمان والتاريخ.
عاش يوان في الولايات المتحدة الاميركية كالماني. يقول إنه لم يتقدم يوما بطلب الجنسية الاميركية. وهو يفخر بجالية بلاده (ثاني اكبر جالية ما بعد الجالية الانكلوساكسونية آنذاك)، والتي كان لها الفضل الاكبر في استقلال اميركا عن امها المملكة المتحدة في القرن التاسع عشر وفق قوله.
يوان مولع بالتاريخ وبالخمور الالمانية، فراح مع كل كأس يستفيض في الكلام عن جمالات كولورادو وفرادتها، حتى اختلطت في ذاكرته كولورادو بالمانيا. ثمّ راحت الطائرة تقترب من المطار، فتكشفت لي كولورادو الفعلية، فاذا بها غير بعيدة البتة ممّا قاله لي نديمي في مشواري الاطلسي الطويل.
في كولورادو
حين راحت الطائرة تحط على ارض "دنفر"، خلت ان حصانا او راعي بقر، نسيه الزمان في مكان ما، سيسقط شهيدا جراء ارتطامنا بالارض. كنت لبنانياً وعربياً واسمر البشرة، اي موضع شك دائم في البلاد التي عانت من احداث الحادي عشر من ايلول ومن الارهاب، الا انّ دخولي كان ميسراَ.
وصلت اروقة مطار دانفر اخيرا، بعد اثنتي عشرة ساعة من الطيران المتواصل، في صبيحة يوم خريفي، فحييت الارض التي ابتاعتها الولايات المتحدة الاميركية من فرنسا (لويزيانا والجهة الشرقية لجبال الروكي في العام 1803). توجهت في سيارة مضيفي الى فندق الكارلتون-رتز في شارع كورتس(1818)، وصعدت الى غرفتي في الطابقة الثامنة.
ثمّ رحت اسبح في مواقع كولورادو الالكترونية لمعرفة اي شيء عن تاريخ هذه الولاية التي حللت فيها ضيفا. علمت انّ ارضها ظلت مادة خلاف بين اسبانيا والولايات المتحدة الاميركية حتى استقلال المكسيك عن اسبانيا وخسارتها للحرب ضد الولايات المتحدة الاميركية. خسارة ادت الى تخليها نهائيا عن المنطقة المتنازع عليها لحساب الولايات المتحدة، وذلك بموجب معاهدة غوادالوبي. وتوزعت الاراضي المحيطة بالنهر الاخضر(نهر كولورادو) آنذاك، على عدد من الولايات الى حين اكتشاف الذهب والمعادن (جنوبي اراضي كانساس) في العام 1858. اكتشاف الثروات المعدنية ادى الى ظهور حكومة مؤقتة لتلك الاراضي التي سميت اراضي "جيفرسون" (كولورادو) في العام 1861، والتي كان المستعمر سلبها من سكانها الاصليين، الهنود الحمر الذين عاشوا فيها لاكثر من ثلاثة عشر الف سنة.
وعلمت انّ اسم كولورادو اسباني، ويعني المصبوغ بالاحمر، اذ انّ النهر الكبير(نهر كولورادو) كان يكتسي اللون الاحمر ربيعا حين تذوب الثلوج حاملة معها الاتربة الحمراء من الجبال.
شكلت دانفر عاصمة نهائية للولاية منذ العام 1867، واعترف بكولورادو ولاية مستقلة في الاتحاد في 24 آب 1876. فاضحت بذلك الولاية الثامنة والثلاثين. ويبلغ عدد سكانها اليوم قرابة خمسة ملايين نسمة، يعيش معظمهم في العاصمة.
ما يلفتك في تلك الولاية هو اقتدار الحركات النسائية، ففي العام 1893، اعطيت النساء حق الاقتراع والترشح الى المناصب العامة. وهنّ يشكلن اليوم قرابة 45 في المئة من كونغرس الولاية، ويتمتعن بنفوذ نادر الوجود في مكان آخر. كما كانت كولورادو السبّاقة في تعزيز بعض اوجه الديمقراطية الاميركية، وذلك عبر اتباع الاستفتاء والاقتراع العام. ويفخر أهل الولاية بكونهم من اكثر الولايات الاميركية رفاهية والاقل تأثرا بالازمة المالية الاخيرة وذلك لاعتمادهم على التكنولوجيات المتطورة النظيفة وعلى السياحة والخدمات والزراعة.
لقد كانت دعوة شركة " JTI” علّة وجودي في مدينة الشمس، او مدينة الميل الواحد عن سطح البحر، كما تسمى في الولايات المتحدة الاميركية. وقد انتدبت من قبل زملائي في لجنة ادارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية لتمثيلهم في المؤتمر السادس عشر لمنظمة رؤساء الشرطة في العالم.
الكابيتول
يعتبر الكابيتول اجمل ما في دانفر. الكابيتول، ذاك المبنى بالقبة المذهبة الرائعة التي تبلغها بتسع وتسعين درجة فتعاين المدينة برمتها من فوق، حيث قلب ولاية كولورادو السياسي والاداري. وقلب الولاية هو في ماية وستة وستين غرفة، صممه ايليا مايرز وفق الهندسة الاميركية الكلاسيكية. فظهر في شكله النهائي في العام 1894، بتمويل مباشر من أصحاب مناجم الذهب. وقد استغرق بناؤه زهاء 15 سنة.
توقفت طويلا امام رسم مارتن لوثر كينغ الزيتي، عند مدخل قصر تلك الولاية الغربية من الولايات المتحدة الاميركية. قلت في نفسي: "انّ بعض الناس ينتصرون لقضاياهم بشهادتهم، فهل كان ذلك الداعية على علم بأن رسمه سيعلق يوما على مدخل الكابيتول موازياً رسوم الاباء المؤسسين لهذه الدولة؟".
اكملت مشواري على ادراج الكابيتول، الذي لم تغب عنه شعارات اميركية تقليدية منحوتة او مرسومة كالمثلث والعين وغيرها، شعارات استمدت من الماسونية التي اعتنقها معظم مؤسسي الولايات المتحدة الاميركية. تلك الارض التي اعتبروها ارض الميعاد المنشودة، فكان ان جذبت رؤوس الاموال اليهودية من كل مكان.
كان الكابيتول رائعا برسومه وجدارياته وزجاجه، يخبرك قصص الولاية ويرسم لك ابطالها وكبارها، علّه يحفز التضحية والعمل في سبيل المصلحة العامة. فحزنت لانّ بلدي لا تخلّد كبارها الا من خلال التراث الشعبي المنقول بين الطوائف والمناطق.
ميزات دانفر
احبت الشمس تلك البقعة من الغرب الاميركي، فنذرت لها 320 يوما من اصل 365، فأضحى مناخها جافا لا ترطبه الا بعض من مياه نهر كولورادو العظيم. فكان ان اشتهرت الولاية بزراعة القمح والقطن والشمندر السكري.
كانت دانفر ابنة مناجم الذهب، ومن جميلات الغرب الاميركي، وقد قاومت هي الاخرى اعطاء السود حقوقهم. عنصرية زالت اليوم لحساب التحزب للبيئة بغية حماية مقومات الولاية التفاضلية في السياحة. وهكذا انقلبت كولورادو من المعسكر الجمهوري المحافظ الى الديمقراطي الاكثر رفقا بالبيئة والاقل شراهة للحروب والصناعات الثقيلة والتلوث، ترجمة لهذا التوجه. كيف لا وكولورادو اليوم تعد انموذجا في كيفية الجمع ما بين المحافظة على البيئة وقيادة مسيرة التطور في العالم، وحكومتها تستثمر من دون كلل وعلى الدوام في تطوير عناصرها البشرية عبر تعزيز التعليم والرياضة والفنون.
احببت في دانفر الشعب الراقي والمثالي والمحب. كما عشقت فيها الهدوء والنظافة اللافتين، الى حد ان احد الوافدين الى المؤتمر من نيويورك سأل: "اين ذهب سكان هذه المدينة؟ لماذا الشوارع فارغة ؟ ايكون قد حصل شيء للناس؟". احببت دانفر مدينة خالية من الاحياء المعدمة والتسول. احببتها مدينة متجانسة اجتماعيا وآمنة الى حد كبير.
وداع دانفر
البارحة غادرت دانفر وودعتها بحزن فراق حبيبة، تكشفت لي حقيقتها. اناسها الطيبون علموني درسا في الحلم والعمل، وفي أنّ الديمقراطية قد تتلعثم او تقع في تجربة، لكن سرعان ما تقوم. وتمنيت لو اننا نستفيق من سطوة امراء الطوائف والتقليد عندنا كي نحاسب ونغير ولا نحاسب اذا ما قارعناهم.
اميركا ليست جورج بوش ولا المحافظين الجدد حصرا، بل انها ارض روزفلت ومارتن لوثر كينغ، وارض الفرص التي تضيع كل يوم في بلادنا. انها ارض الحالمين التي تأسست على الايمان وتقبل الاخر. هي امرأة يعرج عليها ابليس احيانا، فتطرده. وهي تلك الشغوفة بشعبها الباحث عن الحقيقة والعدالة.
كلا، ليست اميركا الشرّ المطلق، بل انها ارض الشعب الطيب والخيّر ايضا. انها مرتع اناس يحلمون بغد افضل. وهي، على تعبير الكثير من مفكرينا المستنيرين، قارة لم نعرف يوما ان نتحاور معها بلغتها نحن العرب، فرحنا نرمي عليها مصائبنا وعيوبنا.
دانفر (كولورادو) من مازن عبود
.........................................................................................................................................................................................
جميع الحقوق محفوظة - © جريدة النهار 2009

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق