الأحد، 24 يناير، 2010

هل يكون برتلماوس الأول آخر حبر قسطنطيني



الأحد 24 كانون الثاني 2010 - السنة 77 - العدد 23939


هل يكون برتلماوس الأول آخر حبر قسطنطيني
وآخر بطريرك مسكوني للعالم الأوذكسي؟


http://www.annahar.com/content.php?priority=1&table=adian&type=adian&day=Sun


"أشعر بأني مصلوب في أرضي واعامل كمواطن من الدرجة الثانية، وعلى الرغم من كل ذلك لا اريد أن اغادر وطن اجدادي" من مقابلة برتلماوس البطريرك المسكوني مع محطة
CBS News"...

"أريد أن اعتبرها زلة لسان غير مقصودة. لا نقبل مقارنات لا نستحقها"... في رد السيد داود اوغلو – وزير الخارجية التركي على مقابلة البطريرك".


يعتبر نداء برتلماوس الاول، الذي تعترف الكنائس الارثوذكسية بأوليته1 ويأتي عرفاً في الترتيب الثاني بعد البابا بينيديكتوس الـ16، صرخة استغاثة الى العالم للمحافظة على هذا الارث الحضاري الكبير من الاندثار. وصرخة البطريرك برتلماوس الاول أتت عبر مقابلة بثتها محطة CBS News الاميركية في العشرين من كانون الاول المنصرم، فاثارت ضجة عالمية كبيرة. وسنحاول في هذا التقرير الإضاءة على الازمة القديمة التي احتدمت أخيراً، وأسبابها وانعكاساتها.


في تأسيس كرسي اندراوس في القسطنطينية
يعود كرسي القسطنطينية، وفق التقليد الكنسي، الى القديس اندراوس، الذي كان اول من دعاه السيد المسيح رسولاً في مصاف الرسل الإثني عشر. ظهرت هذه الاسقفية فعلياً في اوائل القرن الرابع، اي بعد تأسيس المدينة. وقد جعل المجمع المسكوني الثاني، الذي عقد في المدينة العام 381، من اسقفها الثاني في الترتيب الكنسي ما بعد اسقف روما. ومن ثم عزز موقع هذا الكرسي مع انعقاد مجمع خلقدونيا المسكوني الرابع، اذ جعله مساوياً لكرسي روما في العام 451. واقعة أسست لبروز خلاف وانشقاق في الكنيسة الواحدة تظهّر جلياً في العام 1054. اما لقب البطريرك المسكوني لرئيس اساقفة القسطنطينية فيعود الى القرن السادس.
وراحت الخلافات تتراكم حتى ادت الى سقوط العاصمة الشرقية للامبراطورية الرومانية المقدسة اولاً بيد الحملة الصليبية الرابعة، فقتل بطريركها ودمرت مبانيها وسبيت نساؤها وسرقت متاجرها وحرقت في العام 1206. لم تشف المدينة من اثر ذلك، حتى بعدما استعادتها من قبل الامبراطور ميخائيل الثامن في العام 1261، فكان ان سقطت امام الاتراك العثمانيين في العام 1453 بعد محاولات دؤوبة استمرت عقوداً.
سقطت المدينة هذه المرة بفعل استعمال سلاح فتاك تم اختراعه حديثاً، عنيت بذلك المدافع، فكان ان حصل تغيير كبير في تاريخ العالم، وبدأ التـأثير المسيحي بالتراجع في الشرق لحساب الدين الجديد.
ارتبطت حيثية انشاء هذا الكرسي وتعزيز وضعه ما بين سائر الكراسي الاسقفية بضرورات الحكم في العاصمة الجديدة للامبراطورية (القسطنطينية) بعد انتقال الامبراطور من روما. ولم يستطع كرسي القسطنطينية ان يستقل عن الامبراطور رغم محاولات الكثير من البطاركة، كيوحنا الذهبي الفم مثلاً الذي حكم عليه بالنفي والتجوال حتى الموت.


في علاقة كرسي القسطنطينية بالسلطنة العثمانية
استقلت الكنيسة عن التدخل المباشر للاباطرة في شؤون الدين، على الرغم من سقوط القسطنطينية في العام 1453 وانتقال البطريركية من قصر في محيط كنيسة الحكمة الإلهية (ما زالت بقاياه موجودة اليوم) الى دير صغير في الفنار. واعتبر السلطان البطريرك جيناديوس الثالث رئيس ذمة الروم الارثوذكس في كل انحاء السلطنة، وألحقت به مباشرة كل الكنائس الواقعة في السلطنة. فكان ان تعززت صلاحياته الكنسية، بالاضافة الى كونه رمزاً من رموز اتحاد الكنائس الارثوذكسية في كل اقطاب العالم. الا ان هذا لم يمنع السلطات العثمانية عن اعدام بطريركين على بوابة الفنار، لاعتبارهما مسؤولين عن قيام انتفاضات لرعاياهما، هما البطريرك غابريال الثاني في العام 1657، والبطريرك غريغوريوس الخامس الذي اعدم صبيحة عيد الفصح في ثيابه الكهنوتية وألقي بجسده في مضيق البوسفور. واقفل باب الفنار الرئيسي منذ ذلك الحين وفتحت بوابة جانبية لاستقبال الوافدين. لم تقتصر تصرفات السلطنة على اعدام بطريركي القسطنطينية، انما توسعت يومذاك فشملت اعدام رئيس اساقفة قبرص ايضاً، وعدد غير متناه من الاساقفة والكهنة والرهبان. فلطالما شهدت الاديار والكنائس في جبل آثوس وغيره موجات سرقة وقتل وحرق نتيجة مقاومتهم موجات التتريك عبر العمل على نشر اللغات والثقافات المحلية. ولم يكن الارثوذكس وحدهم ضحايا السلاطين، اذ ان حكمهم ارتبط بالعنف حتى مع اقرب المقربين وقتها.

في علاقة كرسي القسطنطينية بتركيا "اتاتورك"
وصل أتاتورك الى الحكم بعد خسارة السلطنة الحرب العالمية الاولى، وترافق وصوله مع تنامي شعور الاتراك بمرارة الهزيمة، التي ألقوا اسبابها على انقلاب شعوب السلطنة عليهم. فكان ان قام اتاتورك بالغاء مرجعية تركيا الاسلامية بغية فك الارتباط بالعالم الاسلامي الذي انقلب على مرجعية الخلافة الاسلامية (السلطان) وأيّد الحلفاء. كما بدأ أتاتورك العمل الدؤوب على تحرير بلاده من جيوب ما تبقى من سكانها اليونانيين الاصليين وسائر الجنسيات المقيمة هناك. فكان ان انخفض عدد السكان الارثوذكس الاصليين، مع نشوء دولة "اتاتورك"، من ثلاثة ملايين في بداية القرن العشرين الى ما ناهز الألفين مع حلول هذه السنة. وما زاد الوضع صعوبة الى درجة الصلب هو قفل معهد "هالكي" اللاهوتي في العام 1971، على أثر قفل كل المعاهد الدينية في تركيا (وقد أعيد فتح معظمها تحت اشكال مختلفة من دون السماح بفتح معهد هالكي). وهذا جعل مسألة اعداد اكليروس تركي يعنى برعايا البطريركية في تركيا مسألة مستحيلة. علماً ان القانون التركي يمنع الاستعانة برجال دين من خارج البلاد للعمل في تركيا. فكان ان ازدادت هجرة السكان الاصليين (الارثوذكس) من بلادهم. وراح السينودس2، يفرغ من مكوناته بوفاة احباره من دون انتخاب بدلاء لهم، وذلك لعدم توافر الشروط المطلوبة نتيجة قفل المعهد اللاهوتي. ووصلت المشكلة الى حد الازمة، الى درجة ان امكان انتخاب بطريرك جديد في حال وفاة البطريرك برثلماوس، اضحى مستحيلاً. وكما يشار الى ان العلاقة ما بين البطريركية والدولة التركية ترعاها معاهدة لوزان، التي تنص صراحة في احد بنودها على وجوب انتقاء رئيس اساقفة القسطنطينية – البطريرك المسكوني من الاساقفة الاتراك.


الأزمة الحالية بعدسة الإعلام
شعر البطريرك، الذي يعد الزعيم الروحي الأعلى لثلاثة مئة مليون ارثوذكسي في العالم، ببعض الأمل بفتح معهد هالكي، مع وصول رجب طيب اردوغان الى رئاسة الوزراء ومع تغير سياسة الحكومة في التعامل مع الاديان، لما عرف البطريرك عنه من انفتاح وتفهم وشجاعة ومحبة.
الا ان آمال البطريرك سرعان ما راحت تتبدد في ظل عجز رئيس الوزراء التركي عن تحقيق التزاماته تجاه البطريرك في فتح المعهد، وذلك على الرغم من نجاحه في تحقيق مصالحات تاريخية لبلاده مع الارمن والاكراد مثلاً. فكان ان ادلى البطريرك الى قناة "CBS News" بمقابلة نشرت في العشرين من كانون الاول المنصرم واستوجبت ردوداً من عدد من الوزراء الاتراك، وفي مقدمهم وزير الخارجية داود اوغلو. ومن ثم تلتها ردود مضادة من المستنيرين الاتراك، وابرزهم كان محمد علي بيراند، الذي اختتم مقالته المعنونة "قد يكون هذا صحيحاً: نحن نصلب البطريرك" التي نشرها في جريدة "حرييت" (وقد اعادت نشرها جريدة "النهار" بتاريخ 24 كانون الاول 2009)، قائلاً: "بدلاً من اظهار الحرص، نمارس الاستقواء. برتلماوس شخص محترم جداً وحذر" ويكمل "اذا لم نكن نفهم الديانات الاخرى، كيف يمكننا ان نتوقع من اوروبا ان تفهم الاسلام؟" ثم يتابع قائلاً: "كيف يعقل لأردوغان ان لا يظهر الشجاعة نفسها التي تحلى بها في حالتي المبادرتين الكردية والارمنية؟"، ثم اردف: "فلنصغ الى برتلماوس، والا فلا نغضب اذا ما قصد المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان". ولم يكن محمد علي بيراند الصوت الوحيد الذي تولى الرد على وزير الخارجية بل ان فراي تينج قالت ايضاً في مقالة عنونتها "اسطنبول استمرار للقدس": يطالب البطريرك بحقوقه كمواطن تركي، تماماً كالعلويين والارمن والسريان... لماذا تولت وزارة الخارجية الرد؟ ألم يقل علي باباجان3 الشيء نفسه في اجتماع الشراكة بين تركيا والاتحاد الاوروبي؟. اذا كنا نتحلى بالشجاعة الكافية لمواجهة مشكلاتنا، فسوف نتعلم كيف نحب بلادنا عن حق كمهد للحضارات، وعندها سندرك ان اسطنبول عريقة كالقدس بالنسبة للبشرية ونحميها".

وقد ارتفعت اصوات كثيرة الى اصوات الاتراك المستنيرين، سعياً للمحافظة على هذا الارث الحضاري الضخم، اي البطريركية المسكونية في اسطنبول، وذلك لمردود مثل هذا الاستثمار المعنوي الايجابي على العالم، وتركيا عبر تعزيز نفوذها الدولي كما توطيد علاقتها بالعالم الارثوذكسي واوروبا والغرب.

لقد اضحى ضرورياً ان يظهر الاسلام في تركيا، كما في مصر وبعض الدول، اظهار وجهه المتسامح الحقيقي كي تتم صيانة العلاقات ما بين الأديان، والسلم العالمي، وفق ما يقول فريدمان: "ما عاد مقبولاً الاكتفاء بالتنديد بالاعمال الارهابية واعتبارها خارجة عن الاسلام بل المضي في اظهار الصورة الحقيقية عنه للعالم". ان الازمة الحالية مع البطريرك المسكوني في اسطنبول قد يشكل حلها انموذجاً عماً يستطيع الاسلام فعله عبر تقبل تاريخ تركيا وتنوع شعوبها.

المصادر: جريدة "النهار"، صفحة 9، الخميس 24 كانون الاول 2009 – موقع CBS News الالكتروني – موقع البطريركية المسكونية الالكتروني – معلومات صحافية خاصة.

هوامش:
1- يعتبر بطريرك القسطنطينية متقدماً على سائر البطاركة الارثوذكس اي "اول بين متساوين".
2- ويسمى أيضاً المجمع المقدس ويتألف من الاساقفة وهو بمثابة المجلس التشريعي للكنيسة الذي ينتخب البطريرك.
3- سلف الوزير الحالي داود اوغلو.
مازن عبّود


.........................................................................................................................................................................................
جميع الحقوق محفوظة - © جريدة النهار 2010

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق