الثلاثاء، 21 سبتمبر، 2010

لبنان الاحتباس الحراري

لبنان الاحتباس الحراري
بقلم المستشار البيئي- مازن عبّود


يشهد لبنان صيفا ساخنا جراء ارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة، مما يعيد النظر في عدد من المسائل حول هوية لبنان المناخية وميزاته التفاضلية. فهل ما يجري هو مؤشر تحوّل في المزاج المناخي وتبدل في احوال الطبيعة؟؟ وهل الاعتدال في الفصول يتراجع لحساب الشدة، فينمحي الربيع والخريف لحساب الصيف والشتاء الذين يتطرفا في غيّهما، فتتزايد الزراقط على حساب النحل؟

نعم، انّ المناخ في لبنان يتبدل ومعه تتبدد العديد من الميزات التفاضلية لبلد الارز.
فالثلوج ما عادت تغطي قمم الجبال كما درجت في الاعوام السالفة، وبالتالي فانّ كميات المياه العذبة هي في تراجع مستمر. ف"قصر المياه" في الشرق الاوسط يتهدّم على رؤوس اهله بفعل الاحتباس الحراري وفعلهم.


والازمة قد نشأت اصلا بفعل طمع وغيّ المصالح الاقتصادية الكبرى في الدول الكبرى وهيمنتها على القرار، كما بفعل جهل شعوب العالم الاقل تقدما وانظمتها. انّ ما يجري، كما تعلمون، هو نتيجة استمرار انبعاث الغازات الدفيئة وفي مقدمها ثاني اوكسيد الكربون جراء عمليات التصنيع في الدول الصناعية الكبرى.


انّ انخفاض كمية الثلوج في لبنان يعني انخفاض المخزون المائي للبلد حتى لو انّ كمية المتساقطات الاجمالية ما زالت مقبولة. لانّ المشكلة احيانا هي ليست بالكمية بل بتوزيع كميات المتساقطات عبر الاشهر والفصول. فما النفع مثلا لو اغرقت الارض بغضون فترة زمنية جد قصيرة بكميات من المياه تفوق قدرتها على الامتصاص؟؟؟

لا بل انّ نتيجة ذلك ستكون خسارة للمياه التي ستغمر الطرق والمدائن مسببة فيضانات، كما انزلاقات وانجارف للتربة.

والمشكلة تكمن في انّ اللبناني "الواعي" لمشكلة تراجع مخزون المياه العذبة لا ينفكّ ينبش الابار الجوفية التي تزداد عشوائيا، وذلك بشكل مرخص كي يعتاش بعض الفاسدين والسماسرة، او غير مرخص كي يثبت الزعماء قدراتهم الفائقة على تغطية مخالفات رعاياهم الموتورين.
اني اتفهم سعي بعض المجموعات الى تأمين حاجاتها لمياه الشفة مثلا (عبر نبش الآبار) في
غياب خدمات الدولة؟

الا انّ هذه الحالات الانسانية هي جد محدودة وقليلة في ضؤ ما يجري من انتهاكات متزايدة للخزان الجوفي الذي راح يتلوث وينبض بقاعا ويتملح ويتلوث ساحلا مع امتزاجه بمياه البحر المالحة ومياه الصرف الصحي. فكأن اللبناني "الابي" يقول لنفسه: "ولما يحتاج البلد الى مثل هذا المخزون الجوفي اصلا؟؟

دعني استهلكه لتدليل نفسي، وليتلوث رغبة في الربح المباشر، اما الوطن والاجيال المقبلة فليذهبوا جميعا الى البحر؟؟". انها الفردية و"المركنتلية" اللبنانية القتّالة التي تشكل خطرا يوازي بأهميته مفاعيل تبدل المناخ جراء الاحتباس الحراري.

نعم فالكثير من الابار الارتوازية عندنا اضحت تحفر لضرورات تصريف المياه الاسنة للمشروعات السكنية، وذلك درءا لاكلاف معالجتها. وما هم التاجر ان تلوث مخزون المياه الجوفي الاستراتيجي للبنان وان اختلطت المياه العذبة بالاسنة، ما دامت الكلفة المباشرة لاستثماره ستنخفض؟؟؟
وما يثير القلق جراء الاحتباس الحراري، هو تراجع اعداد افران النحل بفعل ارتفاع وتيرة الامراض التي تفتك بها في ظل تزايد درجات الحرارة والرطوبة. اني اخشى ان يضحي النحل في غضون السنوات المقبلة في رسم الانقراض. وتجدر الاشارة الى انه مع تناقص النحل تتراجع انواع واعداد النباتات التي تغطي جبالنا وتكسيها غناها الطبيعي.

انّ ضيقة النحل هي مؤشر سيئ للغاية حول اوضاع التنوع البيولوجي في لبنان والعالم، اذ انّ النحل يتولى تلقيح الكثير من النباتات، ويضمن بالتالي تكاثرها واستمرارها. فبغيابه او تناقص عديده، تتناقص الكثير من النباتات، بوصف الطبيعة حلقة متكاملة. وتجدر الاشارة الى انّ مع زوال انواع معينة من النبات تزول انواع اخرى من الحشرات والحيوانات والنباتات ترتبط بالانواع المنقرضة ارتباطا مباشرا او غير مباشر. فماذا لو زال النحل عن بكرة ابيه عن القرية الكونية؟؟ افلا تتعطل الحياة على الكوكب نتيجة اضمحلال الكثير من النباتات؟؟

ومن ثمّ تأتيك الحرائق التي مازالت وتيرة اشتعالها تسابق الحلول كي تقضي على الغطاء الاخطر رويدا، رويدا. وهي تزداد عاما بعد عام كي تزيل تدريجيا النباتات والشجيرات والاشجار، فتضحي التربة غير متماسكة وعرضة للانجراف. وعندها تزول قدرة الارض على امتصاص الامطار. مما يعني انزلاقات اكبر وفيضانات اكثر وتصحر وكوارث وشح في مياه الشرب.
لست ادري اذا ما كان ثمة خطة حقيقية (قابلة للتنفيذ) اعدتها وزارة البيئة لمواجهة مثل هكذا مسائل.
واني اخشى ان يكون التركيز حاليا في الوزارة منصب على جعلها وزارة اعلام، ومن ثمّ على درء خطر المدير العام الذي هو من "التاشناك"، والذي يعد في اساس تكوين مشكلة الاحتباس الحراري في العالم كما في فساد النظام واستفحال المشكلات البيئية جميعها في البلد (كما قرأنا وسمعنا في وسائل الاعلام المحلية).

نعم، اخشى ان تكون معارك الوزارة الاستراتيجية قد اضحت تشنّ لنقل اعتمادات من الموازنة العامة الى مكتب برنامج الامم المتحدة الانمائي في بيروت لارضاء وزير للظل يشغل هناك موقعا رياديا ايضا (بشكل مخالف لمبدأ فصل السلطات ما بين اجهزة الامم المتحدة والدول الاعضاء). نعم فكل الهمّ هو في تهميش الفريق الحالي في الوزارة الذي هو اساس الاحتباس الحراري والمصائب البيئية وفي خلق فريق نظيف وموال ومواز يتبع اوامر وزير الظل، ولا يخضع للقوانين المرعية في الدولة اللبنانية. نعم، انّ وزارة البيئة اليوم هي متلعثمة بفعل النقار وتخطي الاصول الادارية، والمطلوب هو لملمة الاوضاع وتصويب الاداء لما يتناسب مع مصلحة البلد والتحديات البيئية التي تواجه لبنان والتي تهدد ارزه بالانقراض ومياهه الجوفية بالزوال!!!

واننا نسأل المختصين ان تكون خطواتهم مدروسة اكثر وابعد في مفاعيلها من الضوضاء الاعلامي. فالحكمة هي في اتخاذ قرارات قابلة للتنفيذ لضمان ديمومة اي عمل اصلاحي، والا اضحت السياسة البيئية موجة سرعان ما تنجلي...

اعتقد انّ تحصين البيت الداخلي البيئي هو مفتاح النجاح في مواجهة ظاهرة الاحتباس الحراي في مثل هذه الظروف التي يمر بها البلد، فالمريض الذي تتخابط خلاياه وتتحارب لا يستطيع ان يواجه وباء الاحتباس الحراري؟؟؟

اخيرا، انّ لبنان اليوم يواجه خطرا يفوق خطر العدو الاسرائيلي، وهو خطر بيئي يغير وجهه وانتمائه. لذا، فالكلّ مدعو الى المقاومة او على الاقل الى عدم التآمر على الذات. وانّ مقاومة الاحتباس الحراري هي في تضافر الجهود ورفع درجات الوعي لايجاد وسائل لمكافحته. فالوعي للاخطار الناتجة عن الاحتباس الحراري ومسبباته هي مفتاح الحفاظ على ما تبقى من مقدراتنا الطبيعية، لا بل واجب علينا كي نكون فعلا ابناء حقيقيين مستحقين لابوة هذا البلد وللانتماء له.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق