الاثنين، 27 سبتمبر، 2010

برهوم

برهوم
بقلم مازن ح. عبّود


عرفت "برهوم" اخا وصديقا ومرشدا في الازمنة الحالكة. عرفته رجلا طغى قلبه على عقله، فهو رجل من الامس حلّ على اليوم، ضيفا. وكان "برهوم" غريبا عن الاستحقاق ايضا، وقد احسّ به علقما مرا، اذ انّ بعض الساسة قرروا قيادة قطعانهم من اهله الى المعارك العبثية. ولما لا فلتفنى القطعان كرامة المعنويات. فلتفنى ما دام في السوق عرض ومال، وما دام للزعماء رغبة باثيات ذكوريتهم.

كره "برهوم" الاستحقاقات الانتخابية ونفر منها مخافة تكشف الغرائز والاحقاد والعقد. ولطالما انتقد هذا القدر من الحرية وهذا الشح في الديمقراطية.

الا انّ محلته كانت قدره، كما الاستحقاق. وحسبه انّ على الانسان ان يضحي بذاته اناء لافكاره اذا ما اراد فعلا التغيير واقناع الاخر بصوابيتها.

كان قدر "برهوم" ان يختلط ب "اسعودي" ، الذي يتكلم "العصفوري " في حصص الفرنسية والذي يدعي ان له علاقات مثيرة مع الحيوانات والجن. كان قدره ان يتكلم مع ذلك الميكانيكي المتخصص باصلاح الاطارات المثقوبة كي يقنعه ان يتحرر من ربق "هذا او ذاك..." وكي يدعوه الى التحرر.

حاول "برهوم" الهروب، الا انه في كل مرة ابتعد كان يرتطم بنداءآت استغاثة من آمنوا به. ثمّ انه خاف جدا من صوت الضمير الذي ما كان ينفك يلاحقه. لقد كان الاستحقاق منازلة مع الجهل. وهو قد اراد لمنازلته ان تكون شهادة في زمن التردي، فالفشل في سبيل "الحق" اكثر تأثيرا من النجاح في سبيل "الباطل".

واصعب ما كان يكتب عليه ان يقوم به هو الاستماع لخرافات الناس وسحر بعضهم وشعوذاته وثرثرته.

لقد كانت محلة"برهوم" مستنقعا لبشر من مختلف الاطياف المضحكة والمبكية. واسوأ الاطياف كانت بشرا فقدت البساطة لحساب مادية اكتسبتها بفعل شهادة او لقب من هنا او هناك. مزعج كان بعض العلم على بعض الناس، بحيث انه يجعلها تظن بأنها تمتلك كل الدنيا.

ودخل "برهوم" الى دكان "اسعودي" الذي ركل على كرسيه المتحرك. اما رفيقي فرقد قبالته يستمع اليه، ويرسم في باله كيف انّ الزعيم يهزم كل القوى المضادة، وبعض تلك القوى كان من اهل "اسعودي" واخوته.

لقد عرف "برهوم" مسبقا ان قوة تأثيره على مضيفه لن تكون كبيرة، الا انه احبّ ان يستمع اليه، علّه يحدد مكامن قوة التقليد. نعم لقد عرف رفيقي انّ مفتاح عقل "اسعودي" كان بيد الزعيم. ومفتاح الزعيم كان فعّالا ولا يكسر، لانه صهره بخوف الناس وحاجاتهم. فالزعيم لجماعته كان مبدأ الامان والاستقرار والقوة. كما كان الزعيم قديسا ايضا، وله بحسب ال"بونا طنسى الكبير"، عجائب كثيرة. ومن عجائب الزعيم انّ "اسعودي" مرة خاصم جاره حتى الموت، الى ان وصلته كلمة سر الزعيم، فتبدل سلوكه تجاه جاره، وأضحى يتعبد له ليلا ونهارا، كما راح يخوّن كل من خاصم الجار، وذلك على اعين كل اهل المحلة. فردد الجميع مقولة : "عجيب الله في قديسيه" ...

وعلى الرغم من كل ذلك، لم يرد رفيقي ان يستسلم فيدفن الديمقراطية في بلده، وقد ترهلت فاضحت ضربا من ضروب الفولكلور في ظل الانقسام العامودي الذي عرفته محلته. لم يشأ انّ تضحي المحاسبة والمسائلة في محلته من الشيطان.

الا انه في النهاية لم يجد "برهوم" اي مادة يقدمها الى " اسعودي". فكان ان نوه بخاطبه وحيّى زعيمه ومضى، الا انه لفت نظرمضيفه الى أنّ ما كان يزعجه بالزعيم كان العصا ليس الا.

مضى كي يلتقي مارقا آخر يوضح له ماهية اخطار استمرار المحور الاخر في استلام زمام البلدية على السلم والسلام العالميين.
حاول "برهوم" جاهدا ان يبلغ اناس محلته جاهدا، انّ ليس لرئيس البلدية ادوارا محورية في القضايا الوجودية في البلد والعالم، الا انه ما استطاع الى ذلك سبيلا. ما ااستطاع افهامهم أنّ تأهيل الطرق والتربية ومعالجة النفايات ليس لها علاقة بقضية فلسطين والسلاح النووي الايراني وسلاح حزب الله والاغتيالات ومواجهة المخططات الكبرى.

لقد حاول اقناعهم بانتقاء الافضل من كل معسكر سياسي، لما يضمن تنمية محلتهم ورغدهم. فما لاقى آذانا صاغية، بل تلقى عوضا عن ذلك دعوات متكررة للانضمام الى هذا المعسكر. لقد كان رغد جماعته في ارضاء الزعيم واتقان الخط. وخطوط زعماء محلته كانت مخيفة وغير مقروءة على غرار خربشات ولد بدأ لتوه بالكتابة.

الا انه وعلى الرغم من كل ذلك لم يستسلم "برهوم"، ولم يفقد الرجاء. لا بل هام على وجهه لبعض الوقت. هام ولم يستسلم، لانّ الاستسلام موت. وهو لم يكن من جماعة الموت بل من جماعة الحياة والنضال.

واني ادعوك يا عزيزي القارئ ان تستضيف "برهوم" وتتفهمه اذا ما التقيته يوما طارقا باب دارتك. فهو مجنون وغريب ومشرد. مجنون لانّ يذري عكس الريح. وغريب لانّه يتفوه بأشياء لاتمت بواقعنا. ومشرد لانّ لا بيت له، وقد احتلّ الساسة كل بيوت محلته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق