الاثنين، 25 أكتوبر، 2010

اعلان القداسة في الكنيسة الاورثوذكسية







بقلم مازن ح. عبّود

بمناسبة انعقاد السينودس حول مسيحيي الشرق الاوسط في روما، اختارت اسرة النهار ان تضيئ على بعض جوانب مسألة اعلان القداسة في الكنيسة الاوروثوذكسية في التقرير التالي. تقرير اردنا من خلاله ان نجمع المعرفة اللاهوتية الى الثقافة الشعبية، بأسلوب قصصي. علّنا نسهم بذلك في تثبيت جماعة الناصري في ارضهم، وذلك عبر الاضاءة على الشهادة والارتقاء في ديانة مبنية اصلا على الرجاء والغلبة على الخوف والموت. لما لا ومعلهم قد قال لهم يوما: "ثقوا بأني قد غلبت العالم"، ثمّ في آية اخرى:"انا معكم لا تخافوا"!!!

في الناس واعلان القداسة

قالت "روز" لجارتها "ليلى": " ما بالكم معشر الاروام لا تتولد كنيستكم قديسين. افلا يكون يسوع ابن يوسف النجار وامه مريم قد فارقا كنيستكم ؟؟ انّ الكنيسة التي لا تنتج قديسين هي عاقر، بحسب ابي. انظروا كيف تتوالى عندنا احتفالات التطويب والتقديس بشكل سنوي!!! على ما يبدوا فرضى قداسة الحبر الاعظم الروماني ضرورة!! تبدلوا يا قوم، او على الاقل اكسروا سمكم على غرار الملكيين الكاثوليك كي تمن عليكم السماء ولو بمشروع قديس!! تعالي يا ليلى واسمعي "بوخاموس" يتلو عليك كيف كان يراقص جسد الطوباوي كل صباح في طريقه الى الحقل كي يتبرك".



غضبت "ليلى" من "روز" ، ونشبت حرب ما بينهما استخدمت فيها كل سطول المياه والاحذية العتيقة المتوفرة. وكاد النزاع، لولا تدخل "الكاركون "، يتطور الى فتنة طائفية.

وحملت "ليلى" طروحات جارتها الى ارشمندريت بلدتها بغية الاستفسار عن اعلان القداسة والعقم في كنيستها.





في لقاء ليلى مع رئيس الدير

دخلت المستقيمة الرأي محتشمة الى صرح الدير وولجت الى الكنيسة بوقار. ثمّ راحت تتبع صلاة الغروب حتى نهايتها كي تتمكن من لقاء الارشمندريت الذي كان داخل هيكله يكهن.





وسرعان ما انتهت الصلاة، فقرعت النواقيس، ومضى الجميع الى صالون الدير. فكان ان بادرت "ليلى" كبير كهنة الدير بالسؤآل عن مبتغاها. فشرح لها الكاهن ببساطة ماهية المعايير المتبعة لتطويب قديس في الكنيسة الأورثوذكسية. واثلج قلبها لما قال لها انّ الكنيسة الانطاكية الاورثوذكسية قد اعلنت حديثا قداسة العديد من الشهداء بطريقة مباشرة، كيوسف الدمشقي الذي استشهد دفاعا عن ايمانه في نهاية القرن التاسع عشر، وبطريقة غير مباشرة كيعقوب الحماطوري وشهداء حماطورة (اعيد اعلان قداستهم فعليا) الذين استشهدوا دفاعا عن دينهم ايضا، في ازمنة المماليك. وابلغها بأنّ طرائق اعلان القداسة تختلف ما بين الكنائس، كما نشر اخبار العجائب. الا انه فاجئها بقوله انّ ثمة قديسين مازالت قداستهم طي عدم الاكتشاف والاعلان. واليكم بعض ما بلغ تلك السيدة من معطيات في هذا الاطار.





في التطويب واعلان القداسة في الكنيسة الجامعة تاريخيا



شكل الشهداء (في سبيل المسيحية) طلائع مسيرة القداسة في الكنيسة الجامعة، وكان الشماس استفانوس اولهم. فأولئك بحسب الكنيسة الجامعة قد اشتروا الفردوس بدمائهم دون منة احد، فانضموا بذلك الى طغمات الملائكة والرسل والانبياء. ولقد درجت العادة ان يقيم المسيحيون الاوائل هياكل الكنائس على قبور شهدائهم. ومع انحلال الاضطهاد، اي بعد تنصر الامبرطورية الرومانية، انضمّ المعلمون ك "افرام السرياني" وبعض الرهبان المتوحدين في صحراء مصر الى مسيرة القديسين.





لقد درجت العادة في الكنيسة قديما ان يعلن قداسة راقد ما سلف من اسلاف الرسل (الاساقفة المحليين- رؤساء الكنائس المحلية) الى حين اصدر البابا الكسندر الثالث امرا في العام 1170، تضمن حصر مسائل التكريم والتطويب واعلان القداسة في الكنيسة الكاثوليكية بالفاتيكان.





ارتكز البابا يومها في تسطير قراره على وقائع (سؤ استغلال بعض رؤساء الكهنة للسلطة

الممنوحة لهم في هذا الاطار)، كما الى معطيات سياسية وادارية هدفت الى تعزيز سلطته على احبار الكنيسة الكاثوليكية ورعاياها. وتقوننت مسئلة الاعلان تدريجيا، الى ان أضحى الزاميا على طالب التكريم ان يرفع دعوى تطويب امام مجمع القديسين في الفاتيكان الذي له صلاحية درس وبت الملف قبل رفع الموضوع الى الحبر الاعظم، لتبني واعلان القرار النهائي.

من الواضح انّ وسائل اعلان القداسة في الفاتيكان تخضع الى معايير علمية وقانونية، وتستهلك الكثير من الجهد والوقت والمال. هذا وقد درجت العادة ان يكون لكل دعوى وكيل. وكان يعيّن (قبل العام 1983 ) لكل دعوة محام دفاع ايضا، يتولى الرد على مزاعم مدعي عام المجمع، وذلك لزوم اقناع الاباء بأحقية موضوع اعلان القداسة. وبعد الاستماع الى الردود والردود المضادة، كان آباء المجمع يصوتون على القضية، وترفع نتيجة التصويت الى الحبر الاعظم لتبينيها وتحديد موعد الاعلان (يجري الاعلان في احتفال مهيب في كاتدرائية القديس بطرس).





وتجدر الاشارة الى انّ اودرليك- اسقف اوغسبورغ اول قديس (من خارج روما) يعلن البابا يوحنا الخامس عشر قداسته في العام 993. كما انّ فولتير دو بونتواز كان آخر قديس غربي تعلن قداسته من قبل رئيس كهنة (رئيس اساقفة روان- هوغ دو بوف) في العام 1153.

معايير التطويب واعلان القداسة في الكنيسة الاورثوذكسية

وتتميز الكنيسة الشرقية عن الكنيسة الغربية في طرق فهمها للقداسة واعلانها، وليس في جوهر المسألة الى حد بعيد.



فالقديس سمعان الاهوتي الجديد يقول عن القديسين الجدد في الكنيسة الاوروثوذكسية ما يأتي: انّ القديس الجديد في الكنيسة ينضم الى محفل القديسين عبر التاريخ الذين امتلؤا على شاكلته، نورا الاهيا. فيضحي الكلّ سلسلة ذهبية، يشكل كل قديس فيها حلقة تتصل بالاخرى عبر الايمان والعمل والمحبة. نعم فانّ القديسين في كنيستنا يشكلون سلسلة ايمانية لا تنكسر ابدا".



اولا، في تحديد القديس في الكنيسة



يحدد الارشمندريت توما بيطار اعلان القداسة في الكنيسة الاورثوذكسية

بالتالي: "القديس هو مَن استحال، بالروح والحق، هيكلاً لله. فصار إناء للاهوت. وأضحى أيقونة الله... وإنجيل حي. فحياته كلمة، وسيرته قدوة. وهو، إلى ذلك، شفيع لدى الله، يرفع الصلاة عن المؤمنين في الكنيسة".



ثانيا، في فلسفة اعلان القداسة عند الاورثوذكس

اما في موضوع الكنيسة الاورثوذكسية واعلان القداسة، فينقل الكاتب الاخ اليكس يانغ عن القديس يوحنا ماكسيموفيتش قوله انّ قداسة راقد ما في الكنيسة الاورثوذكسية لا تنبع من اعتراف الاحبار لا بل من نعمة الله. فمهمة احبار الكنيسة عند الاورثوذكس في موضوع التقديس تقتصر على اكتشاف وتكريم ما قد قدّسه الله من بين رعاياهم الراقدين .



انّ الكنيسة الاوروثوذكسية تميز ما بين القداسة وإكتشافها واعلانها. وهي تعتبر بأنّ في الكنيسة قديسين لم يتكشفوا للكنيسته الارضية بعد، الا انهم يعيشون في حضرة ربهم مع سائر القديسين والملائكة ويتشفعون لنا عنده.



هذا وقد يبدأ اعلان القداسة عند الاورثوذكس على المستوى الفردي، اي عندما يبدأ فرد ما من الكنيسة بطلب شفاعة احد الراقدين ممن يعتبرهم من المقربين لدى الله.



ثالثا، كيفية اعلان القداسة عند الاورثوذكس

يقول الارشمندريت بيطار في اعلان القداسة لدى الاورثوذكس، انه اذا ما لاحظت الكنيسة أنّ الراقد (موضوع اعلان القداسة) كان إنسانا للمسيح بالروح والحق، وانّ سيرته كانت ناصعة وتميزت بعدد من الفضائل المسيحية (الاتضاع، الصلاة، الفقر، المحبة...)، وانه موجود في وجدان المؤمنين كمثال، ومعلم، وشفيع، تقوم عندها بدراسة امكانية تكريمه. الا انه ووفق التقليد الاورثوذكسي، فانّ الروح القدس قد يشاء احيانا ان يصنع العجائب (كالأشفية والظهورات وعدم انحلال الجسد وفيض الطيب) من خلال شخص او راقد ما وذلك كي يؤكد حضور هذا الشخص في حياة الكنيسة واستحالته الى ايقونة الاهية. فالعجائب في الكنيسة ليست بالضرورة لازمة لاعلان التقديس بحسب بيطار.



ومازال اعلان القداسة عند الاورثوذكس غير محصور بسلطة مركزية ويقع في صلاحيات رؤوساء كنائسهم. اما التدابير التي تسبق اعلان القداسة في هذه الكنيسة هي غير خاضعة لمعايير علمية وقانونية، بل الى معايير ايمانية صرفة.



ويضع الارشمندريت بيطار مسئلة إعلان القداسة في الكنيسة الاورثوذكسية في إطار العلاقة الوجدانية الدينامية الحية بين الكنيسة المحلية والقديس. ويعتبر انّ إعلان القداسة في كنيسته ليس شأنا أكاديمياً، ولا يستند عادة إلى رغبة لدى الرؤساء أو المتنفذين إلى تجيم شخصية معينة كقديس بل الى رغبة الشعب والاكليروس. لذا، فإن إعلان القداسة بحسبه، يجب ان يترافق ووفرة في الصلاة والصوم في الكنيسة ودفق من نعم الله. وينهي مقالته معتبرا ان اعلان القداسة يحتاج إلى تنقٍ من جانب الرؤساء والمؤمنين في الكنيسة لتمييزه والإغتذاء به، وإلا انزلقت الممارسة (ممارسة إعلان القداسة) في متّاهات الاستنساب الشخصي واستؤسرت للضغوط السياسية والاجتماعية والقومية والعرقية وسواها. وأضحت، بالأحرى، إعلانات مزعومة لقدسية أهواء الناس.



واذا ما كانت المبادئ العامة الناظمة لاعلان القداسة هي نفسها في الكنيستين، الا انّ الاختلاف يتجسد في الممارسات وعقيدة اعلان القداسة. فمهمة الكنيسة عند الاورثوذكس تقتصر على اكتشاف عمل الروح القدس في تقديس احد افرادها الراقدين حصرا. لذا، فانّ الوسائل المتبعة في الكنيسة الاورثوذكسية هي اقل اكاديمية واكثر بساطة.



ومن الملاحظ انّ القديسين المحليين الذين اعلنت الكنيسة الانطاكية الاورثوذكسية قداستهم مؤخرا، هم بغالبيتهم من الشهداء الذين قضوا دفاعا عن عقيدتهم وايمانهم بشكل واضح كيوسف الدمشقي ، مثلا.



خامسا، في احتفال اعلان القداسة لدى االاورثوذكس

وتقول الام مريم زكّا عن احتفال اعلان القداسة عند الاورثوذكس ما يأتي: انه وبعد سلسلة من الصلوات والاصوام وبعد التشاور مع اركان الكنيسة من آباء روحيين ومتوحدين وعلمانيين معروفين بتقواهم، وعلى اثر التثبت من سيرة وخصال الراقد ومدى حضوره وتأثيره في حياة جماعة المؤمنين(الكنيسة)، يدعو السيد البطريرك المجمع المقدس الى الانعقاد (بناء لطلب اسقف على الاقل) لدرس ملف اعلان قداسة راقد ما. ويتخذ المجمع المقدس قرارا في هذا الشأن، وفي حال الموافقة يأمر السيد البطريرك ، كاتب الايقونات الى كتابة ايقونة للقديس كما يأذن لاحد الاديار بكتابة خدمة خاصة بالقديس.



وعشية ذكرى رقاد القديس الجديد تقام صلاة غروب خاصة. فيأتى بذخائر القديس الجديد وايقونته الى الكاتدرائية. وتنقل الايقونة والذخائر خلال صلاة كسر الخبزات في تطواف مهيب من هيكل الكنيسة الى صحنها، وتوضع قرب الايقونسطاس ، ويقوم جوق المرنمين بترتيل طروبارية القديس للمرة الاولى. ويكشف البطريرك عن رسمه ويكسر الخبزات الخمس التي يوزعها على الناس الذين يوافون لتقبيل ذخائره وايقونته. وفي صبيحة اليوم التالي يتم ذكر اسم القديس الجديد (للمرة الاولى) في خدمة القداس الالهي (مع سائر القديسين) كشفيع لجماعة المؤمنين لدى الله. وبعد حفل الاعلان، تسمح الكنيسة للمؤمنين عادة ببناء كنائس جديدة على اسم القديس الجديد، كما تسمح لهم بتعليق ايقوناته في منازلهم وللتبرك، وتطلب شفاعته لدى الله من قبل المؤمنين بشكل جماعي في الكنائس.





النهاية

هذا كان في اعلان القداسة عند الاورثوذكس، وقد بلغ كل ذلك "ليلى"، فحفظته عن ظهر قلب. وراحت تفتكر اياما بالقديسن غير المعلنين وببعض من اعلنت قداستهم من غير القديسين مثلا. والاهم من كل ذلك، أنّ تلك السيدة اصلحت علاقتها المتردية مع جارتها "روز" جراء ذلك، فاوقفت حملات الشتائم، ورمي المياه المتسخة. فأستقرّ المحيط، واستتب السلم والسلام المحليين





الاروام :ابناء كنيسة الروم الاورثوذكس في انطاكيا

كركون: مخفر الدرك في البلدة

ارشمندريت: رتبة دينية تعني في اللغة العربية رئيس دير

كلمة اورثوذكسي اليونانية تعني في اللغة العربية المستقيم الرأي (وهنا عنى الكاتب ليلى)

معلومات هذا المقطع مستقاة من موقع الوكيبيديا الالكتروني.

الفردوس بحسب التقليد المسيحي هو المكان المخصص في السماء لشهداء المسيح

مع وصول يوحنا بولس الثاني الى سدة البابوية تمّ الغاء منصب المدعي العام في العام 1983، وتمّ تسهيل البت في دعاوى اعلان التطويب والتقديس. فازدادت وتيرة اعلان القداسة والتطويب الى حد غير مسبوق في الكنيسة الكاثوليكية.

توما بيطار:احد لاهوتي الكنيسة الانطاكية الاورثوذسية- رئيس دير القديس سلوان الاثوثي ومدبر عائلة الثالوث الاقدس في دوما

رأي الارشمندريت توما بيطار مأخوذ من مقالته " ما هي المعايير لتطويب قديس في الكنيسة الأورثوذكسية؟" من كتاب "سألتني، فأجبتك"، وقد نشرت على الموقع الالكتروني لمنتديات الشبكة الأرثوذكسية العربية الأنطاكية - منتدى الشبيبة الأرثوذكسية

مقالة ليانغ منشورة الكترونيا تحت عنوان " ماذا يعني التمجيد؟"

هو رئيس اساقفة سان فرنسيسكو في الكنيسة الاورثوذكسية الروسية في المنفى حتى العام 1962

الحبر هو رئيس كنيسة محلية

الموت بالمفهوم الكنسي هو رقاد اي نوم او ثبات عميق. فالمائت في المسيحية هو راقد سيستفيق عند عودة المسيح الذي هو الديّان العادل في نهاية العالم.

الكنيسة هي بحسب التقليد ارضية وسماوية

رئيسة دير مار يوحنا دوما- وكتبت خدمة يوسف الدمشقي

كسر الخبز: خدمة احتفالية تجري خلال صلاة الغروب، ويقوم الحبر خلالها بكسر خمس خبزات ويقوم الكهنة بتوزيعها على المؤمنين وذلك تذكارا لواقعة اطعام المسيح للجموع من خمس خبزات

ايقونسطاس: فاصل ما بين الهيكل وصحن الكنيسة يحوي الايقونات

ترتيلة خاصة بالقديس تشرح للمؤمنين فضائله وسيرته، وتتلى في المناسبات المتعلقة به في الكنيسة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق