الاثنين، 15 نوفمبر، 2010

لبنان والديموقراطية

لبنان والديموقراطية
جريدة الديار -مساحة فكرية
8-11-2011

«لست ملزما بالفوز، الا اني ملزم بأن أكون ذاتي. نعم لست ملزما بالنصر بل اني ملزم ان اعيش في النور الذي فيّ. اؤيد كل من هو على صواب. واؤيده فقط عندما يكون على حق وصواب. واتركه عندما يخطىء».
ابراهام لينكولن ـ الرئىس السادس عشر للولايات المتحدة الاميركية (1861 ـ 1965)


رحت افتكر بلبنان وبمنتخبيه، وانا اقرأ كلمات الرئيس لينكولن تلك. فكان ان تحسرت على اندحار بعض المبادىء التي اعطت لبنان تمايزه في هذا الشرق العربي. واسترجعت التاريخ، محاولا بذلك تحديد مكامن الخلل البنيوي في البلد.


فكان ان ادركت ان لبنان الدولة كان قد سقط زمانا طويلا، طفلا صغيرا، في خضم الصراع على الشرق الاوسط والقدس. فعلى ما يبدو لم يكن مقبولا ان تنشأ ديموقراطية في هذا العالم العربي، لا تشبه طبيعة هذا المحيط الى حد بعيد. فكأن الانتماء الى العالم العربي قد عنى تبني كل وجوه هذا المحيط وميزاته دون أي تباين جوهري معه، والا اتهمنا بالخيانة والتآمر.


فكان ان سخّف قادتنا الديموقراطية، وارسوا نظاما لا يشبه الا نفسه. فهو بظاهره ديموقراطي لكن بباطنه قبلي. لقد بنوا احزاب الاشخاص التي تتواتر على المراكز القيادية في الدولة. حرصوا على ارساء ناد مغلق للحكام لا يدخله اي مواطن. ثم ساعدهم المحيط على اكتساب صيغة الالوهة او القداسة.


فكان ان سقط لبنان السقطة الاولى، طفلا صغيرا. سقط بداية لما تجاهل حكامه ارساء احزاب حقيقية على النمط الغربي، مع كل مستلزمات الانتخابات وتداول السلطة والمحاسبة. نعم لقد خلق قادتنا مزيج نظام غريب على مقاس مصالحهم. فكان ان برزت ديموقراطية لبنان الممسوخة لكن مع بعض الامل بتغيرها وتطورها.


لقد أخطأ غالبية بناة الجمهورية، على ما يبدو، في ترجمة مبدأ المحاسبة. فأضحى محسوبية وزبائنية في ثقافتنا. فكان ان تحولوا هم بدورهم من قادة الى ديوك تتناحر على السلطة حتى حدود افناء الخصم الذي تحوّل الى عدو حتى الموت. وأضحى اليوم كل من يؤمن بمقولة الرئيس لينكولن هذه، خارجا عن الشرع والمجتمع ويستحق عقاب جهنم والرجم حتى الموت.


لقد تبنت الاحزاب التقدمية في لبنان الوصفة الغربية في ادارة الاحزاب، مع النظريات الاقتصادية الماركسية كفلسفة لتحركها، على عكس الاحزاب اليمينية التي تبنت فلسفة تحرر الاسواق لكن من دون تبني الديموقراطية في ادارة هذه المرافق. فكان العقم في انتاج القيادات في البلد الى حد كبير، الا من خلال الاقطاع او الحروب. ثم كان الخراب الكبير في مرحلة ما بعد الطائف حيث تلاشت الاحزاب بفعل وحش الامن المتآمر على الكيان بتحالف وشراكة مع وحش المال.


فكان ان اضحت الناس في بلدي رعايا وليس مواطنين. واضحى زعماء الطوائف والحروب انبياء، بالنسبة الى الناخبين، انبياء كذبة يتعاطون دون خجل ووجل في ادنى تفاصيل حياة الناس. والادهى ان غالبية الناس اضحت لا تخجل من كونها مستعبدة. لا بل تتباهى بكلمات السر التي تحل عليها، فتعميها عن التفكير والمعرفة ورؤية الحقائق. نعم، اضحت الناس في جهل وجحود!!!


ان معركة المستنيرين في البلد اليوم هي القول والعمل لارساء قناعة جديدة في المجتمع ترتكز على واقعة ان ليس رضى الزعيم والخط من رضى الله، وان الزعيم وخطه قد يخطئان. وبأن من تجرأ فخالف الزعيم والخط، او اختلف معهما في الرأي، ليس كافرا يستحق نار جهنم ونيران الالسن ولعنات الاقرباء والاصدقاء.

معركتنا اليوم هي في تقويم الاحزاب او ارساء تجارب جديدة. واني سأؤيد حتما من القيادات من يتبع الديموقراطية في ادارة خطه، اذا ما كانت اهدافه نبيلة. فالوسائل هي موازية بأهميتها للاهداف. ولتحقيق هدف نبيل يتوجب سلوك وسيلة نبيلة ايضا، والا الديكتاتورية!!


اشعر ان لبنان قد دخل في ممارساته السياسية اليوم شريعة القرون الوسطى، وتخلى عن القيم الصانعة للحضارة.
الا ان هذا كله لن يمنع من هم مثلي من دعم ما يرونه صوابا وحقا، وترك ما يعتقدونه باطلا من المواقف. ولن اهتم شخصياً مثلا، بعدم قدرة البعض على قراءة خطي!!!
فحسبي ان الانصياع للجهل ليس اولوية عندي بل عيش قناعاتي هو اولويتي. اعيش قناعاتي، بغض النظر عن النتائج (وصلت او لم اصل، نجحت ام لم انجح...) اقول كلمتي واعمل لها بغض النظر عما يقال فيّ:


اعتقد انه قد اضحى من الضروري جدا العمل على اعادة تكوين مجتمع مدني حقيقي في لبنان. مجتمع مدني منفصل عن السلطة والحكام، يمارس ادوارا رقابية.


اخيرا، ان كلا منا مدعو اليوم الى الدفاع اكثر عن لبنان عبر صون المبادىء المؤسسة للديموقراطية فيه. وان مهمة رجال الاقلام والفكر المستنير هي نقل الحقيقة مهما كان الثمن. فالخوف يتعاظم اليوم من ان ينغمس الاعلام في بلد الارز، اكثر فأكثر، في الزواريب. فيضحى من البروباغندا، وان هذا ما يحصل عادة في ازمنة الحروب والصراعات. وجسد الاعلام اللبناني «لبيس». مهمتنا اليوم هي الحفاظ على المواطنة ومحاربة الرعاية. الطريق طويل وشائك، اعلم. واننا لسنا ملزمين بالنصر بل بالعيش في النور والحق كما يقول لينكولن.
مازن عبود

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق