الجمعة، 5 نوفمبر، 2010

في ترحيل مسيحيي الشرق

http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=1690&ChannelId=39563&ArticleId=518&Author=%D9%85%D8%A7%D8%B2%D9%86+%D8%AD+%D8%B9%D8%A8%D9%88%D8%AF


في ترحيل مسيحيي الشرق


مازن ح عبود

«لقد خسرنا جزءا من روحنا.
اما المصير، مصيرنا، فلا أحد يعلم ما سيكون...».
رودي خليل
عن هيرالد تريبيون (2/11/2010)

هل يتعرى العالم العربي من مكوناته فيضحي عالماً إسلامياً صرفاً وفاقداً لصبغة العروبة، بفعل منظمة «القاعدة»؟ وهل انّ الشرق الاوسط قد سقط وللأبد بيد التطرف؟ ومن ثمّ من اين اتت القاعدة؟ وكيف نشأت؟ وهل ان تراجع الاحزاب العلمانية والمفاهيم الديموقراطية في العالم العربي هو نتيجة ام سبب لهجرة المسيحيين المشرقيين؟ وهل أن ظاهرة بيع الاراضي في لبنان من قبل المسيحيين هي بداية النزوح الاخير؟


اسئلة تحضر الى عقلي في كل مرة يرد اليّ خبر انفجار في العراق او حدث دامٍ في مصر او ازمة سياسية او نزوح في لبنان. وقد حضرت هذه المرة بقوة ككابوس نصف الليل بعد ان شهد العراق موجة هجمات افتتحتها «القاعدة» بمجزرة سيدة النجاة في منطقة الكرادة في بغداد، واستكملتها انفجارات دامية في الأحياء الشيعية.


انّ ما جرى ويجري في العراق اليوم يدفعني الى التشكيك في مرحلة ما بعد سقوط الايدولوجيات الديكتاتورية الطابع في الشرق الاوسط. فهل المطلوب استبدال حكم الطاغية صدام حسين وحزب البعث العلماني والتحرري الطابع ظاهرياً، بحكم الفرق الدينية النافر؟


لم اؤيد يوماً صدام حسين ولا انتهاكاته الفاضحة في حق الانسانية، الا اني لست حتما مع وحش الفراغ الذي يفضي الى التطرف والعنف. لقد كان سقوط نظام وأيدولوجية البعث في العراق مدوياً لجهة ظهور الفرق وأنماطها وبربريتها حتى حدود الإلغاء.


ترانا نشاهد ونستنكر، مع الفاتيكان، انقراض المسيحيين الذين هم في اساس حضارة العراق الذي شكل مسرح الكتاب المقدس بعهده القديم. ونتألم ونتحسر على ضحايا كل اعتداء على أقباط مصر.
أوليست مصر هي ارض الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد؟ ولا يغيب عن بالنا القبر المقدس والإرث الضائع في الاراضي المقدسة في فلسطين.

لقد اضحينا نخشى ايضاً على بقايانا في دمشق وصور وصيدا وأنطاكيا وغيرها من مدائن هذا المشرق. فتنظيم «القاعدة» يبدو حالياً منكباً على تصفية العالم العربي، كي يدخلنا مجدداً زمن الخلافة من دون خليفة.

طبعاً لم تولد القاعدة من فراغ. فثمة أنظمة تربوية اتبعت لعقود من الزمن في بعض الدول الكبرى الإقليمية والغنية، ساهمت كثيراً في إنباتها وتنميتها. فأضحى كل مواطن في تلك الدول مشروع تطرف يسعى ان يكون «بن لادن» جديداً، فيلغي ويقتل إرضاء لله ولبلوغ الجنة. لن يتراجع الارهاب قبل ان تشح موارده البشرية والمادية. وإنّ هذه المسألة هي رهن برغبة بعض القادرين الى حد بعيد.


ادى فشل الأنظمة العربية في استرجاع حقوق العرب في فلسطين، كما في تحقيق التنمية للشعوب، الكنف الذي نما فيه شعور النقمة والغبن الذي ولد الإرهاب والتطرف. فكان ان وازى ارهاب القاعدة الجرائم ضد الانسانية التي اقترفتها إسرائيل في فلسطين المحتلة. وأكلاف حالة كهذه هي زوال مشرقنا بصوره الجميلة وأحزابه العلمانية، حتى انّ روّاد تلك الاحزاب اضحوا اليوم يسيرون وراء الاحزاب الدينية من دون وجل. إنه الفراغ واليأس والغبن الذي وظفه وحش التطرف لحسابه.


الوضع مربك في المشرق لأنّ الأحزاب العلمانية، في الظاهر، قد ولّت لحساب الاحزاب الدينية، كما رحلت مع الريح المبادئ الديموقراطية.

لم يكن مسيحيو العراق مستهدفين حصراً في مجزرة سيدة النجاة، بل روح العراق كما اشارت جريدة «هيرالد تريبيون» غداة الانفجار نقلا عن الضحايا. لا بل كان المستهدف المشرق العربي بوجهه الجميل. وبرحيل المسيحيين عن ارضهم لن يكون مكان للاعتدال بعد اليوم، لن يكون مكان لحرية الفكر والديموقراطية والغد الافضل، لا بل تكفير وتخوين وتطرف وموت.


لذا، فالمطلوب اليوم انتفاضة للاعتدال الإسلامي تشن في وجه التطرف الذي سيلتهمهم حتماً. لقد اضحى مطلوباً من أئمة الإسلام الخيرين ان يعملوا على إرساء منظومة اجتهادات دينية تقي الناس شرّ التطرف. فما علاقة مسيحي العراق وسائر الأقطار العربية بالظلم؟ وما هي صلاتهم بالصليبية التي قضت على غالبيتهم يوم دخلت منطقتنا؟ ما ذنب اولئك بمصائب العرب وفساد الحكّام والأنظمة؟


إلا أنّ هذا كله، معطوفاً على ما يجري في لبنان، لا يجب ان يدفعنا كمسيحيين لبنانيين الى الهجرة، لأنّ البقاء في ارضنا واجب مقدس. واجبنا ان نصون القيم الديموقراطية وأن نعمل لغد افضل لنا ولإخواننا. فالارض والمحيط هما صليبنا، كما اننا صليب هذا المحيط. ليس حسناً ان


نترك المسرح هاربين، فنهمل بذلك البحث عن مسالك فجر الحقيقة والشهادة للحق.
لقد خلقنا هنا في ديار السيد كي نشهد له حتى الموت. لم لا وأجدادنا قد شهدوا له قبلنا، وبعضهم رقد شهيداً في ارضه على رجاء القيامة والحياة، فتقدس. علينا ان نكمل المشوار حاملين قضايا هذا العالم العربي المعذب. يجب ان نتمسك بأرضنا وأن نشاطر إخوتنا همومهم، ونسعى معهم الى إيجاد الحلول.


فالخوف، كل الخوف، هو في ان تتعرى ارض الناصري من اهلها كليّاً، فتستوطن عندها الغربة في اوطاننا. يقول باسيليوس مطران عكّار للروم الاورثوذكس: «إنّ من باع ارضه، باع شرفه». وهو على حق لأنّ الارض فعلاً تصنع وتعلم. إنّ العلم ليس غاية بحد ذاته بل وسيلة للارتقاء ولاكتشاف الحقيقة. بعضنا يخسر ارضه في سبيل تعليم اولاده، إلا أنّ العلم قد اضحى مفتاح الهروب والهجرة.

أخيراً، إنّ المسيحيين مدعوون اليوم اكثر ان يشهدوا لربهم على ارضهم، وعلى الاسلام المعتدل ان يعي اهمية أدوارهم ووجودهم فيتكاتف معهم للحفاظ على هوية منطقتنا ووجهها الحضاري الرائد. إنّ ما حصل في العراق مؤشر سلبي لا يمكن تجاهله البتة، وهو يهدف الى افراغ المنطقة من نسيجها الحضاري. إلا أن ذلك لن يتم ما دام في المنطقة أناس يؤمنون بالحياة والسلم والحضارة.
كاتب صحافي وعضو في معهد الصحافة العالمية ـ فيينا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق