الاثنين، 6 ديسمبر، 2010

الاستقلال... والرقص مع الذئاب

الاستقلال... والرقص مع الذئاب

http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=1712&ChannelId=40113&ArticleId=393&Author=%D9%85%D8%A7%D8%B2%D9%86%20%D8%AD%20%D8%B9%D8%A8%D9%88%D8%AF



مازن ح عبود

«ترى، كيف يراقص «موغلي» الذئاب دون ان يسقط فريستها؟»
من اقوال صبي صغير من الجمهورية

سألني جان مارك، ابن صديق لي، خلال محادثة هاتفية معه، عمّا اذا كنت استمتعت بعيد «Dépendence « لهذا العام؟ والصبي التهم «In»، عن قصد، او غير قصد، من عبارة الاستقلال «Independénce» في لغة راسين. فكان ان اضحى الاستقلال معه تبعية «dépendence» لفظية.

ذهلت من كلام محدثي الصغير، ورحت اتأمل في معاني عملته اللغوية.

لم ينته الحوار مع الصبي عند هذا الحد، بل راح الصبي يستجوبني هاتفيا عن هوية المسؤولين الذي جعلوا لبنان قبيحا بهذا الشكل، فقتل من قتل، وشرّد من شرّد، واجيزت المخالفات والحرائق والتلوث والازمات.

ومن ثمّ استطرد مستفسرا عمّا اذا كانوا قد نالوا عقابهم جراء ذلك. لم استطع ان اعلق على كلام الصبي المسؤول، بل تذكرت مقطعا من كتاب لويس مامفورد «ظروف الانسان» الذي اعتبر فيه الكاتب، ان روما راحت تدهورت زمانا قبل وقوعها بيد البرابرة.


فحسبه انّ روما دخلت طور التدهور، لمّا راح كل قائد من قادتها يبحث عن تأمين استقراره السياسي متهربا من اداء واجباته وتحمل مسؤولية الازمات. وبالفعل هذا ما حصل ويحصل في بلدي، ومنذ عقود. فالاقدار شاءت ان لا يكون تاريخيا في بلدي مسؤولون بل حكّام منتدبون يملكون ولا يحكمون. تضيع المسؤوليات، حتى في اتفه المسائل. فلا يخرج احد ويقول مثلا انا مسؤول عمّا جرى.

انّ في الساسة لا يخشون محاسبة الناخب ومساءلته، بل يتوجسون من المثول في حضرة حكّام المنطقة ممن يمسكون بشريحتهم. والبلد فيلم طويل يتتبعه الرأي العام العربي المتعطش الى الاحداث والحراك، بإمعان واهتمام شديديّن.

وقد حفظ المواطن العربي اسماء ساستنا كما تحفظ جارتنا «ليندا» اسماء ابطال المسلسلات التركية.
شعرت بصعوبة بالغة في فهم وتبسيط ما سأقدمه للصبي»جان مارك»، الذي بلغ من العمر مسافة اكثر بقليل من عقد ونصف من السنين. والاولاد في عمره يرون الدنيا من حولهم بالابيض والاسود حصريا. احجمت عن الكلام معه للحظات، وذلك كي اتمكن من اعادة صياغة الطبق الذي انوي تقديمه لولد في زمن الاستقلال.

انتظرت وتمهلت، لاني ما اردت ان اكذب عليه. الا اني لم ارد ايضا ان الوّث عقله بعبثية وقائع تعرض على شاشات التلفزة. اخبار كانت مزيجا من النقار المحلي، ومن اجتماعات لسفراء في لبنان يتدارسون اوضاع البلد ويصدرون التوصيات، وذلك في ظل غياب قادتنا الذين ينتظرون عادة ما قد تسفر عنه مثل هذه الاجتماعات كي يبنى على الشيئ مقتضاه وطنيا. اعتقد انّ الزعماء وسفراءهم مشكورون، اما قادة لبنان فمتهمون بالعقم بشكل مواز.

تمنيت لو انّ الصبي لا يعرف عن زيارات زعماء الدول لرعاياهم والقبائل المنضوية تحت وصاياتهم في لبنان، او عن جولات سفرائهم في المناطق. ومن ثمّ رحت اسأل نفسي اذا ما كان بمقدوري ان اخفي زياراتهم وكلماتهم وردود فعل قبائلنا عن اعين اولادنا كي نقنعهم بأنّ لبنان دولة، حرة وسيدة ومستقلة.

لم احب ان اقول له انّ لبناننا دخل زمن القناصل بدليل تزاحم كوكبة من الوزراء والنواب والمرجعيات المحلية والشعب من حول هذا السفير او ذاك، تنشد له الولاء وتتزود ببركاته وتوجيهاته. لم ارغب ان اعلّق على صور ترجع البلد الى ما بلغني حول حركة القناصل ما قبل احداث العام 1860 في جبل لبنان الصغير.

لقد اخفيت كل ذلك عن الصبي، طبعا.
ثمّ سألني جان مارك عن رئيس الجمهورية وعمّا اذا كنت اعرفه. فأجبته: «نعم». فطلب مني وصفه له. فقلت انه بشري يلاعب ذئابا، تماما كما «موغلي» في الرسوم المتحركة. واوضحت له انّ الذئاب ما كانت ناسا او فرقا، بل اخطار. فضحك الصبي، اذ لامس عالمه عالمنا.

ولمّا سألني عمّا اذا كان في مقدور الرئيس غلبة تلك الذئاب او العيش بمسالمة معها. والحّ علي لمّا قال هل بمقدور الرئيس «موغلي» ان يرقص رقصة النار مع الاشباح دون ان يحترق. فأجبته، بأني لا اعلم، وبأنّ علينا الانتظار حتى نهاية الفيلم. فيلم شكل اللبنانيون عناصره ومصيرهم مادته. ورحت اتمتم في سري: «ما ادهاك يا ابن صديقي، وما اصعب التحاور مع الصبية الاذكياء! وما اخبثك يا وضع لبنان، وما اثقلك يا انتظار، لانك تدمر الضحية قبل قدوم الجلاّد!».


انتهى حواري مع جان مارك بكلمات اردت ان اقول فيها: «انّ للبنان رباً يحميه من الذئاب والسحرة». واكدت له أنّ «موغلي» الجمهورية سيتمكن من العيش في وسط الذئاب، ولن يحترق بنيران فريقيي اللعبة.
وابلغته بأني اعتقد بأنّ «موغلي» لن ينفك يرقص وحيدا! لم لا، فهو يرقص لقناعاته ولما يعتبره حقا! فالانضمام لمعسكر معين يعني انكار المعسكر الاخر والغاءه، مما يهدد حياة البلد المخلّع بنيويا!. فكان ان سلمني رسالة دعم شفهية الى رئيس الجمهورية من صبي في الجمهورية. فوعدته ان انقلها. لأن نجاح الرئيس ضرورة للصبية والفتيات وللحالمين ببلد افضل وللهاربين من الانقسامات الشمولية.

[ عضو معهد الصحافة العالمي ـ فيينا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق