الخميس، 16 أغسطس، 2012

"ريشو": أذكى المخلوقات على الارض

"سنصنع ربيعا مختلفا للمحلّة. سنزيل الطبقة الفاسدة. الثورة آتية يا شباب. نعم انها الثورة. ألا فاضرموا النيران على التلال. احضروا الاطارات. اشعلوها. قوموا. اقعدوا. شاغبوا. انها الثورة. الثورة... ألا فامضوا وادفنوا جثث أجدادكم القابعة معكم في منازلكم. تطلعوا الى الغد. فثمّة عصر جديد". هذا بعض ممّا كان يلفظه فم "ريشو" المذهب، الذي تعرّى بفعل عوامل الطبيعة والسوس والزمن من معظم انيابه. وقد كان يقبع بعض الوقت في سوق تلك المحلة كي يسوّق افكاره. افتخر "ريشو" بكونه من المخلوقات الذكية في الحجم التي تستهلك قليلا وتفعل كثيرا. وبالفعل لم يتعدّ حجمه مترا ونصف المتر في الطول وبضع السنتيمترات في العرض في احسن الايام. كان يقتات اخبارا ويتنفس اقوالا. قال مرة انّ تصميم ما يعرف بالسيارة الذكية قد تمّ سرقته عنه. واعتبر بأنّ الطول هو لازمة ما لا يلزم، وترجمة لرغبة رأسمالية دفينة ما عند الخالق. وكان كلما التقى بطويل يقول له: "انت رأس مالي، اني اعلم. وانت تستهلك اطعمة اكثر مني، وكميات قماش اكبر. وحركتك ومفعولك هما اقلّ بكثير مني. قل لي لِم كل هذه القامة؟؟ ولِم كل هذا الحجم؟؟ لا تتباهى بنفسك كثيرا، فكلك شطط يا رجل". كما كان يقول إنه رافق مظاهرات البحارة في صيدا ونضالات الزعيم الصيداوي "مصطفى سعد". ادعى بأنّ الشاب "رفيق الحريري" الذي اصبح لاحقا رئيس الحكومة الشهيد، كان يتولى شخصيا وضعه على كتفيه والسير به، وذلك بوصفه احد كبار الرديدة ممّن خَفّ حملهم وصدح صوتهم. أحبّ إضرام النيران والبحث عن الذهب. وربطته بالاكليروس علاقات سيئة نتيجة اعتباره انّ المسيح اغتيل كالرئيس "الكندي"، اي الرئيس "جون كينيدي"، من قبل "اللوبي الصهيوني" في الولايات المتحدة الاميركية. هكذا بدأ خلافه مع الاكليروس. وتطوّر لمّا اعتنق مبادئ "كارل ماركس" الذي اعتبره نبياً. وقد سأل امراته مرة ان تسخّر الخوري "طنسى"، الذي وافى لزيارتهم، حمل زبالة المنزل الى برميل النفايات. فكان أن تسبّب تصرفه بعكرة، كادت ان ترمي به خارج المحلة. فنال جرّاء ذلك نصيبه من السباب واللكمات. وما زالت تشكل قصصه مع الخوري طبقا دسما على مائدة مناقشات اهل المحلة "المحبوبة من الله"، كلما دعت الحاجة. فـ"ريشو" كان يعتبر الخوري عاطلا عن العمل، وانّ "العطالة دكان الشيطان"، وانّ أسوءها هو المقنّع. فتلك تجعل من الشخص ينمو في الحجم، من دون ان يضطرد فهما ونضجا بالضرورة. كره الالقاب الّا لقب "الرفيق"، فـ"الالقاب تعطل الناس وتقتل انسانيتهم وانتاجيتهم". كان "ريشو" مسموعاً لكن غير مستجاب لدى اهله. فقد كان يحصل دوماً عكس ما كان يطالب به. حتى أضحت "نجوبي" الجارة تسأله معاكستها كي تتحقق مآربها. فحصل تحالف ما بينهما ضد مصلحة المجتمع. عرف بعلاقاته بـ"سعّود" العرّاف الذي كان يرشده في مسيرته للبحث عن الذهب. فسعيا معاً لفكّ الطلاسم والارصاد، لكن من دون جدوى. فأضحيا ملجأ لكلّ انواع الجن، حتى انّ عائلتهما هربتا منهما. فاستعيض عنهما بالماعز والدجاج. كما أغرم "ريشو" بإشعال الحرائق والنيران حتى انه قيل به انه اضرم النار مرة في فستان جارته "انوش" التي اشتهاها ولم يحظ بها، بالنظرات. ولمّا مرض رفض الذهاب الى المستشفى على رغم توصيات د. "فرشو" المشهور في نطاق المحلة. فكان أن التجأ الى احد تلامذته المدعو "الحج" الذي راح يطبّب مرض معلمه، "سرطان المسالك البولية"، بالاعشاب حتى توفي وحيدا في غرفته تماما كالرفيق "ستالين". وهو قد تعلّم منه انه لا يمكن الوثوق بالاطباء، وخصوصا اذا كان الشخص في دائرة الاستهداف. ولمّا رحل نعاه الرفيق "يعقوب" والطبيب الرفيق "فرشو"، كما الجن وكل اعضاء حزب ومناضلي تلك المحلة الذين لم يكونوا كثراً. بكاه الجميع، الّا الرأسمالية المستوحشة. اما الطغمة الكهنوتية، فقيل انها اقامت له مراسم الدفن بطلب من عائلته. وصلّت على نيّته، سائلة عارف القلوب ان يمحي هفواته ويتقبله. هكذا كان "ريشو"، خلطة نافرة من كل شيء. خلطة ما خَلت أحيانا من الحكمة. وهكذا هم بعض من اهل تلك المحلة التي عرفت. فكأنّ الومضات لا تغيب عن السواد، وكأنّ الحكمة تمتزج بما تشاء وتنطق في من تشاء. فلا ندن أحدا البتة، ولنعرف كيف نتحوّج، حتى من "ريشو"، ما يناسبنا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق