الأربعاء، 22 أغسطس، 2012

ليلة عرس

وقف في غمرة من وقفوا لدى دخولها قاعة عرسها. وراح يدندن سكرانا غنوة شارل "ازنافور" التي خصّ بها ابنته "اعرف انّ ذلك اليوم آت لا محالة لانّها الحياة يوم ترحلين فأعود الى منزلي ممسكا يد امك وحيدا فندخل صحراء المنزل حيث لا تكونين". ادرك "سليم" انه اليوم. فالفارس وافى على صهوة جواده كي يخطف منه ابنته. احسّ بمشاعر غريبة. وكادت ان تنهمر من عينيه الدموع لولا لم يتد
ارك ويعرف بأنّ المناسبة سعيدة. ثمّ ضاع في غمرة الضيوف وراح يتطلع الى وجه الابنة الذي شابه وجه امها وامرأته. احسّ للحظات انّ العرس عرسه لولا، غياب امه وابيه. ثمّ فرح لانه خطف وللحظات الى اسعد لحظات الماضي. آه لو لم يعيده الواقع الى غمار تلك السهرة!! ثمّ بدأ يتأمل العروس من كل الزوايا ويتذكرها طفلة تغمر البيت عجقة وفرحا ومرحا. استرجع كل ذكرياته. استرجع كيف كان يحملها واخواتها في الحرب هربا من دوي المدافع بحثا عن امكنة اكثر امانا، حتى لو كانت اكثر قتاما وعتمة. راح يشهق لمّا تذكر ضروبها الطفولية التي كانت ترهقه. ثمّ ابصرها كشافة تغني وتتمايل مع نار المخيم مع رفاقها ورفيقاتها. لم يعرف لما شعر في هذه الدقائق انّ حياته مالت الى الغروب؟؟ شعرت انّ "سليما" كان ثملا من خمرة الحياة والتحولات. اعترته مشاعر متناقضة من الفرح والحزن والحنين. سرّ كثيرا بالوجوه التي تقاطرت من كل البلدان للمناسبة. والوجوه هي لاصدقاء واتراب هم الاقرب الى قلبه وحياته وتاريخه. قبلهم فردا، فردا بدماسة. ومضى الى طاولته يحتسي من خمرته. اما "جيزيل"، ام العروس وزوجته، فقد شاركته الكأس. الا انّ الحياة كانت اقسى عليها. وكانت تلك المرأة اكثر افصاحا عن مشاعرها. ضمتني، وقبلتني بحرارة، قائلة: "اتعلم. ما رزقني الله صبيانا، الا اني كنت اعتبرتك و"مروانا"، ولديّ ومنذ فتوتكما". انتظرت تلك المناسبة كي تفصح لي عن ذلك. فكان ان دمعت عينيّ. واحتسيت من كأسي ونبيذي قدرا كافيا. واسترجعت ايامي مع تلك العائلة. فاستذكرت ايام الفتوة مع "زينة" و"جيهان" وحتى "نيلى" الصغيرة. بدت "جيزيل" متعبة من ضربات المرض. كانت حزينة. الا انها كانت فخورة، وقد كبرنا. فرحت، لمّا قدمتها الى صديقتي التي راحت تتطلع اليها. همست في اذنيّ مبلغة اياي انها جميلة كصبح ورقراقة كجدول وهادئة كليلة صيف. حاورتها بضع كلمات ومضت. اما العروس فقد كانت في ذهول. لا تصدق انها هي اليوم في الرداء الابيض. وهي قد اعتمرت الثلج بالامس رداء. رقصت مع عريسها، رقصات ما رقصتها حتى مع نسمات بيادر "فغري" حيث كانت تنطر المخيم الكشفي. اشرقت كشعاع شمس كسر عتمة مغاور الجبال. "زينة" هي عروس حقيقة اليوم. تلعب دورا طالما تمرنت عليه في طفولتها مع سائر بنات وابناء البلدة. هي القصة في تلك الليلة والنجمة والحلم والعروس. ترقص مع عريسها. والدنيا كانت ترقص من حولها. الجميع اتى كي يشهد فرحتها. اتوا ليشاركوها فرحة صيرورتها امرأة اقترنت بزوج كي تستولد للحياة ابناء وبنات. علت الموسيقى وطار المكان. ارتحل عن بيروت "الاطر المحروقة" و"النفوس المحتجزة". ابعدته الموسيقى عن كل شيئ. حتى الطرق المبتورة والتصريحات النارية واخبار الحوارات الدهرية والشكلية قد زالت في تلك الليلة. فالعروس هي الحدث وما سوى ذلك خلع مع النعال خارجا. ففي عرس الحياة تطفو اللحظات الثمينة. فتزول المشكلات ولو لدقائق او لحظات. نعم، ففي عرس الحياة تخرج الذكريات والمشاعر والاحاسيس من سجنها القتّال، فتخلط بالواقع كمشهد سوريالي على حلبة البقاء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق