الثلاثاء، 20 نوفمبر، 2012

المدينة العظيمة 2/2

لقد خشيت جداً من شوارع «نيويورك» وأزقتها العميقة خشيتي من الوحش القادم الذي قيل لي إنه سيحوّل الناس إلى عناصر وأرقام ومعادلات يتحكم بها بسهولة. كما خشيت من المدينة خشيتي من المستقبل الداكن للبشرية جراء استفحال الطمع وطغيان الحرية الفردية غير المسؤولة في ظل تناقص الوعي والمسؤولية الجماعية وتراجع ادوار المؤسسات الناظمة للمجتمعات. "نيو يورك" مدينة الارض وبشرها وحضارتهم الكرتونية. نيويورك المدينة الطالعة من تحت الارض بابراج من شهوات ولذات. حاولت اغوائي. الّا اني رحت ابحث فيها عما تبقى من روح. ليس بعيداً عن "وال ستريت" توقف باصنا السياحي. ترجّلت امام برجَيْ التجارة العالمية سابقاً كي اعاين موقع الفاجعة التي غيّرت المدينة والعالم الى الابد. وجدت كنيسة صغيرة تلطت تحت افياء ناطحات سحاب. شيّدها الانكليز قديماً كي تحرس مدافنهم. كنيسة القى فيها "جورج واشنطن" خطبة تدشين الرئاسة الاولى للاتحاد قبل ان يهجر صخبها الى "واشنطن". نضحت من هناك انغام وايقاعات ل"موزار". فهرعت اليها طالباً السكون. كانت كنيسة بولس بعضاً من روح في عتمات. احسست هناك بأنه مازال للموسيقى الالهية حضرة امام الموت. مازالت الانغام تعطّر بعض المطارح المتوارية في غمرة الموسيقى الثقيلة التي للعصر وشياطينه. دخلت. فأُخذت بسحر الانغام التي اقلّتني عبر الزمان غير البعيد الى احداث الحادي عشر من ايلول. انتقلت في الزمان من "جدّايل" حيث كنت ذلك اليوم بضيافة صديق الى حيث انا اليوم. فرأيت ما رأيت. سمعت نداءات الاستغاثة وأبواق الموت والانين المختلط بأصداء تبادلات الاسهم في "وال ستريت". عاينت البشر ارباً، ارباً تنتزعها الايدي من تحت الركام وانياب الوحش الذي كان يلتهم كل شيء. ادركت كيف تنتهي الاحلام وترحّل البشر وتختفي الاسرار. تلمّست هشاشة العولمة. فرأيت كيف يمحو الوهم عندنا الحقيقة لكن الى حين. بكيت جداً لمّا ادركت انّ الموت يبقى الحقيقة الكبرى. بكيت عميقاً، في تلك الكنيسة على نفسي وعلى نيويورك وعلى العالم. فالدموع تغسل مني ما وشمه فيّ الوحش. سائح غريب في كنيسة قديمة وبعيدة، مرمية على جنبات مقبرة بروتستنتية قديمة عند برجي التجارة المغدورين. يستمع الى تمارين فرقة تشدو لمن رحل ممن سُجلت اسماؤهم على قارعة جرسٍ مرميٍّ في تلك المقبرة. وقد اهدته بلدية لندن لاهل المدينة المفجوعة. لعنت الوحش. وبصقت عليه. فهو لا يشبع دماء وابرياء تحت الف غطاء وغطاء. حتى يمسك بالبشرية جمعاء فيلتهمها. مضيت من هناك نظيفاً كي أواجه تمثال الحرية الذي انتصب معْلماً فرنسياً في قلب البلاد الجديدة من صنع "ايفيل". سألت النصب عن مفاهيم الحرية التي يقدمها للبشر، كيف واين تبدأ؟؟ واين تنتهي؟؟ وهل انّ حريته هي استفحال للفردية التي تجعل من كل منّا جزيرة لا تربطها بسائر الجزر الا بطاقة الاعتماد والحاسوب؟ سألته عن النظم المجتمعية والمبادئ التي تسقط كل يوم في سبيل مفاهيمه للحرية. ثم سألته عن التحرر. فما اجاب. ولا اجابت مياه المحيط المالحة ولا ناطحات السحاب ولا اسراب السفن. وكان ان صعدت الى برج "روكفيلر" حيث رأيت المدينة من فوق. عاينتها مع كل محاسنها وجمالاتها ومفاتنها. كان البرج كبيراً وعالياً. والمدينة كبيرة وساحرة. الا انها كانت قد وشمت للوحش كما قيل. لم اسجد لها. لانّ لي مدينة فوق. واني لا اسجد للبشر وآلهتهم وفنونهم وطرائقهم وحضارتهم. فهم من تراب. والتراب سرعان ما يتعرّى عن الارض. فتحمله الامطار والرياح الى حيث لا يريد. حزنت المدينة مني جداً. اذ اني لم انتمِ اليها الّا ببعض الجوانب التي لامست فيها الالوهة. وكان ان مضيت ليلة فراقها كي اكتشف مسارحها. Broadway ومسارحها الموسيقية كانت قبلة كل من عشق في هذا العالم فنونه الراقية. وانا كنت من هؤلاء. استمتعت جداً بمشاهدة مسرحية "The JerseyBoys" التي اضاءت على حكاية فرقة "الفصول الاربعة المشهورة" ونجمها مغني البوب المشهور "فرانكي فالي". فرسمت بالموسيقى والديكور والاغنيات كيف واجه اولئك الفتيان ضغوط المافيا والقمار والنكبات العائلية للانتقال من ازقة "نيو جرسي" الى زقاق الشهرة العالمية. كما رسمت بوضوح اثمان تلك الشهرة. وقد افرغ الابطال من مضامينهم وحياتهم وعائلاتهم. فأضحوا يدمنون على الاضواء الخاوية. حزينة كانت نهاية النجم الذي ما عرف كيف يضع نهاية للوحش الذي استعبده والتهمه. فكان ان آثرت ترك تلك المدينة. تركتها بعد ان اتصلت بقنصلنا العام فيها مجدي رمضان للإطمئنان عليه. وتوجهت الى بوسطن، المحطة الاخيرة في زيارتي الى بلاد العم سام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق