الاثنين، 5 نوفمبر، 2012

«مطارح» أخرى

تموضعت «رالي» في عمق الجنوب الاميركي حيث حقول التبغ والقطن. هناك، حيث المزارع والفلاحون، كانت عاصمة نورث كارولينا ابنة خضراء من بنات الجنوب الاميركي، عُرفت بممانعتها وأخواتها للشمال الصناعي الذي حاول التهامَهنّ. فكانت الحرب الاهلية، بحسب ما ابلغني نائب رئيس الشركة المضيفة "بوبي الكينز"، الذي تولّى شخصيا مرافقتنا خلال زيارة العمل الى ولاياته. وانا ما أتيت رالي- عاصمة نورث كارولينا- أصلاً كي اتعرّف الى وجهة النظر الاخرى من التاريخ، بل لضرورات العمل. وصلنا مطار الولاية بالتزامن مع قدوم المتعهد "جورج فتّوح" ووكيلته "كارلا بحري" للانضمام الى الوفد. وقد كان "بوبي" بانتظارنا. فترة مكوثي في الولاية كانت مناسبة، ليس فقط لإتمام المهمة التقنية، بل للاستماع ايضا الى شروحات "بوبي الكينز" في التاريخ الاميركي. بوبي كان مجازا في التاريخ، وكان بروتستنتيا محافظا وجمهوري الهوى، الّا انّ وجهة نظره من الحرب الاهلية الاميركية كانت تتنافر مع ما نشر وبلغنا. كان جنوبيا يفتخر بانتمائه الى تلك البقعة والى تاريخها. فكان ان اراني النصب التذكاري الذي اقامه اهل كارولينا الشمالية لشهداء الكونفدرالية في الحرب الاهلية، وقد انتصب قرب مبنى كابيتول الولاية. فالقصص على ما يبدو تختلف بحسب هوية البشر وتموضع الامكنة. فالروايات تتناقض احيانا!! في "نورث كارولينا" اجرينا الاجتماعات بأهل القطاع، وخَصَنا رئيس الشركة "تومي بان" بالتفاتة خاصة. فأحيط الوفد بكل مظاهر الحفاوة. أولَمَ على شرفي، فجمع كل طاقم مجلسه الاداري. القضايا الحميمة والخاصة، كما لبنان ومسائله، لم تغب عن عشاء العمل، فأهل الولايات المتحدة الاميركية يعرفون كيف يرسون تبادلاتهم التجارية على اسس الثقة والاحترام، بغضّ النظر عن حجم الشريك او هويته. في "نورث كارولينا" حلمت مرتين بلبنان. المرة الاولى كان الحلم جميلا، فأبلغت لمّا اتصلت بأنّ اخي قد تمّ تعيينه رئيس الهيئة العليا للتأديب، ففرحت. والليلة التالية كان الحلم كابوسا مفزعا، اذ اني سمعت انينا وعويلا، وعاينت نيرانا وقتلى، وكان ان ابلغت انّ اللواء الحسن قد اغتيل ظهر اليوم التالي. لقد كان طيف بلدي يلاحقني الى هناك. لا اعرف لم لا ينفكّ يلاحقني هكذا حتى الى اقاصي الارض؟؟ فكأنه يسكن فيّ، او اني ببساطة اسكن في قلبه، ولا اعرف!! بداية، فرحتُ لأخي، ومن ثمّ بكيت لاحقاً على بلدي هناك. تحسّرت جدا على اللبنان، وتحوّل جوّالي الى خط ساخن لا يسكت ولا يستكين، لزوم العبور الى حيث انتمي للاطمئنان على الاهل والاصدقاء. كانت ايامنا الثلاثة في "نورث كارولينا" معطرة بشذى ارضها ومحبّرة بألوان خريفها وغسقه الموشى بأطياف الورود. انتهت زيارة العمل. ودّعت "رالي" واهلها، والى "كانتيكي" حيث لي "لبنان" من ازمنة الجامعة الاميركية. و"لبنان" صديقي كبلدي عَنى ليّ كثيراً، فلقاؤه في ارض العم سام حدث بحدّ ذاته. بحثتُ عنه في بلدي، فوافيته في بلاد العم سام. ذاك المحمّل بما فيّ. جئته كي التقي بعضي ممّن تركت على طاولة الدراسة. و"لبنان" اضحى من اشهر اطباء "لويس فيل" عاصمة "كانتكي". فتزيّن الاسم بصاحبه ايضا. بنى صاحبي في تلك المدينة عائلة وبيتا فخما. لقد ألحّ بدعوتي، فلبّيت، لعلّني وافيته كي اكتشف عالمه. استلقيتُ على أريكة شرفته، ورحتُ اداعب اولاده فرداً فرداً. ذهلتُ بفرادة طينة رفيقة حياته التي هي حجر صلب وكريم. ثمّ عدت وإيّاه الى أيام الصِبا على متن اغنية "Forever Young I want to live forever، شاباً ابداً اريد ان أعيش للأبد" التي أدمَنّا سماعها في ازمنة الدراسة في الجامعة الاميركية منذ العام 1992. فتذكرنا سوياً كل الأصحاب والجميلات والاحداث. عشرون عاما مضت. صمتنا. فدمعت عيناي، ورحلتُ الى رأس بيروت. ومن ثمّ رحنا نرسم وجوه الامس. لقائي به كان عميقا، عمّق المسافات ما بين بيروت وكانتكي، والتي تجاوزت الخمسة عشر عاما. امور كثيرة تغيرت، واحداث تبدلت، واناس رحلت منذ ذلك الحين. قدّمني الى "تالا" ابنته، التي لم تكمل الثماني سنوات بعد، كشقيق وكاتب. ففرحت الصغيرة، وراحت تسألني عن سحر الكلمات وقوتها ومفاعيلها. اعطاني كتاباً وسألني ان أحَبّره بكلمات واهديه اليها. عائلة صديقي كانت من صلبه وصلب زوجته "رانيا". كانوا انوار "كانتكي". امضيت عندهم اياما من حلم، منسوجة بأفئدة وموشحة بومضات. مضت تلك الايام كسهم نار في ليل حالك. وفي ليلة الوداع وَافَت اخته فيروز وزوجها. فكان ان أنشَدت لهم "ام كلثوم" و"فيروز" و"زياد رحباني" و"لبنان" على الشرفة المستلقية على حقول النجمات. لم ارد الذهاب من هناك، الّا انّ وقت الرحيل قد حان. وثمّة محطات تنتظرني. ودّعت "لبنان" صديقي واهله برائحة الوطن وعبق التراب، ومضيت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق