الأربعاء، 23 ديسمبر، 2009

مصائب قوم عند «هولسيم» فوائد: غرق السفينة يثير قلقاً بيئيّاً

هناك ضرورة فتح تحقيق كامل بشأن حقيقة التسرب النفطي (جوزيف عيد ــ أ ف ب)


طغت الكارثة الإنسانية التي سبّبها غرق السفينة قبالة سواحل طرابلس، على الآثار البيئية القصيرة والطويلة الأمد، الناتجة من هذه الحادثة. وأسهمت في التعمية على فضيحة تسرب النفط إلى البحر من أنابيب شركة «هولسيم»
بسام القنطار


في الوقت الذي بدأ فيه اليأس يعمّ الباحثين عن مفقودي سفينة الشحن الأوروغويانية «داني ف2»، التي غرقت بفعل العواصف البحرية قبالة سواحل طرابلس، على بعد 11 ميلاً بحرياً عن مرفأ المدينة، بدأ همّ من نوع آخر يسيطر على مراقبي آثار هذه الكارثة الإنسانية أوّلاً.
المعلومات الدقيقة المتعلقة بالمكان الذي ترقد فيه هذه السفينة، تشير إلى عمق يتجاوز 1700 متر عن سطح البحر، وفقاً للخرائط الطوبوغرافية البحرية التي يمتلكها معهد علوم البحار.
رئيس المجلس الوطني للبحوث العلمية د. معين حمزة أكد لـ«الأخبار» أنه بعد مرور أربعة أيام على غرق السفينة، وظهور أبقار نافقة على الشاطئ، فإن ذلك يؤكّد التوقعات بأن كامل الحمولة من الماشية (16 ألف رأس بقر و51 ألف رأس غنم) محجوزة في أقفاص حديدية محكمة الإغلاق داخل السفينة، إضافةً، ربما، إلى بعض المفقودين.


ولم يستبعد حمزة أن تكون الأبقار النافقة التي وجدت على الشاطئ، مرمية من سفن أخرى، مشيراً إلى
أن سفينة قانا للأبحاث العلمية التابعة لمجلس البحوث، ترصد باستمرار أبقاراً نافقة تعوم في البحر بعد أن يجري التخلص منها، للتهرب من الغرامات المالية، وتحمّل كلفة طمرها.
ولفت حمزة إلى أن الكتلة اللحمية للماشية، المقدرة بآلاف الأطنان الغارقة في مكان واحد، تمثّل عنصر جذب لأعداد كبيرة من الأنواع البحرية التي تقتات باللحوم. ولم يستبعد قدوم العديد من الأسماك الدخيلة، ومنها بعض الأنواع الشرسة، ما سيسبّب خللاً على مستوى التنوع البيولوجي، من دون الحديث عن المخاطر على سلامة الصيادين.

لا يخفي حمزة صعوبة تحديد الأثر الطويل الأمد لهذه الحادثة على البيئة البحرية، وذلك في ظل شح
المعلومات، وصعوبة التكهن بالآثار السلبية نظراً إلى عدم وجود غواصات لبنانية يمكنها الغطس للعمق الذي استقرت فيه السفينة، والاطّلاع على وضعها.


في المقابل، يستبعد حمزة ما تردد عن تسرب النفط من خزانات السفينة، ويلفت إلى أن تلك الخزانات الحديدية تحتاج إلى وقت طويل لتتشقّق، وهذا يرتبط على كل حال، بنوعيتها وطريقة تلحيمها، مطالباً بضرورة أن توضع المعلومات المتعلقة بالسفينة الغارقة بتصرف السلطات اللبنانية، لتوفير معلومات أكثر دقة عن مخزونها النفطي وسائر القضايا التقنية التي يمكن أن توضح الأسباب الحقيقية لغرقها.


ويشدد حمزة، في المقابل، على قضية، غطّى على أهميتها غرق السفينة، أي حادث التسرب النفطي من أحد أنابيب معمل شركة هولسيم للترابة في شكا، القريبة من طرابلس. ما خلط أوراق مصدر التسرب، وجعل كل الاحتمالات واردة.


المواشي الغارقة ستجتذب أسماكاً شرسة دخيلة على بيئتنا
لكن ما يُغضب حمزة فعلاً، هو تصريحات أكثر من مسؤول رسمي أشارت في المجمل إلى أنه إذا حدث تسرب نفطي (من السفينة أو المعمل) فإنه لن يُسبّب أذى، لكونه قد انتقل بفعل التيارات البحرية الصاعدة شمالاً، إلى خارج الحدود اللبنانية. وهنا، يسأل حمزة، ما المقصود بهذا الكلام؟ وإذا وصل النفط إلى الشاطئ السوري أو غيره من الشواطئ المتوسطية يكون لبنان في منأى عن الضرر؟ مطالباً بالكف عن هذه التصريحات التي تسيئ إلى سمعة لبنان، وخصوصاً أن السلطات اللبنانية لا تزال تسعى إلى مقاضاة إسرائيل جراء الانسكاب النفطي الذي سبّبته بقصفها معمل الجية الحراري في تموز 2006، إضافةً إلى أن لبنان عضو في العديد من الاتفاقات الإقليمية والدولية التي تحمّل الدول التي يتسرب النفط منها، كامل المسؤولية عن التلويث، الذي يحدّد في أي شاطئ على البحر المتوسط.


مسؤولة الإعلام في مكتب غرينبيس في لبنان، رئيفة مكي، أكدت لـ«الأخبار» أن «الحياة البحرية لن تتأثر تأثّراً كبيراً جرّاء نفوق المواشي في السفينة الغارقة، وأن هذا الضرر كان يمكن أن يكون أكبر لو كانت السفينة أقرب إلى الشاطئ»، وطالبت بـ«ضرورة القيام ببحث علمي من أجل معرفة الضرر الطويل الأمد الذي يمكن أن تلحقه هذه الكارثة بالبيئة البحرية عموماً». ولفتت إلى أنه «رغم المأساة الكبيرة التي حصلت، فإن المطلوب أن تستثمر من أجل تسليط الضوء على الواقع المزري الذي يعانيه الشاطئ اللبناني، بسبب التلوّث الذي تخلّفه النفايات الصناعية والصرف الصحي». ودعت مكي إلى «ضرورة متابعة هذا الملف حتى النهاية، للتأكّد من احتمال تسرّب النفط من السفينة في وقت لاحق».

بدوره مستشار برنامج الأمم المتحدة للبيئة، مازن عبود، تحدّث عن ضرورة مراقبة الشاطئ
اللبناني لمعرفة حقيقة ما سينتج من غرق السفينة، إن لجهة الحيوانات النافقة أو النفط الذي لم يُعرف إذا كان قد تسرّب بالكامل منها، أو لا يزال موجوداً في خزّاناتها، مع ترجيح الاحتمال الأول، بسبب ضغط المياه أثناء الغرق.

وشدّد عبود على ضرورة فتح تحقيق كامل بشأن حقيقة التسرب النفطي الموجود حالياً، فهل هو من السفينة، أم جرّاء «عطل طارئ» في معمل شركة «هولسيم» في شكّا.

وطالب عبود وزير البيئة محمد رحال بعدم الاكتفاء بجولات تفقدية شكليّة، داعياً إلى تحقيق قضائي مستقل في ادعاء شركة «هولسيم» أن التسرب نتج من انفجار أنبوب الفيول، ومعرفة كمية النفط التي تسربت إلى البحر ومتابعة وضعها، وكذلك تكليف شركة مختصة القيام بأعمال التنظيف على أن تتحمل الشركة التكلفة.

وذكّر عبود بالتلوّث الذي تعرضت له بلدتا أنفة وشكا، في آذار عام 2008، جرّاء تسرب نفطي ناتج من عطل فني متكرر في أنابيب «هولسيم». وسأل عبود أين أصبحت الدعوى القضائية التي وعدت وزارة البيئة برفعها ضد هذه الشركة؟ مشيراً إلى أن تكرار حدوث الكارثة كل بضعة أشهر بسبب الشركة نفسها ناتج بالدرجة الأولى من عدم ملاحقتها قضائياً وتغريمها ملايين الدولارات. وإلى حينه، فإن «الحوادث» ستتكرّر، والحجة جاهزة دائماً تحت مسمّى «عطل فني».

وكان رحال قد زار السبت الماضي منطقة شكا، وعاين الأعمال الجارية لرفع التلوث وتنظيف الشاطئ ومجرى نهر العصفور. وأعلن رحال أنه «ابتداﺀً من الأسبوع المقبل (الحالي) سنعمّم كتباً على كل المؤسسات والمصانع العاملة المنتشرة على كل الأراضي اللبنانية لوضع خطة وسياسة للحماية من كل المشاكل التي تحصل، وسنحدّد مهلة شهر لتقديم الخطة المقترحة من جانبهم، على أن تدرس الجهات المختصة في الوزارة الاقتراحات، ومدى فاعليتها البيئية، ليصار إلى وضع خطة مشتركة، على أن تكون هذه الخطة شرطاً مــن شــروط عمل هذه الشركات والمعامل».

وأشــار رحال إلى «أن وزارة البيئة توجّهت إلى إدارة الشركة وإلى وزارة الداخلية والبلديات، وحدّدنا مهلة 15 يوماً لحل هذه المشكلة تحت طائلة اتخاذ الإجراﺀات اللازمة، ولا سيّما أننا تلقّينا من إدارة الشركة كتاباً يفيد عن تقدم بنسبة 85% في عملية إزالة الفيول، ونحن كوزارة بيئة سنتابع بواسطة خبراﺀ مختصين في الوزارة المواقع التي تلوّثت، وستُؤخذ عيّنات من المياه للكشف عن نتائج عمليات التنظيف».
________________________________________

«تارا» أخذت عيّنات من المياه اللبنانية
متابعةً لما أثارته «الأخبار» في عددها الصادر بتاريخ 11 كانون الأول 2009، عن عدم سماح السلطات اللبنانية لسفينة الأبحاث الفرنسية «تارا»، بأخذ عيّنات من المياه الإقليمية اللبنانية، أكد رئيس المجلس الوطني للبحوث العلمية معين حمزة (الصورة) أن العاصفة التي ضربت لبنان، أدت إلى بقاء السفينة أياماً إضافية في مرفأ بيروت، ما سمح للمجلس بالحصول على إذن من «غرفة العمليات البحرية المشتركة» من أجل السماح للسفينة بأخذ عيّنات من المياه اللبنانية، في منطقة قبالة بيروت على مستوى 2000 متر تحت سطح البحر. وأشار حمزة إلى أن أخذ العينات على هذا المستوى، يُعدّ إنجازاً علمياً كبيراً للبنان، لأننا لا نملك التقنيات التي تسمح لنا بالوصول إلى هذا العمق. مشيراً إلى أن «تارا» عملت طيلة يوم الاثنين 14 كانون الأول الماضي، وجمعت عيّنات عند إحداثية حدّدها المجلس هي 33/55 .33 شمالاً و35/19. 25 شرقاً.

ولفت حمزة إلى أن العيّنات أُرسلت إلى مختبر في ألمانيا، وستسلّم نتائجها في وقت قريب، حيث سندرسها وننشر نتائجها.

http://www.al-akhbar.com/ar/node/170318
عدد الاربعاء ٢٣ كانون الأول ٢٠٠٩
________________________________________

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق