الثلاثاء، 22 ديسمبر، 2009

البحر اللبناني.. تريدونه: شواطىء أم ردميات؟


البحر اللبناني.. تريدونه: شواطىء أم ردميات؟
المهندس مازن عبّود: " تجربتنا بالمواضيع البيئية "اسمع تفرح جرّب تحزن"، ولبنان في "كوما" بعيدة عن المشاريع البييئة"

Minbar ATTAWHID Monthly- November.2009
هي اذاً "كوما" دخل فيها لبنان منذ زمن ولا يزال غارقاً في نتائجها حتى الآن، فقط لأنّ مسؤوليه وحكامه غير آبهين اذا تحوّل "لبنان الأخضر" لـ"واحات ومباني اسمنتية"، والغريب في الأمر أنه برغم كل التجارب لا يزال "الزعيم" ماضياً في مخالفاته والشعب سائراً خلفه وبحسب مشيئته.
لا أحد يأبه اذا غاب المجتمع المدني وتحوّل لبنان لدويلات طائفية، وهذا ما تناوله المهندس مازن عبود في كتابه "بذور التغيير" ناقلاً تجارب الجمعيات في شمال لبنان وغيرها بإخفاقاتها ونجاحاتها، وطارحاً العديد من طرق تكوين المجتمع المدني الصحيح وتحسين أوضاع الجمعيات في لبنان. جاء كتابه كقصة فلاح يبذر حبوبه وينتظر موعد نموّها، مع نظرة تأملية لمحاولة التغيير والوصول لوضع أفضل.
أمور كثيرة تناولناها في مقابلتنا مع المهندس الصحافي مازن عبود، عضو لجنة ادارة حصر التبغ والتنباك "الريجي" والمستشار البيئي لدى برنامج الأمم المتحدة وعضو اتحاد الاعلاميين الدولي، الا أنّ مشكلة التعدّيات على "شاطىء كفرعبيدا" كانت الموضوع الأبرز لحوارنا معه، اضافة الى مشاركته في بعض الاجتماعات التحضيرية مؤتمر "كوبنهاغن" لمعالجة مشكلة الانحباس الحراري وغيرها من المواضيع البيئية، فكان الحوار التالي:
أثيرت مؤخراً مشكلة شاطىء "كفرعبيدا". أين أصبح هذا الموضوع وكيف تتم معالجته؟
كما قلنا سابقاً، أنه بحدود عام 2025 سيصبح الشاطىء اللبناني "اسمنتي" بالكامل، اذ أنه يتخصص لحساب المنتفعين المدعومين سياسياً والذين يملكون عنصر المال. كل ذلك يأتي على حساب الشعب اللبناني. ففاتورة الاستجمام بالشاطئ الذي تمّ تخصيص غالبيته، تتراوح للفرد الواحد وليوم واحد ما بين الـ10 و 30$. وهذا يعني ايضا بالتالي أنّ فاتورة السائح قد ارتفعت. وانّ هذا يضعف حتما قدرات لبنان التنافسية في هذا الاطار. ومن ثمّ تراهم يرتكبون كل تلك الجرائم بحجة تعزيز السياحة ويعتبرون انّ من يقف بوجههم يقف بوجه الإنماء. صحيح أن هذه المشاريع تعطي نتيجة على المدى القريب الا أنها مضرّة على المدى البعيد. فالسائح عادة يعشق الشواطئ الطبيعية لا الاسمنتية على حد علمي. اذاً يجب تعديل القوانين المتعلقة بالاعتداءات البحرية التي تشرّع سرقة ميزات البلد التفاضلية في المدى المتوسط، كما يتوجب اعتماد سياسات تصدي لاغراءآت استثمارات رؤوس الاموال في التعديات البحرية. يتوجب اعلان حالة الطوارئ في موضوع تراخيص التعديات البحرية، وهذا ما نطلبه من اي حكومة عتيدة في بيانها الوزاري. نعم اني حريصً على كل شبر متبقٍ من الشاطئ وذلك حفاظا على حقوق الاجيال المقبلة في التعرف على نماذج مما كانت شواطئ لبنان عليه في ازمنة اجدادهم المخربين والقصيري النظر. وفي هذا الاطار فقط، جاء رفضي المعلن والمطلق لمشروع شاطىء كفرعبيدا. لقد اردت ان يكون ذلك بداية التحول بغية قول "لا" في سبيل البلد الذي نحب مخافة خسران مقوماتنا السياحية.

وحش المال والسياسة يلعب دوره البارز في المشاكل البيئية

مَن الجهة المسؤولة عن إعطاء الترخيصات للمشاريع السياحية في لبنان؟ الرخصة أعطيَت عندما كان الوزير الصفدي وزيراً للأشغال، فعمل لاصدار، وبشكل مواز لمرسوم كفرعبيدا، مرسوما خاصا به يعطيه الحق باقامة مرفأ خاص لقصر قام بتشييده على شاطئ البربارة. ترخيص ردم البحر في كفرعبيدا اعطي ظاهريا لرجل أعمال من عائلة "الأحد" يمتلك شركة تدعى "شركة انماء الشواطئ". ويقال ضمنيا ان ثمة رؤوس اموال عربية وساسة محليين متورطين في المشروع المذكور. واني اعتقد بأنّ ثمة تغطية من زعماء محليين ووطنيين للمشروع الذي رفض مرتين من قبل المجلس الاعلى للتنظيم المدني، فهبط عاموديا على جدول اعمال مجلس الوزراء. فكان ان لم يوقعه رئيس الجمهورية آنها باعتبار انّ الحكومة فقدت شرعيتها باستقالة الوزراء الشيعة، الا انه وعلى الرغم من كل ذلك مرر مرسومي كفرعبيدا والبربارة ونشرا في الجريدة الرسمية وفق الاصول بالاستناد الى دستور الطائف.
لقد راجعت الوزير العريضي في هذا الاطار ووعد باسترجاع المرسوم لدراسته. وتجدر الاشارة الى ان مجموعة من مشاريع القوانين المستصدرة من قبل تلك الحكومة اوقفت في قلم مجلس النواب باءعتبارها غير شرعية (من قبل الرئيس بري في مجلس النواب) مطالبا باعادة عرضها على مجلس الوزراء لاقرارها مع توقيع رئيس الجمهورية، الا انّ هذا لم يشمل المراسيم لغاية هذا التاريخ على ما يبدوا.
وتجدر الاشارة الى انه لو اعتبرنا ان مرسوم كفرعبيدا قانوني مثلا، فانه تمّ تخطي المهل المعطاة لانجاز الاشغال -ردم البحري او انشاء النفق مثلا، مما يستوجب اصدار مراسيم اخرى. وابلغت من قانونيين بأنه في مثل هكذا حالة يحق لوزير الأشغال العامة والنقل استرجاع المرسوم، واعادة النظر فيه. هذا ويعتبر السعر الذي يدفع للدولة اللبنانية مقابل استثمار التعديات بخس للغاية، اذ انّ قانون التعديات البحرية قد فصل على مقاسات معينة.
انّ كل هذا دفعني للتوجّه برسالة لوزير الأشغال (الوزير المعني) بتاريخ 28/9/2009 شرحت فيها تأثيرات المشروع. وقد لفت اهتمامه انّ موقع المشروع المذكورهو واحد من 31 موقعا طبيعيا اختارها مجلس الانماء والاعمار لحمايتها على الشواطىء اللبنانية، وذلك بسبب فرادته الجيولوجية والطبيعية والاثرية. رسالة تضمنت ايضا بندا يتعلق بالواجهة البحرية وتأثيرات ردم البحر على التيارات المائية وبالتالي الصيد والصيّادين الذين هم افقر شريحة في لبنان بوصفهم الاكثر تضررا من ردم البحر. كما قلتُ أنه بناءاً للأرقام الموجودة لدينا، نعلم أن حوالي 15 ألف شخص يأتون الى هذا الشاطىء سنوياً، فحتماً سيذهبون الى شاطىء آخر ولنفترض أنهم يدفعون الحد الأدنى (عشرة آلاف ليرة)، أي لدينا أرباح بحوالي 150 ألف دولار في السنة، وهذه حتماً يتكبّدها المواطنون.

اذاً هناك خسارة للدولة من تنفيذ هذا المشروع؟
بالطبع، فقد قلتُ في الرسالة أن قيمة الأموال التي تمّ دفعها مقابل هذه التعديات هي فقط 46 مليون ليرة لمرفأ شكا، وبالطبع هي قيمة بخسة جداً، وهي تستطيع أن تفقدهم معنى المشروع لأن فيها عدم إنصاف لحقوق الدولة في هذا الموضوع، خاصة أنهم أخذوا آلاف الأمتار وقيمة التعدّي بلغَت حوالي مئة مليون ليرة في حين أنهم تكلفوا فقط 46 مليون. اذاً قيمة الأموال التي دفعوها للدولة قليلة جداً بالمقارنة مع الفائدة. ولولا تدخل وزراة البيئة لكان بامكانهم الاستفادة من هذا التعدي لردم 37 ألف متر مربّع من البحر. وعلى فكرة فاني اعتقد بأنه اذا ما ساتمرت الامور على هذا المنحى عندنا فسيكون للبنان حدود برية مع قبرص والاتحاد الاوروبي في المدى البعيد. وعلّ هذا ما يريده ساستنا في تفكيرهم الاستراتيجي.
ماذا عن المرسوم الصادر والذي أجاز لأصحاب المشروع البدء فيه؟
المرسوم الأول الذي يشمل أعمال ردم البحر رقمه 955، وقد استُخدِمَ بتاريخ 23/11/2007 (جريدة رسمية عدد 74)، لشركة "انماء الشواطىء" والعقارات المشمولة هي 262 و263 .
اعتقد انّ القصة برمتها "تنفيعة بتنفيعة"، وهي غير سليمة لا بيئياً ولا اقتصادياً. وقوفي في وجه المشروع استدعى ردا علي من قبل رئيس البلدية في كفرعبيدا في جريدة الديار فقال: "الى مازن عبود... نحن نشكر غيرتك ولماذا هذه الغيرة الزائدة"، كما قال أنه حريص على قريته وقد سمح لأهالي القرية بالمجيء للسباحة على الشاطىء، وحاول اقناعي أن هذا المشروع لا يضرّ بالبيئة، مع العلم أنه بخمسين مليون دولار ويتضمن عشرات الفيلات على البحر مع مرفأ للصيّادين. أنا لا أفهم كيف استطاع إعطاء الرخصة، وكيف أن مشروع بهذه الضخامة لا يلوّث.
مما لا شك فيه أن وزارة البيئة، وبناء على متابعة البيئيين، قامت في دراسة EIA - دراسة تقييم الاثر البيئي بشطب الكثير من مكونات المشروع وفرضت شروطا صارمة على المستثمر، لكن مَن يقول أنهم سينفذون شروط الوزراة؟ هذا ما سألناه لأننا اعتدنا أن تكون المشاريع رائعة على العقود والأوراق، ونراها على أرض الواقع مغايرة لذلك. تجربتنا بالموضوع "اسمع تفرح جرّب تحزن"، ومن هنا لدينا تحفظات على كل هذه المشاريع، مع العلم أنهم لم يأخذوا الرخصة الا بعد أن قامت وزارة البيئة بجهود كبيرة لتحفظ الحد الأدنى من الضرر البيئي، لكن لا نملك الضمانات التي تؤكد أنهم سيلتزمون بهذه الشروط والمعايير، وليس لدينا جهة لتراقب ما يتم تنفيذه على الأرض.
ماذا تقترحون اذاً؟
نحن بالمطلق ضد ما يحصل، ومع الحفاظ على ما تبقّى من الأراضي، ونقترح على الدولة اللبنانية أن تجمع المال كما فعلوا في موضوع الطوّافات وتشتري هذه الأرض والتي هي أملاك خاصة وتحوّلها لأملاك عامة.
ما كان ردّ الوزير العريضي على رسالتكم وطلب تغيير الرسوم؟
الوزير العريضي كان متجاوباً، وقال أنه بما أنه يوجد حيثيّات قانونية وهي كافية بموجب ما ذكرناه، كما أن المادة الرابعة من المرسوم المذكور (955) نصّت على ضرورة بدء أعمال الردم خلال ثماني عشر أشهر من تاريخ صدوره، وبما أنه تمّ تجاوز ذلك بأربعة أشهر، فإذاً يحق للوزير أن يستعيد هذا المرسوم ويضعه قيد الدراسة. هو وعَد أنه سيقوم بما يلزم، ولديّ الثقة بأنه سينفّذ ذلك لأنه كما يبدو يسعى للاصلاح، والا فسينتصر "وحش المال والسياسة" مرة جديدة على هذا البلد.

الدولة.. الغائب الكبر عن متابعة شكاوى المواطنين

أنتَ نزلت الى أرض الواقع وتابعتَ الموضوع عن كثب. كناشط بيئيّ، ما الخطوات التي تقومون بها أيضاً لحماية الشاطىء اللبناني بكامله خاصة بعد ما تعرّ ض له في حرب تموز؟
عندما تأتينا شكوى في أي مكان نتابعها، ونتحرك كما يجب طبعاً ضمن الأطر والقوانين، ونحن لا نتأخر في ما نستطيع أن نعالجه.
هل تابعتم معالجة أضرار عدوان تموز على البحر والبيئة بالمجمل؟
نعم تابعناه، لكن للأسف لا يوجد مَن يتابع رسمياً لأننا كما نعلم كل مسؤول يفكر بمصالحه، والكل مُلهٍ بتشكيل الحكومة. بصراحة، لقد تعبنا ولا يوجد سوى "النقار السياسي" وأمور الناس لا تزال متوقفة.
هل لديك معلومات عن "نهر الغدير" الذي تناولته إحدى الوسائل الاعلامية على أنه ملوّث بـ"براز الانسان" ويتم ري المزروعات منه؟
ما أعرفه أن معظم الأنهار في لبنان هي أنهار ملوثة، لأننا لا نملك مشروعات صرف صحي ومحطات تكرير. ما يحصل هو أن الناس تروي مزروعاتها من هذه المياه الملوثة ولذلك تأثيرات كبيرة على التربة التي تتردّى نوعيتها مع الوقت لامتلائها بالمعادن التي لا تصلح وتجعلها أقل خصوبة. هناك الكثير من الفيروسات والبكتيريا التي تنتقل للناس عبر المزروعات، كما يوجد العديد من الحشرات التي تنشأ من جرّاء هذه الاستعمالات. اذاً هناك مشكل حقيقي على صعيد كل الأنهار وليس فقط نهر الغدير، اذ نعاني منها في عكار والضنية والبترون وغيرها. البلد كله مسمّم والمياه العذبة تتلوث يوماً بعد يوم وتخفّ كميّتها لأسباب عديدة، ونحن لا زلنا نضع البيئة في آخر اهتماماتنا ونأتي بوزير بيئة فقط لأن الزعيم يحبّه. المطلوب هو تسمية وزراء بيئة لشكر الناس الذي انتخبوهم، وأن تكون المحبة للوطن وليس للشخص الزعيم.

هل انّ المبيدات الزراعية قد اضحت خطرا على السلامة العامة؟
ان استعمال بعض انواع المبيدات الزراعية قد اضحى محذرا نظرا لتأثيراتها على حياة الناس. كما انّ استعمال البعض المتبقي منها بشكل غير مدروس (عدم الملائمة او سؤ التوقيت او الافراط من الكميات) يضحي مصدرا لتلوث التربة والهواء والمياه الجوفية. لا يمكننا حاليا الاستغناء كليا عن المبيدات الا انه يتوجب على الجهات المعنية ترشيد استعمالها وادخال الجيد منها فقط. كما يتوجب ارشاد المزارعين على طرق اخرى لمعالجة الآفات الزراعية تعتمد على مبادئ الادارة المتكاملة للآفات وذلك عبر استعمال بعض انواع النباتات او الحشرات او الطيور للتخلص من بعض انواع الآفات الزراعية.


وزارة البيئة في لبنان أضعف الوزارات

هل لديكم أمل بأن يتحسّن عمل وزارة البيئة مع تشكيل الحكومة الجديدة خاصة أن هذه الوزارة تعتبر من أبرز الوزارات في دول أخرى؟
نتمنى أن لا يأتوا الى وزارة البيئة بوزراء ضد البيئة، هذه خطوة أساسية جداً نتمنى أخذها بعين الاعتبار والمجيء بأشخاص يتمتعون بالحد الأدنى من الثقافة البيئية أو أقله يكونون متعاطفين مع البيئة، ولا يتّهموا البيئيين أنهم من العصر الحجري وضدّ الحضارة والتقدّم. نريد اشخاصا تعترف بجهلها البيئي اذا ما وجد وتتعاون مع الاخر لمعالجته فلا تأتي بنظريات مسبقة لا تتطابق مع واقع الحال. انّ الأزمة في لبنان تبقى أزمة نظام، والبيئة هي الحلقة الأضعف لذلك فهي تعاني أكثر من غيرها من مخلفات هذا النظام.

لبنان "الوطن".. الى أين؟

هل هذا ما تكلمتَ عنه في كتابك "بذور التغيير"؟
نعم لأنها أزمة بلد بكامله، إذ لا يوجد معايير دولة، فنحن لا نزال في منطق "المزارع" والقبائل وحكم زعماء الطوائف وحكم أمراء الحرب وما الى ذلك. اذاً وجود دولة قائمة بحد ذاتها، ومجتمع مدني وسياسات خضراء في لبنان هو أمر مشكوك فيه فالدولة قد اضحت غائبة الى حد بعيد فلكل زعيم امارته الى حد بعيد.

ماذا يتضمن الكتاب خاصة أنكَ تكلمتَ عن المجتمع المدني ومشاكل المزارعين في لبنان؟
كل انسان يحلم بوطن أفضل، وأنا أشبّه نفسي بمزارع يذهب لحقله ويبذر الحبوب وينتظرها كي تزهر. لقد تحدّثتُ في كتابي عن أن تربة لبنان والشرق الأوسط ليست تربة خصبة بل هي مليئة بالأشواك، إذ لدينا الصراع الاسرائيلي الفلسطيني الذي لم تحل عقده الشائكة بعد، والذي يعيق أي تقدّم مستقبلي عربي. لقد مثّل لبنان انموذجا لتغيير وانعاش لهذه المنطقة، لكن جاءت الحرب لتقتل ما كان يُسمّى بالمجتمع المدني، وللأسف الشديد اليوم واقعياً لا يوجد أحزاب ولا ديمقراطية الى حد كبير، بل يوجد فقط حرية وحرية كبيرة بالتأكيد للقبائل كي تتحرك.

لماذا قلتَ أنه لا يوجد أحزاب؟
ما قبل الحرب الأهلية وقبل الطائف، كان يوجد مجتمعاً مدنياً تقوم اسسه على الفصل ما بين الحكام والناس الى حد بعيد. لقد كان هناك وجود لجمعيات مستقلة تراقب الحكام، وكانت عابرة للطوائف. اما اليوم فقد تهمّشت وضعُفَت مع أنها لا تزال موجودة. والحرية بدون رقابة ومسائلة تتحول الى فوضى. لقد اغتالت الحرب والطائف المجتمع المدني لمصلحة الزعماء. فاليوم كل زعيم يفعل ما يريد ويتبدل، فيتبدل معه حزبه دون مسائلة لأنه "الزعيم" وصورة الله على الأرض وهو لا يخطأ. فاليوم اذا أجرينا مقارنة بسيطة بين الحزب الشيوعي ما قبل الحرب اللبنانية وما بعدها، وكذلك الحزب القومي والاتحاد العمالي، نستطيع القول تقريباً أن المجتمع المدني في لبنان أضحى ضعيفاً للغاية، وأصبحت كل طائفة تملك مجتمعاً خاصاً بها، وأصبحت الطوائف تتكلم عبر شيوخها الذين قد يختلفون على تقسيم "الجبنة"، فيقطفون بالنيابة عن عشائرهم ما اعطي لهم. ثمّ انه اضحى للزعماء احقية في تعيين وزرائهم وفق معايير الولاء والانصياع وليس الكفاءة اللازمة. ويتم كل ذلك من دون ان يشعرون بالحرج او ضرورة التبرير امام محازبيهم. و الادهى ان هذا النظام يسعى لتعزيز سطوته عبر المال والخدمات كما تغطية المخالفات، وكل ذلك يأتي على حساب لبنان الوطن والكيان والجغرافيا، هذا هو موضوع الكتاب.

لماذا بذور "التغيير"؟ وأي تغيير تنشد؟
لأنني كنتُ أحلم دائماً بالتغيير، وقد عملت له بمقدراتي الصغيرة. اعترف بأني لم أستطيع فعل الكثير، الا اني غير. كما أعترف بأنني محبط بعض الشيئ جراء ذلك. ما أقوله أن نضالاتي مع هذا النظام والأسلوب القائم في البلد تبدوا طويلة. واني اعتقد بأنّ مثل هكذا نظام لا يمكن ان يهزم الا من خلال التعاطي ما بين جميع الجمعيات على صعيد لبنان كله، هذه الجمعيات الحقيقية الديمقراطية والمستقلة عن السياسيين، هي جمعيات مهمّشة كي نعيد تكوين المجتمع المدني. ما يتوجب فعله هو تطوير التفاعل ما بين عناصر المجتمع من خلق التغيير، واعادة تصويب الديمقراطية اللبنانية المتهاوية.

"الريجي" المؤسسة الرسمية الأولى التي تتبرّع للطوّافات

ماذا عن تبرّعكم كـ"ادارة حصر التبغ والتنباك" لوزارة الداخلية عبر الوزير بارود لشراء الطوافات؟
انّ الادارة الحالية لادارة حصر التبغ والتنباك تعتبر بأنّها ملزمة بقضايا البلد البييئة، كيف لا وفلسفة الادارة هي تثبيت الناس في ارضهم وذلك في اطار سياسات الدولة الاجتماعية. فاتخذنا قراراً بدعم موضوع الطوافات لأننا مع أن يبقى لبنان "بلد أخضر"، فاقتطعنا من أموال الريجي ورواتب الموظفين قيمة مالية رمزية بلغت 50 ألف دولار وأعطيناها للوزير بارود لشراء الطوّافات، وكنا الادارة الرسمية الأولى التي قامت بذلك ولسنا نادمين أبداً على ذلك.

ماذا عن مؤتمر الريجي الأخير؟
لقد قررنا تفيعل توجهاتنا البيئية فالتغيير يبدأ من الانسان بذاته، فاتفقنا على محاولة تخفيف التلوث الناتج عن انشطتنا وذلك عبر تخفيف استعمال المبيدات والأتربة والأسمدة الكيماوية، وخصصنا جائزة لتفيعل العمل البيئي، كما بدأنا بترشيد استعمال موارد الطاقة للكهرباء بالاعتماد على مصادر الطاقة البديلة كالشمس وغيرها، اضافة الى سلة من التدابير، وذلك استجابة منّا لمتطلبات مؤتمر "كوبنهاغن" لحماية كوكب الأرض. لقد أحببنا كـ"ادارة حصر تبغ وتنباك" أن نشكل انموذجاً لسائر الشركات في كيفية تخفيض الانبعاثات الحرارية وتخفيف التلوث من خلال تدوير النفايات وغيرها من المشاريع. برأيي أنه اذا قامت كل شركة بمثل هذه الخطوات والمبادرات فإن الكثير من المشاكل البيئية في طريقها الى الحل في لبنان. دورنا هو خدمة لبنان وبيئته ومجتمعه.

شاركتَ في تحضيرات مؤتمر "كوبنهاغن"؟
نعم شاركتُ في إحدى الإجتماعات التحضيرية للمؤتمر كمستشار لبرنامج الامم المتحدة للبيئة. واني اعتقد انّ كوبنهاغن هي ضرورة بعد ان اضحت مشكلة الاحتباس الحراري حقيقة علمية ووجودية واقتصادية. اعتقد بانّ على صانعي القرارات العالمية ان يسرعوا في حل هذه لانّ تكاليف المعالجة تزداد كثر فأكثر مع الوقت. بالطبع لبنان داخل في "كوما" وبعيد كل البعد عن هذا الموضوع، في وقت العالم كله مشغول في هذه المشكلة وكيفية تأمين التكاليف اللازمة لها.
The Interview was made on mid october 2009 حوار: سالي نوفل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق