الثلاثاء، 22 ديسمبر، 2009

كوبنهاغن والإحتباس السياسي



«أيها القادة ان العالم يلقي بذور آماله في تربتكم، لكن لفترة قصيرة من تاريخ البشرية...»
من كلمة رئيس حكومة الدانمارك - لارس راسموسين في افتتاحه قمة كوبنهاغن في 7/12/2009
البارحة اقلعت قمة كوبنهاغن الهادفة الى العمل على ضبط معدلات الارتفاع في درجات الحرارة على الكرة الارضية الى ما دون الدرجتين، ومعدلات غاز ثاني اوكسيد الكربون الى ما دون الثلاث مئة جزء في المليون جزء من جزيئات الهواء.
انطلقت قمة الحد من الاحتباس الحراري مع قدر كبير من الآمال ولكن بمعدلات اقل بكثير من الرغبات الفعلية في درء هذه الظاهرة التي ستؤدي الى نهاية الجنس البشري على كوكب الارض، اذ لم يعِ المركنتليون - ممن يمسكون القرار في الدول خطورتها لاعادة هيكلة الاقتصادات، او اذا لم يقدر للعلماء ان يطوروا تقنية «التقاط الكاربون من الجو» (CARBON SEQUESTERING) المكتشفة حديثا.
لكن قبل ان نغرق في بحر التحليلات الاقتصادية والسياسية في هذا الاطار يتوجب عليّ الاجابة عن سؤال شعبي ألا وهو: «ما معنى ان تستمر الانبعاثات الغازية بالتزايد وحرارة الارض بالارتفاع».
وجوابي على ذلك «ان هذا يعني حتما ان تقلّص حجم المياه المتوفر للشرب والري وبالتالي بوار الكثير من الاراضي الزراعية وازدياد الاعاصير والفياضانات والكوارث الطبيعية وارتفاع منسوب البحار حتى تغمر مياهها الكثير من مدائننا كلندن مثلا وغيرها من المدن المتمركزة على الجزر بوجه الخصوص.
وان هذا في النهاية سيؤدي حتما الى اضمحلال البشرية تدريجياً ابتداءً من الشعوب الاقل قدرة، ماليا وتكنولوجيا على مواجهة الازمات اي شعوب العالم الاقل نموا التي هي الاقل تسببا بمثل هذه الازمة، وصولا الى الجميع في العام 2050 مبدئيا.
اقلعت القمة والاجواء لا تشير الى تمخض المحادثات عن معاهدة ملزمة للاطراف المعنية فالكونغرس الاميركي لم يتبنَّ بعد خطة الرئيس أوباما للحد من انبعاثات الغازات الدفينة بسبعة عشر في المئة مع حلول العام 2020، على الرغم من تواضع الرقم المقترح.
وذلك لأن الحرب الدائرة في الساحة الاميركية ما بين شركات النفط والصناعات الملوثة من جهة، والمستنيرين من العلماء والساسة والاقتصاديين لم تنته.
فتسفر مثلا عن فوز القيم على المركنتيلية الرأسمالية التي ما زالت رغم فوز أوباما تقضم الحلم والقيم الأميركية جاعلة منها شعارات فارغة المضمون.
اقلعت كوبنهاغن وقد حسمت اوروبا الموحدة امرها بقيادة العالم اخلاقيا عبر تبنيها اصلاحات اقتصادية مكلفة وصعبة كي تنقذ العالم وتضحي بذلك الانموذج المنشود للعصر المقبل.
فالقارة القديمة قد ادركت ان الحضارات تنتهي عندما تفرغ من مخزونها الاخلاقي ـ وفق ما اوضح «فوكوياما» في ورقته: «نهاية التاريخ والانسان الاخير» التي نشرها على اثر سقوط حائط برلين.
وها هي القارة الهرمة تعود فتنعش جسمها ببعض الادوار الوجودية التي تشكل الاوكسجين الضروري لاستمرارها.
اقلعت قمة كوبنهاغن والصراع ما بين الدول الأكثر نموا والولايات المتحدة الاميركية يستعر حول ماهية احتساب درجات الانبعاثات.
والسؤال الاساس يبقى: «هل تحتسب درجات الانبعاثات كمعدل بالقياس الى الفرد ام بشكل اجمالي بالنسبة الى الدولة؟؟» مما لا شك فيه ان الجميع يريدان حل ازمة الانبعاثات الحرارية، لكن ليس على حساب اقتصاده.
فعلى ما يبدو بأن ما من حكومة حاليا تستطيع المغامرة بعد اليوم بفقدان المزيد من الوظائف او بالمزيد من التدهور الاقتصادي في ظل ازمة مالية عالمية عارمة ما زالت مفاعيلها تتفاقم وبالتالي خسران الانتخابات.
نعم لقد اضحت امكانية تحمل المخاطر لدى الحكومة شحيحة، حتى لو اتت في مصلحة اعادة هيكلة اقتصاداتها عبر ايجاد فرص عمل جديدة في حقول الاقتصادات الخضراء، كالطاقة المتجددة مثلا.
واني اخشى أن يتجاهل غالبية قادة العالم ذلك، فيضعون فرص نجاحهم في الانتخابات قبل اولوية انقاذ البشرية، وان هذا من الديموقراطية ومساوئها.
نعم ان ما جري في كوبنهاغن يمكن ان يعيد تنظيم الاقتصاد العالمي من الازمة المالية اذا ما احسن الرؤساء الاستفادة من العرض وتحقيق الربح الجماعي.
الا اني اميل الى عدم الثقة بزعماء البشر وضعفائهم، واضعا اتكالي على العلماء الذين سيتمكنون حتما بارشاد الهي من تطوير تقنية «التقاط الكاربون» المكتشفة حديثا، كي يتم خفض معدلات ثاني اوكسيد الكاربون في الهواء، وبالتالي انقاذ البشرية.
اقلعت كوبنهاغن، والحكومة اللبنانية تقلع معها الى العمد غدا..
تقلع الحكومة، وقد تمت تسمية وزير للبيئة يتقن العربية جيدا ويعرف كيفية تنظيم المؤتمرات الطلابية على الرغم من فتوته.
وقد أعلن لنا بالامس ان لبنان سيلتزم بالاعتماد جزئىا على الطاقة المتجددة بمعدل 12 بالماية مع حلول العام الفين واثنتي عشر بداية في ندوة حركة التجدد الديموقراطي، ثم اعاد النظر بذلك فأوضح ان ذلك سيتم مع حلول العام 2020.
الا انه اغفل ان يوضح لنا، لماذا هذا الرقم؟ وبناء على ماذا تم تحديده؟ وكيف سيتم الالتزام بانفاذ المشروع؟
تقلع الحكومة اللبنانية ورئىسها قد اعبر مشكورا عن نيته بترؤس الوفد اللبناني الى العاصمة الدانماركية.
يذهب دولة الرئىس الى هناك ولبنان لا يمتلك دراسة عن معدلات تناقص الثلوج على جباله او عن التغييرات في توزيع الامطار مثلا، وهذه ليست مشكلة الرئيس الحالي او موضوعا يسأل شخصيا عنه بالطبع.
يذهب دولة الرئىس الى هناك، على ما يبدو، وفي جعبته الكثير من الامال والقليل من الوسائل واني بالمناسبة اتمنى له التفوق في مساعيه.
نهاية، اشعر ان كوبنهاغن لن تفض الى معاهدة ملزمة بل الى التزامات اخلاقية مبدئية.
وامير الشعراء عند العرب احمد شوقي يقول في احد قصائده: «انما الأمم الاخلاقي اذا ما ذهبت اخلاقهم ذهبوا».
هذا حتى لو استطاعت الدول المجتمعة في كوبنهاغن التوصل الى معاهدة ملزمة، لما كان وضع الارض سيختلف كثيرا بعدها دون التزام اخلاقي واضح من قبل القادة.
لانه من مثلاً، سيقوم برصد وقياس وضبط الانبعاثات داخل دولة (دون موافقتها)، كي يتم تحديد مدى التزامها بالمعاهدة المذكورة؟؟ وحتى لو وفق احدهم في ذلك، فبالاستناد الى أي تشريع ستتم محاسبتها او تغريمها؟؟ ومن ثم فمن ستكون الجهة المعنية المخولة المحاسبة في حال الاخلال او التقاعس؟؟ وكيف؟؟ ثم انه من سيقدر مثلا ان يغرّم او يحاسب الدول التي تتمتع بقدرات اقتصادية او حربية او سياسية ضخمة (الفيتو في مجلس الامن مثلا)..
الا من فاقها قدرة ولاسباب مصلحية حصراً؟!!
والجواب يكمن بأن انقاذ المعاهدات الدولية لا يمكن ان يتحقق من دون اجراء اصلاحات جوهرية في الامم المتحدة، فتجعل منها حكومة عالمية تتمتع بالوسائل التي تمكنها من حسن تطبيق التشريعات الدولية، والا فالعدم النسبي في التعاطي الدولي السليم الى حد بعيد!!
الا انه وعلى الرغم من كل ذلك ما زالت قمة كوبنهاغن تشكل محطة في طريق استفاقة للبشرية قبل فوات الاوان اي نهاية الجنس البشري، وذلك في ضوء التغيرات المناخية الحاصلة.
انها قمة فحص اخلاق القادة ووعيهم وشجاعتهم، فحذار!!!
مازن ح.عبود
مستشار برنامج الامم المتحدة للبيئة
كتب المقال في 5 كانون الاول 2009 ونشر في جريدة الديار-صفحة الرأي في 22/12/2009

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق